داء التمذهب "السني" ودواؤه في الثورة السورية

Google Plus Share
Facebook Share

الباحث والمفكر السوري: د. محمد خير الوزير  
تاريخ النشر: 2016/07/19

 

شهدت الثورة السورية منذ انطلاقتها وإلى وقتنا الحالي تطورات وتحولات مختلفة؛ فبدأت بثورة شعب عارمة

ضد نظام طاغٍ وظالم، ومع مرور الوقت، وبفعل ظروف محلية وخارجية تحولت إلى صراع سياسي متعدد الأوجه والأنماط؛ فمن طائفي إلى قومي، إلى مذهبي، الأمر الذي أدى إلى خنق الحراك السياسي السلمي في المجتمع السوري، ومنعه حتى الآن من تحقيق أهدافه في تغيير النظام الإقصائي الشمولي الجاثم على صدور السوريين منذ عقود.

وفي هذه الورقة البحثية المصغرة سنتناول إحدى هذه الصراعات ألا وهي التمذهب السني السياسي.

وقبل البدء في عرض مضمونها، نضع تعريفاً إجرائياً لمصطلح "التمذهب السني السياسي"  حيث نقصد به:

 جميع الكيانات السياسية ”السنية“ في سورية وكذلك العسكرية التي لها كيان سياسي، حيث تتكتل تحت عناوين وهويات مختلفة (قومية، وفكرية) بعيداً عن الهوية السنية السورية الجامعة.

وتدور محاور البحث حول النقاط الآتية:

1- تشتت القوى السنية السورية وتناحرها

2- دور المال السياسي في تعزيز التمذهب السياسي السني

3- أثر النخب الدينية السنية في التمذهب السياسي السني

4- العوامل الخارجية وانعكاساتها على الموضوع

5- واقع الثورة السورية والحلول الممكنة لمسألة التمذهب السياسي السني في ضوء هذا الواقع

6- خلاصة

 تمهيد:

تعيش سورية اليوم مخاضاً عسيراً بغية تأسيس مجتمع سياسي جديد حددت ملامحه الأهداف الأولى للثورة السورية كجزء من ثورات الربيع العربي، وتمثلت هذه الأهداف بالتخلص من نظام الأسد الشمولي والاستبدادي وبناء مجتمعٍ بديل قائم على تحقيق العدل والحرية والكرامة الإنسانية لجميع أبنائه.

وتعتبر هذه الأهداف المألوفة والمعروفة والمقبولة من قبل جميع السوريين، المادة الرئيسة التي استمدت منها الثورة السورية شرعيتها وشعبيتها.

 

وفي هذا المفهوم الشامل تتمثل روح الأمة المجتمعية وهي الضمانة الأنسب للعقد الوطني السياسي لكل المكونات المنتمية للمجتمع السوري الحديث، لاسيّما وهو على أعتاب مرحلة جديدة قد تنتهي بتأسيس جمهورية سورية ثالثة.

ومرحلة التأسيس هذه مرهونة بحجم وبمنشأ التسويات والتوازنات الداخلية والإقليمية والعالمية، وفي الوقت نفسه مرهونة بصراع إيديولوجي منبته الشعب وتطلعاته إلى التغيير الذي يلزم من أجل أن يكون هذا الشعب سيد نفسه)..

 

ولكن وخلال خمس سنوات من عمر الثورة السورية ساهم النظام بالدرجة الأولى مع غالبية فئات معارضيه من خلال العنف والعنف المضاد، ومن خلال عمله - النظام-  على تفتيت المعارضة ونجاحه إلى حد ما في ذلك، أدى  إلى انحراف في المسار، وتسارع في تعميق انقلاب العقد الاجتماعي المأمول للحراك الثوري.

ولكن يبقى العقد الاجتماعي المأمول والمنتظر هو بمثابة التصحيح الأخير للثورة، ومنعها من انحراف صميمي أو تقسيم طلاقيٍّ أو حتى هجوم رسمي خارجي متوقع أن يُمارَس من قبل جهات داخلية مذهبية، وخارجية تؤجج الطائفية عموما في سورية، والتمذهب السني السياسي خصوصاً، والذي هو مدار البحث.

 

المبحث الأول- تشتت القوى السنية وتناحرها على الساحة السورية

يبدو المشهدُ السياسيُّ لقوى الثورة والمعارضة السوريّة حتى الآن مفتّتاً ومنقسماً إلى حدٍّ ما، تتقاذفه سماتُ التعطيل والعطالة والاستقطاب، بينما تمضي الثورة السوريّة وحيدةً ويتيمةً.

ورغم أنّ الحراك الثوري قد أفرز متغيّراتٍ وتطوّراتٍ هامّة وجديدة سياسية وفكرية في المجتمع السوري وذلك من خلال حجم الحجز المجتمعي المشهود بداية الثورة السورية، إلا أن الخطأ الأول والكبير الذي وقعت فيه الثورة
أو تم إيقاعها به، هو ترويج الحراك السوري على أنّه صراع واحتراب بين السنة والشيعة بمرحلة أولى، ثم جاءت الطامة الكبرى عندما أخذ الصراع طابع احتراب مزدوج  طائفي (سنة وشيعة)، ومذهبي (السنة أنفسهم)،
وهو مايبدو أنّه الأسوء والأخطر. (1).

 ففي بداية الثورة وجدت المعارضة التقليديّة السوريّة، بمختلف أطيافها الليبراليّة واليساريّة والقوميّة والإسلاميّة نفسها، في حالٍ لا تُحسد عليه، كونها لم تشارك في اندلاع شرارة الثورة، ومع ازدياد زخم الحراك الاحتجاجيّ الثوريّ راحت تحثُّ الخطى كي تلحق بالثورة، وتستعجل عقد اللقاءات والمؤتمرات، في الداخل والخارج.

 وفي هذه المرحلة  نشأت تشكيلاتٌ معارضةٌ، ذات فعاليّةٍ محدودة في المشهد السياسيِّ العامِّ، وبعضها مكوّنٌ من عددٍ من الشخصيّات المعارضة المستقلّة والثقافيّة.

ومن هذه التشكيلات “حركة معاً من أجل سورية حرّة ديموقراطيّة” و ”تيار مواطنة” و ”تيار بناء الدولة السوريّة”، و ”تجمّع نبض للشباب المدنيّ السوريّ”، و”ائتلاف اليسار السوريّ”،

ورابطة العلمانيّين السوريّين” و”تيار التغيير الوطنيّ” والمنبر الديمقراطيّ” وسواها.

كما ظهرت أيضاً- تشكيلاتٌ معارضةٌ قريبةٌ من النظام، ومدعومةٌ من طرفه، بل و تزاود على أطروحاته.

ويمكن حصر أهمَّ تشكيلات المعارضة الجديدة، بـ: المجلس الوطنيُّ السوريّ، وهيئة التنسيق الوطنيّ للتغيير الديموقراطيّ في سوريا، والائتلاف الوطنيّ لقوى الثورة والمعارضة السوريّة. (2)

وقد استطاع المجتمع الدولي والنظام معاً عبر هذه التشكيلات السياسية المعارضة -السُّنَّة يشكلون نصيب الأسد فيها- على اختلاف تسمياتها ومسمياتها ومن خلال دُولِهِ النافذة والساعية إلى تلبية مصالحها أن يحقق الآتي:

1– تكريس حالة الانقسام والتفتت مساندةً في ذلك النظام الذي عمل من خلال معارضته على تكريسها في صفوف المعارضة الممثلة للثورة.

فعندما انضمت هيئة التنسيق الوطنيّ لقوى التغيير الديموقراطيّ إلى الائتلاف الوطنيّ حدث انقسامٍ فكريٍّ وسياسيٍّ واضحٍ في المعارضة السوريّة، ما بين القوى والشخصيّات الليبراليّة والإسلاميّة التي تشكّل منها الائتلاف الوطنيّ، وبين الشخصيّات والقوى والأحزاب القوميّة التي انضوت تحت هيئة التنسيق، بمعنى أن الانقسام بُنِيَ على خلفيّاتٍ وأسسٍ سياسيّةٍ وإيديولوجيّة، ما بين الليبراليّين والإسلاميّين وبين القوميّين وبقايا اليساريّين، طبعا وفي معظمها قوى سنية.

واستمر الحال على هذا المنوال إلى أن أصبحت معظم تشكيلات المعارضة السياسيّة لها دورٌ في الفرقة والتفتّت والانقسام، نظراً لأن كلَّ تشكيلٍ سياسيٍّ قام على مبدأ احتكار التمثيل، ما جعله يركن إلى التمترس خلف بنيته وهيكليّته، والاكتفاء بتوجيه الدعوة للآخرين للانضمام إليه، أو الانخراط في صفوفه ،وصولا إلى تطور الصراع في سورية وتشعبه، ودخول أطراف إقليمية ودولية على خطه، بشكل مباشر أو غير مباشر.

 ما أدى إلى تحول الثورة السورية من صراع داخلي بين نظام قمعي ديكتاتوري وبين شعب خرج مطالباً بأبسط حقوقه الإنسانية والوطنية، إلى صراع مصالح واستراتيجيات دولية وإقليمية ومحاولات لإعادة رسم خريطة المنطقة جيوسياسياً وجيواستراتيجياً ابتداء من سورية.

ونتيجة لذلك لم تعد كل الأطراف السورية، سواء المعارضة السياسية، التقليدية منها أو التي نشأت على هامش الحراك الشعبي، ولا ذلك الطرف الذي يتربع على قمة السلطة السياسية منذ خمسة عقود؛ لم تعد كل تلك الأطراف قادرة على التأثير بمجريات الأحداث ولا بمآلاتها بعد أن أصبحت رهينة لتوجهات ومصالح القوى الكبرى التي تدير « لعبة الأمم ».(3)

 

 

2 - الإخفاق والتعطيل:

 استمرت القوى الدولية بالدفع في الحالة السابقة متذرعةً بتوحيد المعارضة وقدرتها على وضع رؤيةٍ مشتركةٍ، وتشكيل قطبٍ يوحّد الجهود ويدعم ويتواصل مع قوى الحراك، ويرتب العلاقات مع القوى العربيّةِ والدوليّة.

 وقد استفادت في كل ذلك من تنوّع الأطر السياسيّة والإيديولوجية للمعارضة السوريّة وتعددها -رغم أن معظمها ذوو هوية سنية - وعدم تقديم الدعم الكافي لها، الذي يمكنها من قيادة الثورة الشعبية الواضحة الأهداف، بدلاً من الالتفات إلى تحقيق مكاسب حزبية آنية ترسمها سياسات الدول الداعمة.

 وعلى أثر ذلك انكشف مدى الانقطاع العملي لقوى المعارضة الأساسية المشار لها سابقاً عن وقائع الثورة ومسارها وتحولاتها، واكتفاء قياداتها بترديد مطالب الناس، وما تصدح به حناجر المتظاهرين، كل ذلك انعكس سلباً على السواد الأعظم من الشعب السوري الذي انتفض في وجه النظام، غير آبهٍ بحجم التضحيات حتى بات في نهاية المطاف الحلقة الأضعف في لعبة التقسيم التي يدور الحديث عنها حالياً.

وفي تبيان خطورة التمذهب السني السياسي في صفوف المعارضة وعدم قدرة جميع القوى السنية المعارضة على الساحة السورية من الالتقاء حول مشروع سياسي واحد وإنْ مرحلياً، يقول المحلل السياسي "غازي دحمان": "إن الدولة العلوية ستسيطر على غالبية عناصر الاقتصاد السوري وأنها "ستصمد وتستمر ولو بكلفة مرتفعة لأن روافعها موجودة والأطراف الخارجية مستعدة للدفاع عنها"، طبعا هذا إن نجح مشروع التقسيم الذي يتردد صداه في الأوساط السياسية والإعلامية."

ويرى أن "العامل المخرب لهذه الخريطة- أي لخريطة التقسيم- فقط هو العنصر العربي السني لكنه ضعيف ولايمتلك مقومات لمقاومة بعيدة المدى، خاصة إذا تم إغلاق الحدود التركية بإحكام".(4)

 المبحث الثاني: دور المال السياسي في تعزيز التمذهب "السني" السياسي  

أصبح توظيف المال السياسي آفَة متفشية لتحقيق الهيمنة وصُنعِ مراكز القوى، وقد شكل وما يزال توظيف المال السياسي حالة فساد وإفساد لما له من آثار سلبية غاية في الخطورة على الروح الوطنية ونقاء الانتماء الوطني الخالص، وإفساد الفطرة الوطنية، كما أنه يساهم في تشكيل تكتل داخل التنظيم الواحد والذي بدوره يمثل آفَة تنظيمية أخرى، ويقوض نجاح أية عملية سياسية، ويؤثر تأثيراً سلبياً على صُنع القرار السياسي.(5)

وبما أن لكل مجتمع حزبي نظامه القيمي والأخلاقي والدستوري الذي يضبط العلاقات بين الأفراد، قد يشتد ويضعف، والمجتمع الثوري السوري لا يمثل استثناءً من هذه القاعدة، فقد تعرض منذ انطلاقة الثورة لتحولات تنظيمية وسياسية وفكرية عديدة أحدثت انقلاباً في منظومة القيَّم الوطنية والاجتماعية الإيجابية، لكنها صاغت سلوك السوريين وجمعت بينهم بطابع فريد من المروءة والشجاعة والجدية والتضحية والتسامح واحترام الآخرين والصدق وإنكار الذات والغَيْرِيَّة وغيرها من القيم الأصيلة.

 ولكن في المقابل لم يُعْطَ الشعب السوري الفرصة لممارسة وعيه السياسي الذي يمتلكه لأن الحراك السلمي سرعان ما تحوّل إلى عمل مسلّح..

وذلك لمحاولة الأسد وأتباعه استنساخ تجربة حافظ الأسد في إخماد الثورة، حين تمكن من سحق انتفاضة حماة عام 1982 بالعنف المفرط، والعنف المضاد.

ولكن في هذه المرة فوجئ النظام باستعداد الشعب للتضحية في سبيل انتصار الثورة، فتشكلت الفصائل الثورية للدفاع عن المتظاهرين من اعتداءات الشبيحة وعناصر الأمن الممنهجة، وباتت هذه الفصائل بداية تُعرف باسم الجيش السوري الحر، (الغالبية من أهل السنة وذلك لطبيعة المجتمع السوري)، لكنها متعددة المشارب من الناحية الإيديولوجية والمالية..

أما المعارضة السياسية،- الغالبية أيضاً من أهل السنة عموما- نجد أنه على الرغم من رغبتهم في إنجاح الثورة والقضاء على نظام الحكم، فقد وقفوا عاجزين عن مدّ جسور التواصل بينهم وبين الداخل، لأسباب كثيرة أبرزها:

1- المحاصصة السياسية التي جعلت المعارضة في صراع، خفي أو معلن، في محاولة لكلّ اتجاه لفرض رؤيته دون النظر بعين الاعتبار إلى الشعب الذي يقدّم يوميًا عشرات الشهداء، ويمثل هذا توصيف المعارض السوري ميشيل كيلو «اختلفنا على اقتسام جلد الدب قبل اصطياده".

2- الارتهان لأجندات الدول الداعمة، فأمسى الأمر كأنه معارك تخوضها قوى المعارضة السياسية بالنيابة عن الدول والجهات الداعمة لها، وصار المنصب مكسبًا لترجيح هذه الكفة أو تلك.

3- عدم الفهم الحقيقي لدور قوى المعارضة السياسية (الأحزاب والتيارات) في هذه المرحلة؛ فقد نظر معظم هؤلاء السياسيين إلى الأمر وكأنه مرحلة ما بعد إسقاط النظام، لتكون أقوالهم وأفعالهم ومظاهرهم غير واقعية وغير منسجمة مع الظرف الذي تعيشه الثورة.

ونجم عن كل ذلك غياب القائد الملهم، إذ لم تفرز الثورة السورية بعد، قائدًا حقيقيًا يلبي مصلحة الشعب، ويحظى بتأييده، ويحوز رضى جميع الأطراف (فصائل عسكرية – تيارات سياسية – الشعب السوري المنكوب).

وذلك على الرغم من وجود مئات الشخصيات القادرة على حمل الأمانة وشغل هذا الدور، إلا أن التجاذبات السياسية الحاصلة بين التيارات السياسية التي لم تأخذ بعين الاعتبار الجهود والإمكانيات الذاتية، والتأثير غير الإيجابي للدول التي تؤثر في الملف السوري، جعل تحقيق هذا الأمر يبدو مستحيلًا في المرحلة الراهنة.(6)

وبالطبع في كل ما ذكر كان للمال السياسي المشروط من قبل جهات معينة معروفة، الدور الأبرز في تشتيت المعارضات السياسية والعسكرية، ونخص هنا السنية منها والتي تشكل السواد الأعظم للمعارضات المختلفة.

 

المبحث الثالث - أثر النخب الدينية السنية في التمذهب السياسي السني

نظرا للتنوع الديني والطائفي والاثني، وخصوصية النظام والمجتمع السوري عُدَّ مشهدُ الخطاب الديني الصادر عن النخب الدينية التي أيدت الثورة في سوريا معقداً جداً، ووُجِدَ في سوريا أنواع مختلفة من الخطاب الديني بحسب ظروف الثورة ومراحلها.

ويمكن تقسيم هذا الدور أو الخطاب وفق الآتي:

1 - الخطاب المعقلن أو الخطاب العقلاني المعتدل وأبرز ممثليه الشيخ علي الصابوني وعصام العطار. 

وقد دعم هذا الخطاب الثورة بمفرداتها التي أنتجتها، وفي مقدمتها الحرية والسلمية، وأكد على ضرورة التزام المعايير الوطنية الجامعة ورفض الطائفية كونها تدفع الثورة إلى مسارات فرعية تخالف السبب التي قامت من أجله.

و حاول هذا الخطاب أن يوازن الكفة مع الخطابات الشعبوية الأخرى لكنه لم ينجح بسبب افتقاره إلى التواصل إعلامياً على نحو يضمن ترسيخه في التفكير الشعبي.

كما أن عنف النظام وانتهاكاته المتزايدة وإثارته للحساسيات الطائفية أفقد هذا الخطاب زخمه أمام خطاب ديني آخر شعبوي أنتجه "الشيخ عدنان العرعور".

2 - الخطاب الشعبي : تنسب رموز هذا الخطاب إلى رجل الدين السوري والمقيم في المملكة العربية السعودية "عدنان العرعور"، الذي شكل خطابه حالة في الثورة السورية لا يمكن تجاهلها.

 ولم يكن خطاب العرعور خطاباً إسلامياً بالمعنى الدقيق للكلمة، بل كان خطابا شعبيا يدغدغ الأوساط الشعبية، ويحفزها على المشاركة في الثورة بطريقة بسيطة وكوميدية في بعض الأحيان، وكرغبة منه في الانتشار في ظل جاهزية المتلقي.

وقد  استخدم "العرعور"  المفردات الطائفية بشكل كبير في خطابه الديني، وقد ساهم في زيادة الاستقطاب الطائفي بشكل كبير في سورية.

وعلى اعتبار أن هذا الخطاب لم يستند إلى أسس شرعية واضحة ومحددة واعتمد على تراكم التناقضات والوعود الخلبية للمتلقي، فإنه لم يسطع الصمود والاستمرار نتيجة تطور مسار الثورة باتجاه العمل المسلح وما رافقه هذا الخيار من تداعيات لجهة التشريد وزيادة القتل والإجرام المرتكب من قبل نظام الأسد.

ورغم أن خطاب "الشيخ العرعور" كان يرمز إلى أشياء طائفية ولم يقف موقفاً حازماً منذ البداية من التشكيلات العسكرية الإسلامية على وجه الخصوص، ولكن يُحسب له أنه كان خطاباً تجميعياً لأهل السنة على أقل تقدير، ولكن هذا الخطاب، سرعان ما تطور أيضا على أيدٍ سنية أخرى ليبدأ في تفتيت المجتمع السني السوري نفسه بشكل كبير.

وهنا بدأ ينتقل الخطاب من الطائفي إلى المذهبي والذي تمثل بوضوح تام بـ

3- الخطاب السلفي الجهادي: برز هذا الخطاب عياناً منتصف عام 2012 مع حضور فصائل سلفية وجهادية نشأت بدايات عام 2012 كجبهة النصرة لأهل الشام.

 واستند هذا الخطاب على أسس واضحة ألا وهي "الحاكمية" ومبدأ "الولاء والبراء"، وحدد أهدافه من العمل المسلح وهو تطبيق الشريعة وإقامة دولة إسلامية.

 ومع توسع نفوذ الحركات السلفية وحصولها على الدعم الخارجي ولاسيما الخليجي وتأثير ذلك على زيادة عدد المنتسبين إليها، ساد نوع جديد من الخطاب الديني، فأضحت مفردة "الجهاد" بديلة عن "التحرر"، و"المجاهدون" بدلاً من "الثوار"، و"تطبيق الشرع" بدلاً من "العدالة والكرامة والحرية"... إلخ.

و لكن هذا الخطاب أيضاً والذي عم بداية لتجهيز بيئات شعبية معينة لتلقيه، قد أصيب بانتكاسات كثيرة، فالدولة الإسلامية المبتغاة وجدت نموذجها السيئ والمنفر مع "تنظيم الدولة الإسلامية"، وتطبيق الشرع استخدم للمزاودة والقمع وتقييد الحريات، وهو ما أوجد حالة من النفور ولاسيما في أوساط المدينة السورية من هذا الخطاب ومفرداته.(7)

 وبناءً عليه، فإن هذا الخطاب غير مؤهل ليكون خطابا يلائم الحالة السورية، بل هو خطاب تحفيزي (غيبي) للمقاتلين ودفعهم لمزيد من التضحية من أجل التضحية فقط   .

  لقد كان الفرز الاجتماعي الطبيعي يُبْرز ممثلين عن المجتمع في كل مكان وضمن كل فئة، وكان أفراد "النخبة الدينية" هؤلاء هم من يسوقون جماهير الشعب في آرائهم وميولهم، وكانت الجماهير تسير وراءهم دون أن تكلف نفسها عناء البحث والسؤال والتقصي.

 ولقد كان كلام هؤلاء باسم الدين يعطيهم المصداقية التي تفتح لهم قلوب الناس، لكن الزمن جرى سريعًا، وها هو يخبرنا الآن أن نظرة المُخَلِّص اللاواعية التي كانت الجماهير ترمق بها هؤلاء الناس أضحت وبالاً عليهم وعلى هؤلاء النخبة، حيث صنعت من الجماهير عبيدًا، بينما نصبت بعض هؤلاء النخبة طغاةً أو أعوانًا لهم.

 لقد عملت الثورة على صدم المجتمع صدمة قوية هزت كيانه ولامست كل فرد منا في ذاته، ولكن ذلك لم يساهم - إلى الآن على أقل تقدير - في خلق ثقافة تعزز دور الشعب، وتجعل من المجتمع عنصرًا فعالاً في الوقائع على الأرض، يتمثل بقدرة المجتمع ووعيه بأهمية رفضه وقبوله لكل من يمارس عليه أي نوع من أنواع السلطة، مع اعتبار ذلك واجبًا عليه يتحتم عليه القيام به، وليس حقًا يستلزم عليه المطالبة به (8).

وقد يتساءل أحدهم هنا:" ولكن ما شأن النخب الدينية السنية السورية في موضوع السلفية الجهادية، التي معظم روادها غير سوريين، والسوريون منهم غير معروفين بشكل واسع، حتى زعيم النصرة أبو محمد الجولاني "السوري"  فلا أحد إلى الآن يعرفه على وجه التأكيد؟

وتحمل الإجابة على هذا السؤال شقين:

الشق الأول: هو أن النخب الدينية السورية دعمت بداية مشروع خلافة راشدة وهو مشروع الجبهة الإسلامية، والذي انتهى بالمقتلة العظيمة وبالتراجع عن المشروع بعد ما ضيّع عامين من عمر الثورة.(9)

وقد اعتذر أحد أبرز قادة الجبهة الإسلامية وعضو مجلس شورتها المعروف بأبي يزن الشامي قبل مقتله لأهل الشام بقوله:" نعتذر لكم لأننا أدخلناكم في معارك دنكوشوتية أنتم في غنى عنها، وأعتذر عن تمايزي عنكم وانغلاقي الفكري، بحجة أنني من السلفية الجهادية"(10).

الشق الثاني: عدم قدرة النخب الدينية السنية السورية على تبني خطابٍ جامعٍ يمنع شباب "السنة" في سورية على الأقل من الالتحاق بالتنظيمات الجهادية السلفية (كجبهة النصرة وتنظيم الدولة) ، فلا يخفى على أحد الأعداد  الكبيرة للسوريين  في هذين التنظيمين وبالأخص في جبهة النصرة(تنظيم القاعدة في بلاد الشام).

ففي تقرير للجزيرة نت بتاريخ 2013/03/11 ، تحت عنوان"جبهة النصرة تعلمت من أخطاء الماضي" ذكر أن عدد مقاتلي النصرة السورية (1500) مقاتل من أصل (4000) ، وقد ازداد هذه العدد حسب تصريحات لاحقة.

ولكن للإنصاف لا يمكن تحميل  النخب الدينية (السنية) مسؤولية هذا التشتت بشكل كامل، حيث كان أيضا للمناخ الدولي الذي ابتليت به الثورة السورية منذ انطلاقها منتصف آذار 2011 ، الذي تهيمن عليه منظورات "الإرهاب"، الذي أتى بعد أن طورت الولايات المتحدة الأمريكية كإمبراطورية إمبريالية مع حلول العولمة منظوراً جديداً للأمن القومي يستند إلى تحديد مصادر التهديد على أسس استراتيجية استشراقية وثقافوية تضع "الإرهاب الإسلامي" المتخيل في دائرة الأعداء.

 وعلى الرغم من تأكيدات معظم الفصائل الإسلامية السنية المتواترة على تنوع المكونات الهوياتية الإيديولوجية والاثنية والدينية لسورية، وتشديدها على صون حقوق الأقليات والمكونات المختلفة، إلا أن المجتمع الدولي يرفض تلك التأكيدات في ذات الوقت الذي يسمح ويشجع ويدعم أي تشكيل أو فصيل سياسي أو عسكري سوري يقوم على أسس هوياتية دينية مذهبية، أو عرقية اثنية بحيث يجري الاحتفاء والتمويل والتسليح لفصائل كردية أو مسيحية ولأي مكون مستعد للتخلي عن هويته السنية والدخول في أفق هويات غيرية.

وإذا كانت الولايات المتحدة خصوصا والأنظمة الغربية عموما متلبسة بسياسات الهوية، فإن المقاربة الروسية أكثر فجاجةً في الحالة السورية فقد أعلنت صراحة رفضها لدولة سنية ودعمها وإسنادها لدولة علوية أو أقليات غير سنية (11).

ولكن ما يؤخذ هنا على النخب السنية السورية أنها لم تعي هذه الحقيقة بشكل موضوعي ولم تفد من تجربتي العراق وأفغانستان، اللتان حدثتا في الأمس القريب.

 

المبحث الرابع : العوامل الخارجية وانعكاساتها على "التمذهب" السياسي السني

ينظر المجتمع الدولي إلى سورية بحذر بحكم تكوينها الاثني والمذهبي المتنوع بما يجعل التعاطي حذراً معها، إضافة إلى سياستها الخارجية النقطة الأساسية فيها، وارتباطها بملفات المنطقة المعقدة، حيث يقول أحد الساسة الغربيين "نصف سورية هو سياسة خارجية" (12).

 ومن هذه الملفات المرتبطة بسورية: الوضع اللبناني الهش والقابل للانفجار في كل لحظة، ووجود حزب الله كقوة عسكرية داخل لبنان وارتباطه المباشر بالسياسة الإيرانية والنظام السوري، والعلاقات السورية الإيرانية، والوضع غير المستقر في العراق، إضافة إلى علاقة النظام بأكراد تركيا، وهشاشة الدولة الأردنية بوصفها دولة حدودية، وقضية الجولان، وفي رأس كل ذلك القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل.

وهذا يعني أنه كان من الموضوعي أن تصطدم الثورة السورية بجميع هذه الملفات، ما أتاح للعديد من الدول أن يصير لها نفوذ في سوريا، ذلك أن الانقسام الحاد وما رافقه وأعقبه من صراع عنيف ودموي، فرض على القوى المتصارعة، فتح الأبواب أمام قوى دولية وإقليمية للدخول على الخط السوري..

 وأدت الثورة السورية وتطوراتها إلى تبدلات دراماتيكية في مواقف بعض القوى كما حصل في موقفي كل من تركيا وقطر، فانتقلتا من موقع الحليف والصديق للنظام في دمشق إلى موقف العدو على نحو ما أظهرت  السياسات والمواقف التي اتخذها البلدان، وما كان للنظام في دمشق من مواقف وسياسات في مواجهة تركيا وقطر في الفترة ذاتها.

 وبالتالي انقسمت الدول والقوى من الناحية السياسية إزاء الوضع في سوريا إلا أن فاعلية مناصري النظام رغم قلتهم، كانت أقوى وأشد حضوراً في المجالات كافة..

 وعلى سبيل المثال فقد منعت روسيا والصين مرات عديدة  أي قرار دولي بإكراه النظام وإجباره بوقف الحل الأمني العسكري والذهاب إلى حل سياسي أكيد، وزاد مؤيدو النظام على ما سبق تقديم إمكانات عززت استمراره في مقاومة ثورة مواطنيه، بما في ذلك دعمه بالأسلحة والذخائر والخبرات اللوجستية العالية.

أما القوى الدولية والاقليمية التي بدت مؤيدة للثورة ورغم كثرتها وأهميتها،  فقد جاءت مواقفها في مواجهة النظام لفظية وضعيفة ومترددة ومحسوبة، يقابلها ضعف وتردد في تأييد المعارضة، وشح في المساعدات، وتحديد لمجالات صرف المقدم منها للمعارضة وتنظيماتها (13) .

وبحكم وجود هذه المعارضات خارج سوريا فقد كان تواصلها مع الشارع الثائر  ضعيفاً، وقد حاولت إرضاء الأطراف الخارجية التي بدأت تؤثر بالثورة السورية، فبدت متخبطة بين ما يطلبه الداخل الثائر، وما تريده سياسات الدول الداعمة للثورة وكذلك التي وقفت ضدها، لذلك بدت هذه المعارضة ضعيفة هزيلة لا تستطيع تحديد موقفها من أي حدث لأنها مرتهنة لسياسات الدول وكذلك لا تريد استثارة الشارع (14).

 ولاشك أنّ هذه التدخلات الدولية والإقليمية في الشأن السوري، كما أنّ لها حضورا في الوقت الحالي، سيكون لها حضورٌ وتأثيرٌ في الفترة التالية لكن بشكل مختلف خاصة للقوى المناصرة للثورة.

وإن حجم هذا الحضور وهذا الدور وتقييمه سلباً أم إيجاباً مرهون بوضع المعارضة السورية، ووحدة قواها السياسية والعسكرية والشعبية، وقدرتها على التحول إلى قوة جامعة وموحدة لكل السوريين ومسؤولة عن مصيرهم المشترك ومصير بلدهم.

المبحث الخامس - واقع الثورة السورية والحلول الممكنة لاستعادة المبادرة الثورية في سورية

تدخل الثورة السورية عامها السادس بظروف محلية وإقليمية ودولية مغايرة تماماً لما كانت عليه عند انطلاقتها، فالظروف الحالية معقدة للغاية، وبعضها يصب في مصلحة دعم الثورة، وانتصارها لاحقاً، ومنها ما يساهم في دعم نظام الأسد.
والثورة التي كانت المحرك الأساس للتغيير على مستوى الإقليم، والعالم أيضاً، تجد نفسها رهينةً لتفاهمات وتوازنات دولية قد يؤدي العبث بها، أو تغييرها، إلى أزمات بين الدول الكبرى، أو حتى لاندلاع حروب تشمل العالم، وتهدد بوقوع كوارث.
وأثبتت الأحداث أن ما ميّز الثورة السورية عن غيرها من الثورات العربية، أنها ثورة عميقة نضجت بفعل الظروف المحيطة من جهة، وبفعل ممارسات السلطة على مدى أربعين عاماً من جهة أخرى، لذلك كان من الصعب إخمادها، وكذلك فقد أظهرت السنوات الماضية أن التلاعب بمطالب الثورة قد ينتج حلاً ما، لكنه لن يضمن الاستقرار على المدى الطويل أو المتوسط.

ولكن أيضاً من خلال نظرة عامة إلى الجسم السني داخل الثورة السورية والذي يشكل المحرك الرئيس لها نجد أنّ التشتت قد بلغ منه مبلغاً كبيراً يمكن رؤيته على مستويين:

1- المستوى السياسي: يمكن حصر القوى السنية في ثلاثة كتل سياسية رئيسة وتكاد تكون متنافرة فيما بينها وهي

أ- الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة: وهو يعيش صراعاً سنياً في داخله أيضاً ولكن يمكن اعتباره كتلة واحدة.

ب- الأحزاب الكردية السنية وبعض العشائر العربية المتحالفة معها ممن هم خارج الائتلاف الوطني مثل المجلس الديمقراطي السوري.

ج- هيئة التنسيق لقوى التغيير الديمقراطي

وهناك تكتلات أخرى أيضا، كما نجد أن هناك خلافات وتكتلات سنية ضمن هذه الأجسام الثلاثة المذكورة.

2- المستوى العسكري: بالطبع إن كل القوى العسكرية المعارضة للنظام سنية، وتشهد خلافات حادة فيما بينها تصل في أحيان كثيرة إلى درجة الاقتتال، والمقتلة التي حدثت بين جيش الإسلام من طرف وفيلق الرحمن وجبهة النصرة من طرف آخر في 2016/04/28 أقرب الأمثلة الحيّ على الاقتتال السني.

 ويمكن تصنيف هذه القوى السنية كالتالي:

أ- الجيش السوري الحر (قيادة المنطقة الجنوبية - جيش النصر - حركة تحرير حمص -الفرقة 13 - الفرقة الساحلية ..الخ ).

ب- الفصائل الإسلامية المعتدلة (جيش الإسلام - أحرار الشام - الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام - فيلق الشام ..الخ)

ج- جبهة النصرة (تنظيم القاعدة في بلاد الشام).

د- "تنظيم الدولة الإسلامية"، فضلاً عن قوى سنية محسوبة على النظام وهي:" وحدات حماية الشعب الكردية وبعض مقاتلي العشائر العربية، إضافة إلى وجود قيادات وجنود من أهل السنة في صفوف جيش النظام
وبنسب لا يستهان بها، ولو أنّ المقام يتسع لذكرنا أكثر من 100 اسمٍ معروفٍ ضمن صفوف النظام عسكرياً وسياسياً بشكل مباشر.

- الحلول الممكنة في ضوء الواقع الراهن

لقد بدأت جميع القوى السنية السورية في الفترة الأخيرة، ونخص الإسلامية المعتدلة، تستشعر أخطاءها بداية الثورة، وتشهد سورية حراكاً ثورياً في الوقت الراهن يذكر بالبدايات الجميلة والمتألقة للثورة السورية السلمية، ولكن ما تزال معاناة الثورة القديمة، والمصيرية قائمة، وتتمثل بشكل رئيسي بغياب الكيان العسكري الجامع والافتقاد لقائد ذو شخصية "كاريزماتية"، يكون قادراً على قيادة الثورة بحزم ورؤية واضحة.

وتبدو الفرصة اليوم مواتية أكثر من أي وقت مضى لتشكيل جسم عسكري "جيش وطني" والأقرب هو الجيش السوري الحر يجمع شتات الفصائل العسكرية من جنوب سورية إلى شمالها، وهذا يمكن من خلال العمل على تطوير مخرجات مؤتمر الرياض الذي استطاع جمع قسم كبير من المعارضات العسكرية على الأرض تحت مظلة جسم سياسي واحد. 

كما يمكن العمل في الوقت الحالي على تشكيل جسم سياسي جديد للثورة السورية - في حال فشلت مفاوضات جنيف  وليس أفضل حالياً من هيئة التفاوض العليا التي ضمت ما يقارب 80 % من المعارضات السياسية والعسكرية، بمعنى تشكيل الجسم من أعضاء الهيئة والعمل على أخذ شرعيته من الأرض في ظل التوافق الحالي عليه، وبعد هذه الخطوة يمكن أن يعمل هذا الجسم على استقطاب ما بقي من قوى على الأرض لناحيته وسحبها من صف النظام وخاصة الكرد.

كما يمكن لهذا الجسم أن يعمل على تعزيز القوة عبر تعظيم المصلحة الوطنية الجامعة ويكون من سبل تعزيزها مايلي:

 

أما بالنسبة لإقامة العلاقات الدولية والإقليمية، فإنه يجب الأخذ بعين الاعتبار بالدرجة الأولى مسألة المصلحة الوطنية وجعلها بوصلة أساسية في بناء العلاقات، وهنا يمكن الاستفادة من تطبيقات نظرية المنفعة ونظرية التوازن في مجال العلاقات الدولية وبما يضمن تحقيق أكبر نفع ممكن لسورية.

 

خلاصة:

مما سبق يمكن القول أنّ المكون السني السوري، الذي يعتبر أس الثورة وحاملها الرئيسي،  كونه الجزء الأعظم من النسيج السوري -بعربه وكرده وتركمانه، بإسلامييه وعلمانييه- يتحمل مسؤولية كبرى وتاريخية تجاه سورية، لأن تشرذمه وتشتته الحالي هو الداء، وهو في نفس الوقت الدواء الناجع لسورية ولثورتها ضد نظام الأسد وحلفائه، وذلك في حال  استطاع صياغة مظلة سورية "جامعة" لمكوناته المذكورة، وليس من المهم في هذه المرحلة من يتنازل أكثر لأنّ الأهم هو تخطي عقبة الطائفية أولاً، ومن ثمّ يمكن التفكير في عقبات التمذهب السني السوري الأخرى.

  وقد يطرح أحدهم هنا تساؤلاً مفاده، أنّ الوقت فات على هذا الكلام  فمصير سوريا  يبدو وكأنه حُسِمَ بيد روسيا والولايات المتحدة بشكل رئيسي،  فمنذ عدة أشهر توافقت الولايات المتحدة وروسيا على المضي قدماً في خطة انتقال سياسي تنهي الحرب السورية وتضمن الانتقال السياسي خلال 18 شهراً، وأنّ كل الدلائل تشير إلى أنّ هذا الطريق لاعودة عنه.(15)

ويمكن الإجابة هنا على هذا التساؤل بأن كثيراً من السوريين ينظرون بعين الأمل والتفاؤل لهذه المفاوضات ونحن معهم أيضاً، التي يرجو كثيرا من السوريين أن تفضي إلى وقف دوامة العنف في بلدنا الحبيب سورية، ولكن من التخطيط الصحيح أن يؤخذ في الحسبان فشل هذه المفاوضات ولو بنسبة ضئيلة، عندها ما الحل!؟

فالنظام وحلفاؤه لن يخسروا شيئاً وسيبقون كماهم، ولكن سيكون الخاسر الأكبر هو قوى الثورة والمعارضة
لأنّ انفراط عقد هيئة التفاوض ووفدها بعد جنيف -في حال الفشل الذي يبدو وشيكا- قد يؤدي إلى انفراط عقد معظم الأجسام الثورية والمعارضة التي تشكل منها هذا الجسد، وعندها ستكون العاقبة وخيمة على قوى الثورة والمعارضة ويكون النظام بألف خير.

والخشية الكبرى تكمن في أن يكون النظام وحلفاؤه قد خططوا لهذا الأمر من وراء هذه المفاوضات.

والحمد لله رب العالمين

 

 

_______________________________________________________________________________

مصادر البحث

     (1 ) التمذهب السياسي في الأزمة السورية

      http://sihr.net/political-doctrine-in-the-syrian-crisis/

مداخلة الأستاذ سيهانوك ديبو: باحث، عضو المجلس الاستشاري للمعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان،  قُدمت في ندوة أقامها المعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان حول التطرف المذهبي في الشرق الأوسط .حق المعرفة وحرية الاعتقاد جنيف  5-6 سبتمبر 2015.

 (2 ) تغيّرات المشهد السياسيّ – إشكاليّة التمثيل والرهانات الخاسرة، عمر كوش، مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية.

http://goo.gl/LiVmjj

(3) - حركات المعارضة السورية (1963- 2013 ) – آرام الدمشقي –

موقع  http://souriahouria.com/

رابط المقالة : http://goo.gl/nkaS2Y  "الدولة العلوية" تسيطر على "سوريا المفيدة" وتطرد مليون سني من الساحل الوصل

 (4) علي عيد - زمان الوصل - زاوية "خارج الصندوق" لمكافحة "التقسيم والطائفية"

https://zamanalwsl.net/news/69464.html#.VuWskKLd2Tg.facebook

(5) المال السياسي وأثره على إضعاف الروح الوطنية، موقع فجر الوطن، بقلم/ د. عاطف محمد شعث

http://wtnfjr.com/?p=173377
 (6) الثورة السورية  وأزمة القيادة السياسية، محمد عماد  (باحث و كاتب سوري)

http://www.enabbaladi.org/archives/33246

(7) الخطاب الديني في الثورة السورية: تهافت وانفلات وغياب للمرجعية      

  https://www.zamanalwsl.net/news/49055.html

(8) كتاب بعنوان المجال الافتراضي في الثورة السورية. الخصائص – الاتجاهات – آليات صنع القرار. المؤلف حمزة مصطفى المصطفى.

عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

https://drive.google.com/file/d/0B6alj0IcJKqiNk1aRF9aVjVrV3M/view?pref=2&pli=1

(9)- سبعة فصائل تندمج وتشكل الجبهة الإسلامية - الجزيرة نت -2013/11/22

http://www.aljazeera.net/news/arabic/2013/11/22/%D8%B3%D8%A8%D8%B9%D8%A9-%D9%81%D8%B5%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%AC-%D8%A8%D9%80-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9

(10)-  الدرر الشامية - أبو يزن الشام يعتذر لأهل الشام ومجاهديها/2014/09/04

http://eldorar.com/node/58862

(11) عربي 21 - الصراع على هوية الثورة السورية وقتل الاعتدال – حسن أبو هنية

http://goo.gl/jMWWPD

(12) موقع السوري الجديد - حازم نهار: المعارضة السورية أصبحت لعبة بيد القوى الخارجية ووسائل الإعلام، خصوصاً في ظل غياب الفكر والسياسة.

https://goo.gl/qm9E3N

(13) الأطراف الخارجية ومستقبل سوريا - فايز سارة                   

  http://www.lcparty.org/index.php?option=com_content&id=988:2012-12-22-09-03-38                  

(14) أسباب تأخر الثورة السورية في تحقيق أهدافها - فراس علاوي – موقع سوريتي

http://www.souriyati.com/2016/03/15/44875.html

(15)  المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية - قراءة بيضاء لثورة لا يمكن التلاعب بمطالبها، بقلم فاضل الحمصي

https://rfsmediaoffice.com/2016/03/16/29226/#.VuscDU_R_IW

 

____________________________________________________________________

(للاطلاع على الدراسة كملف pdf يُرجى تحميل الملف المُرفق أعلى الصفحة)

---------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2016

 

 

 

تصويت

هل أعجبك الموقع؟

القائمة البريدية


2015 © جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام, تنفيذ وتطوير شركة SkyIn