المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام
كُرد سوريا.. البحث عن الاعتراف والانتماء

كُرد سوريا.. البحث عن الاعتراف والانتماء

الصحفي آلان حسن - كاتب سوري

تاريخ النشر: 2019/01/04

 

 

لا يكاد يمرّ يومٌ إلا وتُطرح فيه قضية الانتماء للوطن السوري، وغالباً ما يكون صيغة السؤال بـ "أيهما أسبق.. الوطن أم الدين أم القومية؟" وقد يكون التساؤل محقاً في حالات عدة يضيع فيه السوري بين ولاءات متناقضة، يحار فيه أيهما يختار ابتداءً.

 

ولعل "الحرب السورية" الممتدة منذ آذار/مارس عام 2011 قد زادت من حيرة السؤال ذاك، فقد برزت الروابط الوشائجية على حساب الهوية الوطنية، والتي تهمشت بحجج كثيرة، من أبرزها الاستبداد، وغياب المشاركة الفعلية في إدارة البلاد.

 

الصراعات التي حدثت على أساس طائفي زادت من حدة الاستقطاب الحاصل أصلاً، ودفعت عديد الأطراف إلى طلب التدخل والحماية من جهات خارجية.

 

كُرد سوريا عانوا أكثر من غيرهم في قضية الانتماء، فالظلم الواقع عليهم كان ظلمين، أولهما كونهم سوريون، والآخر لأنهم كُرد، ولعل أبرزها معاناة الآلاف منهم ممن حرموا جنسية بلدهم، وسمي قسم منهم بالأجانب (أي المسجلين في الدوائر الرسمية السورية بصفة أجنبي)، وقد منحتهم "الحكومة السورية" الهوية بعد احتجاجات عام 2011، والقسم الآخر بمكتومي القيد (صفة تطلق على مَن لا وجود له في السجلات الرسمية)، ولا تزال مشكلتهم قائمة إلى الآن.

 

ظلت المناطق الكُردية بمنأىً عن الصراعات العرقية والطائفية، لكن لم تنجُ من ذلك لاحقاً؛ فقد هاجم تنظيم "الدولة الإسلامية" مدينة كوباني/عين العرب أواخر العام 2013 وخلقت بذرة الصراع الديني بكونه بين مسلمين ومرتدين وكفرة.

 

الحرب ضد "تنظيم الدولة" أنشأ ما عرف لاحقاً بالتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وذلك بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وخاضت "قوات سوريا الديمقراطية" قسد (والتي تشكل وحدات حماية الشعب "الكُردية" عمادها الرئيسي) معارك توجت بالسيطرة على مدن كوباني، وتل أبيض، ومنبج، والرقة (عاصمة التنظيم" وأجزاء دير الزور الواقعة شرق نهر الفرات، والذي اعتبر حداً فاصلاً بين منطقة نفوذ الولايات المتحدة في شرقها، والروسية في غربها.

 

أما تركيا فقد قادت عمليتين عسكريتين، أولهما تحت مسمى "درع الفرات" وسيطرت من خلالها على مدن جرابلس، والباب، وإعزاز، والثانية باسم "غصن الزيتون" وسيطرت بموجبه على مدينة عفرين.

 

كانت الانعطافة الأولى في الحالة الكُردية بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب جنوده من سوريا في 28 آذار/مارس عام 2018، في خطوة فاجأت حتى أقرب المقربين في مراكز صنع القرار الأمريكي، لكن تدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وعدد من الساسة والعسكريين الأمريكيين، أقنع ترامب بتأجيل قراره، وتوهم الجميع أن هذا التأجيل قد أصبح دائماً، وأن التحالف قد بقي إلى أجل بعيد، خصوصاً بعد تأكيدات المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا جيمس جيفري أعلن أكثر من مرة عن ثلاثة محددات لإنهاء الوجود الأمريكي في سوريا، وحددها بهزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" ومنع عودة ظهوره شمال شرقي سوريا، وتقليص النفوذ الإيراني، والعمل مع موسكو بالحوار والضغط للوصول إلى حل سياسي وفق القرار «2254».

 

لكن الحقيقة كانت أن ترامب ينوي الخروج فعلاً من سوريا، فقد علل سبب خروجه في المرة الأولى بغياب النجاعة الاقتصادية للوجود الأمريكي في سوريا، وهذا يعني بالضبط أن لا هدف استراتيجياً للولايات المتحدة في سوريا، وتتعامل مع وجودها في سوريا كورقة للمساومة لاحقاً، وبهدف منع تمدد إيران في سوريا (وهو ما تكفلت موسكو بإنجازه) وكورقة ضغط على حليفه المتمرد تركيا، التي وصلت في علاقتها بموسكو حدوداً فوق المسموح به أمريكياً.

 

لم يكن الإعلان الأمريكي الثاني مفاجئاً لغير الحالمين، إلا في توقيته وسرعة تنفيذه، لكن مبدأ الانسحاب كان واضحاً إلا لمن اعتاد إنكار الواقع، ووضع الجميع أمام واقع جديد، حيث لا تعويل على الولايات المتحدة، ولا فائدة من المراهنة على فرنسا أو أي قوة أخرى، فباريس تعيش في أحد أسوأ ظروفها حيث مظاهرات السترات الصفراء، وما القرار الفرنسي بإبقاء قواته في سوريا إلا لاستعمالها كورقة ضغط للقبول بشركاتها في إعادة إعمار سوريا، وبسبب العديد الكبير للفرنسيين ضمن أسرى "تنظيم الدولة" لدى "قوات سوريا الديمقراطية"

 

يبدو أن هناك إجماعاً دولياً على بقاء الروس فقط في سوريا، وإخراج القوات التركية والإيرانية منها، وقد يكون الانسحاب الأمريكي هو الحلقة الأولى في سلسلة الخروج الدولي من سوريا.

 

على "حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)" أن يتخلى عن المشاريع الطوباوية التي أنهك بها كُرد سوريا، وأن يتحلى بالواقعية السياسية التي افتقدها منذ تحالفه مع الولايات المتحدة، ويحاول الوصول مع شركائه في الوطن السوري إلى صيغ للعيش المشترك.

 

المراهنة الآن على "التفاهمات السورية السورية"، وسيكون الغطاء الروسي هو الجامع لكل ما هو آت في سوريا.

 

سيكون خيار التفاوض مع "الحكومة السورية"، وبضمانة روسية هي أنجع السبل للخروج من عنق الزجاجة التي وُضِع بها الكُرد، وعليه أن يقدم مراجعة نقدية للإيديولوجيا التي أرهقته خلال سنوات الحرب، والنضال للوصول إلى وطن سوري لا يميز بين مواطنيه على أساس الدين أو العرق أو الطائفة، وإنشاء سوريا مدنية تعتمد مبدأ المواطنة أساساً عملياً لعلاقة المواطن بوطنه، والاحتفاء بكل مكوناته وثقافاته دون تمييز بينها، هذا، وهذا فقط، هو الطريق الذي يوصلنا إلى الانتماء للوطن السوري الذي يتسع للجميع.

 

مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة

 

(للاطلاع على المقالة كملف pdf يُرجى تحميل الملف المُرفق أسفل الصفحة)

---------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2019

459.21 كيلوبايت

تابعنا على الفيسبوك

القائمة البريدية


تابعنا على تويتر

جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2019 / تنفيذ وتطوير شركة SkyIn /