أسرار "حرب الأيام السبعة" بحلب وملامح المرحلة المقبلة

Google Plus Share
Facebook Share

تحقيق: الباحث الصحفي يحيى الحاج نعسان

تاريخ النشر: 2016/08/20

 

أفرزت الانتصارات الكبيرة والمفاجئة التي أحرزتها "قوات الثورة والمعارضة" السورية مؤخراً في حلب، في إطار ما سُمي بـ "ملحمة حلب الكبرى" موجة كبيرة من التساؤلات لناحية التحول المفاجئ والمستغرب لهذه القوى من موقف الدفاع والتراجع والحصار إلى موقف الهجوم والتقدم والحصار المعاكس، فما أنجزته قوات نظام الأسد في سورية وحلفاؤها (حزب الله –إيران – روسيا -وغيرها)، من حصار لأحياء حلب الشرقية خلال ثلاث سنوات، كسرته قوى "المعارضة والثورة" في سبعة أيام فقط.

وليس هذا فحسب بل إنها – قوات الثورة والمعارضة- سيطرت خلال هذه الأيام السبع على ثاني أكبر ثكنة عسكرية لنظام الأسد في سورية (مدرسة المدفعية)، إضافة إلى كلية التسليح والمدرسة الفنية الجوية وبشكلٍ كاملٍ على حي الراموسة الذي يضم هذه الثكنات، بعد مرحلة ضعف وتراجع مرت بها قوى "الثورة والمعارضة" لمصلحة قوى أخرى في مقدمتها "قوات نظام الأسد وحلفائه" على كامل الجغرافية السورية وليس في حلب فقط.

أولا -أسباب انتفاضة قوى "الثورة والمعارضة" بحلب

يجمع المراقبون والمحللون والقادة الميدانيون ورجال السياسة المهتمين بالمسألة السورية على أمرين بخصوص اللغز الكامن وراء انتصارات " ملحمة حلب الكبرى" مؤخرا، هما:

1- توحد أكثر من عشرين فصيلاً عسكريا لقوى "الثورة والمعارضة" تحت قيادة واحدة متمثلة بـ"جيش الفتح" من خارج مدينة حلب و"فتح حلب" داخل الأحياء الشرقية لحلب التي كانت محاصرة من قبل "قوات نظام الأسد" قبيل المعركة.

2- الأهمية الاستراتيجية لمدينة حلب وريفها؛ المحافظة السورية الأكبر بعد العاصمة دمشق، فلو استطاع "نظام الأسد وحلفاؤه " السيطرة عليها وتأمينها كدمشق، لكان مهّد الطريق إلى كسر شوكة "قوى الثورة والمعارضة" بشكل كبير محكماً الحصار على ما تبقى منها في إدلب بين فكي كماشة من جهات ثلاث (اللاذقية وحلب وحماة)، إضافة إلى جهة رابعة شمالا تتمركز بها قوات الحماية الكردية المعروفة بعدائها لمعظم فصائل " الثورة والمعارضة" وخاصة الإسلامية منها.

ولكن كيف توحدت هذه الفصائل رغم وجود خلافات كبيرة ظهرت على السطح فيما بينها مؤخرا؟، ولماذا استشعروا أهمية حلب ولم يستشعروا أهمية دمشق العاصمة من قبل؟!، حيث أن جميع قوى "الثورة والمعارضة" هناك إما مهادنة أو محاصرة، فضلاً عن الصراع البيني المستمر فيما بينها منذ أكثر من ثلاث سنوات.

 وللإجابة عن هذه الأسئلة فقد ذكرت صحيفة " نيويورك تايمز الأميركية"(1):" إنّ العامل الحيوي في تقدم ما أسمتهم "المتمردين" في حلب كان التعاون بين الجماعات "المتمردة" الرئيسة والمنظمة الجهادية المعروفة سابقاً باسم "جبهة النصرة"، التي كانت تابعة لتنظيم القاعدة".

وأكدت الصحيفة أن البعض من تلك الفصائل كان قد تلقى أسلحة بشكلٍ سري من الولايات المتحدة.

في حين نقلت صحيفة السفير اللبنانية(2) "المقربة من نظام الأسد" عن «فايننشال تايمز» البريطانية نقلا بدورها عن عدد من الناشطين والمسلحين، الذين رفضوا ذكر أسمائهم تبعاً لحساسية الموقف بحسب "الفايننشال تايمز" أن جهات خارجية تولت تجديد أسلحة الفصائل المقاتلة وزودتها بالأموال والمعدات قبل المعارك الأخيرة وخلالها".

وقد سجلت "الفايننشال تايمز" شهادة أحد الناشطين القريبين من «المعارضة» قال فيها "أحصينا في الآونة الأخيرة دخول عشرات الشاحنات المحملة بالأسلحة إلى سوريا آتية من تركيا" وهذا ما نفاه الباحث والمستشار السياسي في أنقرة الدكتور علي باكير في مقال له على موقع عربي 21
بعنوان" تفكيك المزاعم حول دور تركيا في معارك حلب الأخيرة" (3).

وقد أورد في مقاله حججاً مقنعة من الناحية المنطقية أهمها التشكيك في المصادر التي اعتمدت عليها "الفايننشال تايمز" ونقلت عنها السفير، فهل يُعقل أن تعتمد صحيفة كبيرة مثل "الفايننشال" على نقل معلومات جدّ حساسة عن ناشطين ودون ذكر أسمائهم أيضاً؟!، وهل يعقل أن تكون كل تلك السيارات المحملة بالأسلحة دخلت عبر الحدود ولم ترصدها وتصوّرها روسيا وإيران ونظام الأسد في عصر الأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع؟!

ولكن باكير لم ينكر في مقابلة خاصة مع المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام وجود الدعم القطري والتركي قائلا: "إنّه ليس طارئاً أو جديداً على المعادلة"، لكنّه أشار إلى أنّه كان دائماً وفي جميع المراحل دون سقف المطلوب كمّاً ونوعاً وتوقيتاً، عازياً انتصار "قوى الثورة والمعارضة" مؤخراً في حلب إلى توحدها نتيجة استشعارها للخطر الداهم عليها بعد إطباق الحصار على حلب وانشغال دول إقليمية صديقة بمشاكلها الداخلية.

وبحسب "فايننشال تايمز"(4) أيضا التي نقلت عن "ثوار" فإنّ أهم أسباب تقدم "قوى الثورة والمعارضة" في حلب هو مشاركة جبهة فتح الشام «جبهة النصرة سابقا» المصنّفة إرهابية في الهجوم المدعوم والممول خارجياً.

وأشارت الصحيفة بحسب مصادرها إلى أن المسؤولين الاميركيين الذين يدعمون ما يسمونه بـ «المسلحين المعتدلين» غضّوا الطرف عن مشاركة «النصرة» لضمان نجاح الهجوم، وبالتالي إيجاد موطئ قدم ثابتة "لقوى الثورة والمعارضة" في حلب.

ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي غربي قوله :"إن الأميركيين يعلمون بالطبع حقيقة ما يجري، لكنهم تجاهلوا ذلك لزيادة الضغط على روسيا وإيران".

أهل حلب أدرى بشعابها

في لقاء قصير مع المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام أرجع أحمد ترمانيني عضو "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" انتصارات حلب إلى ثلاثة أسباب:
1- فك "جبهة النصرة" ارتباطها بتنظيم القاعدة الأمر الذي دفع معظم فصائل" الثورة" الكبرى إلى التوحد معها بعد أن زالت عوامل الحرج والتعاون معها، حيث كانت معظم الفصائل تخشى من عبئ التحالف معها لارتباطها بالقاعدة.
2- استشعار فصائل "الثورة والمعارضة" بالخطر الشديد من حصار حلب الذي إن استمر فسيخرج حلب من قبضة " فصائل الثورة والمعارضة" من جهة، وستصبح قوات "نظام الأسد" على مشارف محافظة إدلب من جديد
3- دخول إمدادات عبر الحدود التركية إلى معركة حلب والدعم المستمر من قبل الأصدقاء في قطر وتركيا.

ويتفق عضو الهيئة السياسية في "ائتلاف قوى الثورة والمعارضة" أسامة تلجو مع زميله "ترمانيني" في النقطتين الأولى والثانية، ويزيد أنّ التخطيط الجيد وعنصر المفاجئة متمثلاً بتحديد ساعة الهجوم ومكانه غير المتوقعين من قبل قوات "نظام الأسد"، كانا من أهم أسباب النصر في حلب.

ولفت إلى الدور الفعّال لمشاركة النساء والأطفال بالمعركة عبر إحراق "إطارات المركبات" ما أدى إلى تضليل سلاح الجو لدى "قوات نظام الأسد وحلفائه" وحجب الرؤية عنه والأهم أنّه رفع الروح المعنوية لدى "الثوار".

أمّا قائد فرقة الأمويين الأولى بحلب العميد الركن أسعد ناصيف فقد عزا الأسباب الكامنة وراء انتصار "قوى الثورة والمعارضة" في حلب إلى حرص جميع فصائل" الثورة والمعارضة" وخوفها من إحكام الطوق على حلب وتعرّض أهلها إلى ما تعرضت له مناطق سورية أخرى من جوع وحصار وانتهاك لحرمة الأرض والإنسان إن تمكن منها "نظام الأسد" وحلفاؤه الروس والإيرانيون.

ونفى أن يكون للدول الإقليمية الصديقة أي دور في الضغط على فصائل "قوى الثورة والمعارضة" من أجل التوحد مع حرصها على ذلك، مشيداً بانفصال "فتح الشام "جبهة النصرة سابقا" عن تنظيم القاعدة وبدورها في المعركة.

وأوضح قائد غرفة عمليات "فتح حلب" والقيادي بفيلق الشام الرائد ياسر عبد الرحيم أنّ "جيش الفتح" لعب دورا كبيرا في "ملحمة حلب الكبرى" المستمرة وفي فك الحصار عن حلب مبيناً أنّ لفك ارتباط النصرة بالقاعدة أثر كبير في نجاح المعركة.

وأشار إلى أن ما حدا قوى الثورة والمعارضة إلى التوحد أيضا هو الحالة الحرجة التي وصلت إليها الأوضاع الميدانية، فقد وجدت نفسها أمام خيارين إما التوحد ورص الصفوف أو التقهقر والانكسار في ظل خذلان دولي رهيب، لافتا إلى أن وحدة "جيش الفتح" من خارج حلب أعطت زخماً معنوياً كبيراً لفصائل "فتح حلب" لترصّ الصفوف بدورها وتساهم معه بكسر الحصار من الداخل وخلخلة صفوف قوات "نظام الأسد" وحلفائه.

مناقشة المعطيات واستقراء النتائج

أشارت المعطيات أعلاه إلى اتفاق وسائل الإعلام المحلية والدولية والقادة الميدانين والسياسيين على أن الانتفاضة التي حققتها قوى "الثورة والمعارضة" في حلب وقلبها الطاولة على "قوات نظام الأسد وحلفائه" هناك تعود أسبابها إلى أمرين رئيسين:

1- فك جبهة "فتح الشام" (جبهة النصرة سابقا) ارتباطها عن القاعدة كان له الدور البارز في الالتفاف حولها من قبل القوى الثورية الأخرى والعمل المشترك معها.

 وهنا يمكن القول أنّ كلا الطرفين أفاد من هذه الخطوة؛ فجبهة "فتح الشام" كانت تحتاج إلى تغطية من قبل قوى "الثورة والمعارضة الأخرى "غير المصنفة على لوائح الإرهاب لمنع استهدافها من قبل أميركا وروسيا اللتين كانتا تنسقان معا لفصل القوى المعتدلة عن تلك التي يسمونها إرهاباً.

أما القوى الأخرى فقد أفادت من "جبهة فتح الشام" لناحية القدرة والبسالة العسكرية لعناصر الجبهة وكذلك كفاءتهم على مستوى التنظيم والتخطيط.

وهذا ما أشار إليه غير ذي واحد ممن التقيناهم وناقشناهم من قادة ميدانين وساسة ومحليين سياسيين، إضافة إلى ما ذكرته صحف غربية كبرى وليس محلية فقط.

2- استشعار فصائل "الثورة والمعارضة" بالخطر الشديد من حصار حلب الذي إن استمر فسيخرج حلب من قبضة "فصائل الثورة والمعارضة" من جهة، وستصبح قوات "نظام الأسد" على مشارف محافظة إدلب من جديد، الأمر الذي سيقصم ظهر"قوى الثورة والمعارضة"، ويمهد بشكل كبير لحصار ما تبقى منها في إدلب بشكل محكم من الجهات الأربع.

هذان الأمران تم الاتفاق عليهما ولكن ما تم الاختلاف فيه هو أن هذه المعركة ما كان لها أن تنجح دون دعم خارجي، والمقصود هنا (تركيا وقطر) بالدرجة الأولى، ومن ورائهما أميركا، وحتى من ينفي وجود الدعم الخارجي كالباحث والدكتور علي باكير المستشار السياسي في أنقرة، لم ينكر وجوده بشكل عام وإنما قال: "إنّه لم يكن يوما بمستوى الطموح "

والأمر الذي يعزز وجود الدعم الخارجي وربما التوجيه في معركة فك الحصار بحلب، أنّه إذا كانت هذه الانتفاضة تعود فقط للسببين المذكورين أعلاه على أهميتهما، فلماذا لم تحدث هذه الانتفاضة بدمشق وريفها؟!؛ فالوضع هناك أكثر حساسية وحرجاً ووقعه أكبر وأخطر على "نظام الأسد وحلفائه".

ومن خلال هذه المناقشة واستعراض الصورة لما جرى ويجري في حلب فإن توقيت المعركة ومكانها ومعطيات كثيرة تمّ الإشارة إليها آنفاً تقطع بوجود دعم وإمداد من دول إقليمية في مقدمتها (قطر وتركيا)، ومؤكدٌ أنّ هذا الدعم ليس على الوجه الذي ذكرته صحيفة "الفايننشال تايمز البريطانية" في تقريرها، إلا أنّه موجود ولا يقلّ أهمية عن الأسباب الأخرى التي ساهمت بتفوق "قوى الثورة والمعارضة" بحلب واستعادتها زمام المبادرة هناك.

 

ثانيا: "معارك حلب" المستقبل والأبعاد السياسية 

قال أبو يوسف المهاجر المتحدث الرسمي لحركة أحرار الشام:" إن قلب الطاولة على نظام الأسد لن يتم بفكّ الحصار عن حلب الشرقية فقط بل يجب أن يكون في حلب كلها ووصف المهاجر مدينة حلب بالمدينة الخطيرة "ورهان الثورة" والتي بوسعها حرف بوصلة الصراع في سورية بشكل عام.

كما أبدى كلّ من العميد أسعد ناصيف قائد فرقة الأمويين بحلب والرائد ياسر عبد الرحيم قائد عمليات غرفة فتح حلب تفاؤلا كبيرا في مستقبل معركة حلب متوعدين "نظام الأسد" بالهزيمة النكراء واستمرار المعركة حتى تحرير حلب بشكل كامل، وهو ما أكده كثير من القادة الميدانيين وحتى بعض السياسيين.

 

 انتصارات حلب تعزز الحل السياسي

رغم التصريحات السابقة وتأكيدات معظم من تمّ مقابلتهم من القادة الميدانيين على الأرض على استمرار معركة حلب حتى تحريرها بشكل كامل، إلا أنّ رتم المعارك أخذ بالانخفاض في حلب بعد الأسبوع الأول الذي أسفر عن انتصارات كبيرة "لقوى الثورة والمعارضة" تمّ تتويجها بفك الحصار عن أحياء حلب الخاضعة لسيطرة تلك القوى.

ومع أنّ انكفاء " قوى الثورة والمعارضة" بعد الأسبوع الأول ناتج عن حشد الطرف الآخر لقواه في الأرض والسماء، إلا أنّ وراء ذلك على ما يبدو إرادة سياسية مشتركة بين الأطراف المؤيدة لكلا الطرفين، وأنّ الهدف الرئيس لهذه القوى هو تحريك الملف السياسي قبل تحرير الأرض.

فمن طرف "نظام الأسد" وفي الأيام الأولى للمعركة، احتج مسؤولوه، على عدم استخدام الروس لقوتهم الجوية بالشكل المطلوب، وصل إلى درجة الاتهام، وهنا نذكر ما قاله اللواء "حسن حسن" مدير الأكاديمية العسكرية لدى نظام الأسد، لصحيفة "أزفيستا" موسكو، ونقله موقع روسيا اليوم(5):" الطائرات الروسية حالياً لا تشن غارات في منطقة حلب، والتعاون بين موسكو ودمشق في هذه المنطقة يحمل صفة إعلامية فقط."

وبحسب الموقع أضاف حسن أنه يأمل بأن تنشط الطائرات الروسية في منطقة حلب، خاصة بعد أن أسقط الارهابيون المروحية الروسية "مي–8" في محافظة إدلب.

ومن طرف المعارضة يتردد في الأوساط الإعلامية والسياسية الحديث عن اتفاق روسي تركي لإغلاق الحدود التركية السورية بشكل نهائي، ولا شك فإن ذلك لن يمر دون ثمن!، ربما يكون رأس الأسد(6).

وبإجمال وعجالة يمكن ذكر دلالات وبراهين كثيرة بعد " ملحمة حلب الكبرى" المستمرة كلها تعزز وتقوي فكرة اقتراب نضوج حل سياسي في سورية، منها:

1- تصريحات "قوى الثورة والمعارضة" السورية، السياسي منها والعسكري الميداني، فالمتحدثة باسم هيئة المفاوضات العليا بسمة قضماني تقول": حلب ستعزز من موقفنا التفاوضي"، وغير ذي واحد من أعضاء الائتلاف السوري أشار إلى نفس الموضوع، والمتحدث الرسمي لحركة أحرار الشام وقائد غرفة عمليات فتح حلب تحدثا أيضا بأن معركة حلب ستضغط على جميع الأطراف للإسراع بحل سياسي.

2- لقاء نائب وزير الخارجية الروسي "ميخائيل بوغدانوف" مع رئيس الائتلاف الأسبق بالدوحة معاذ الخطيب وبعض المعارضين جاء في إطار البحث عن حل سياسي للأزمة.

3- تصريحات رئيس الحكومة التركية "بن علي يلدرم"،(7) عن أن الستة أشهر القادمة ستحمل تطورات مهمة لسورية، (وصفها بالتطورات الجميلة)، وما سبقها من استعادة للعلاقات الودية التركية مع الروس، وغير ذلك من الدلائل مما لا يتسع المقام لذكرها جميعاً.

ويبقى السؤال كيف سيكون شكل الحل السياسي المنظور؟

وبالطبع هناك رؤى وتحليلات كثيرة وتفصيلية حول هذا الأمر، ولكن ما هو مؤكد أن جميع الأطراف باتت تعرف أّنه لا يمكن لحل سياسي أن ينجح ببقاء الأسد، وهذا سيكون جوهر أي حل وما تبقى سيكون تفاصيل.

ولكن هل يعقل أن تتخلى روسيا عن الأسد بعد كل هذه السنين؟!

لا يبدو أنّ تخلي الروس عن "الأسد" وليس عن نظامه مستبعداً، فهي تدرك أنّه لن يكون هناك حلٌ سياسي في سورية إلا برحيله في النهاية، وأنها لن تستطيع أن تدافع عنه أكثر من ذلك.

وكما يقول العميد الركن أسعد ناصيف: "إن روسيا فعلت كل ما بوسعها في سورية ولم تترك سلاحاً إلا واستخدمته وفشلت في قمع "الثورة" في سورية، ولم يبقى لديها إلا السلاح النوعي (النووي)، لكنه استبعد أن يكون الحل قريبا معتبراً أن التقارب الروسي التركي حالياً عاملاً لتخفيف التوتر والاقتتال ليس أكثر.

وإنّ ما يعزز من فكرة إمكانية تخلي الروس عن الأسد هو تعمّد "إهانته" شخصيا في أكثر من مقام كبثّ لقائه المهين مع وزير الدفاع الروسي في "حميميم" باللاذقية، وقبل ذلك من خلال لقائه شبه المنفرد والمهين مع بوتين في موسكو.

معوقات الحل السياسي بسورية

منذ أيام قليلة وتحديدا في 2016/08/14  صرح وزير الدفاع الروسي "سيرغي شويغو" عن عدم وجود اتفاق مع الولايات المتحدة حتى الآن، على محاربة الإرهاب في سورية، ما يعني أنّ الولايات المتحدة قد غضت النظر ولو مؤقتاً عن موضوع فصل "الإرهابيين" عن القوى المعتدلة، وبالطبع فالمقصود "بالإرهابيين" هنا فصيل "فتح الشام" (جبهة النصرة سابقا)، لأنه موجود بين الفصائل التي تصنفها الولايات المتحدة "معتدلة" وليس "تنظيم الدولة الإسلامية" الذي لا خلاف عليه بين الدولتين.

كما يعني هذا أيضا بأن الولايات المتحدة مرتاحة لما يجري في حلب على أقل تقدير إنّ لم تكن داعمة له.

ورغم كل ذلك فإنها – أي أمريكا- قد تكون المعرقل الأكبر لأي حل سياسي سوري وأنّ ما تريده هو فقط إعادة التوازن العسكري بين الأطراف المتنازعة وذلك لسببين:

1- لأنّ أفعالها وأقوالها ينبيان بعدم جديتها بحل الأزمة السورية، فمنذ خمس سنوات خلت وهي صامتة إزاء حرب شعواء يشنها نظام مدجج بالسلاح على شعب أعزل، وليس مجزرة الكيماوي في الغوطة 2013/08/21  عنّا ببعيدة والتي راح ضحيتها قرابة 1500 قتيل معظمهم من الأطفال، واكتفت حينها أميركا بصفقة الكيماوي الشهيرة مع نظام الأسد بدلا من محاسبته على ما سمي بجريمة القرن.

وعلى صعيد الأقوال فقد ذكر الرئيس الأميركي "باراك أوباما" حين التقى بوزير خارجيته "جون كيري" بتاريخ 21/حزيران من العام الجاري "أنّ الموارد المخصصة للحرب هي لمواجهة "داعش" وليس الأسد"، وجاء ذلك على خلفية توقيع /50/ دبلوماسياً أميركياً على عريضة تطالب بضرب الأسد، ويمكن استعراض تصريحات أمريكية كثيرة تعزز من هذه الفكرة.

2- لأن هذا التراجع الأميركي المريب يريح الروس ويجعلهم أكثر تمسكاً بالأسد، رغم التفاؤل مؤخراً بإمكانية تغيّر موقف الروس لمصلحة حل سياسي يزيح الأسد بعد التقارب مع تركيا، هذا التفاؤل قلل من أهميته المستشار السياسي في أنقرة الدكتور علي باكير بقوله:" هناك تفاؤل زائد عن اللزوم حول ما يمكن أن يحققه التقارب التركي – الروسي في سورية، فلايزال الخلاف بين الطرفين عميق ويتعلق بالأسد من الناحية الاستراتيجية وبالالتزام بوقف إطلاق النار من الناحية التكتيكية، ومن الصعب جسر الهوة بينهما بشكل سريع".

وعزز العميد الركن أسعد ناصيف ما يراه "باكير" بالقول:" التقارب الروسي التركي شأن داخلي تركي ربما يكون له دور في تخفيف التوتر الحاصل في سورية ليس أكثر".

خلاصة:

كما أنّ " ملحمة حلب الكبرى" أحيت الآمال مجددا بالتوصل إلى حل سياسي سلمي منتظر في سورية منذ سنوات، كذلك أعادت شبح الحديث عن التقسيم مرة أخرى، وهذا ما يعتقده عضو الائتلاف السوري "أحمد ترمانيني" وذلك لمكانة حلب الاستراتيجية التي لن يستطيع "الأسد" بدونها كسب الدعم الدولي كحاكم لكل البلاد.

 والتقسيم قائم فعلياً على الأرض إلا أنّه لا يحظى باعتراف دولي، وربما تعززه  عمليا سيطرة المعارضة على حلب، خاصة إذا ما تم إفشال مساعي (قطر وتركيا) للحل السياسي؛ هذا الإفشال على الأغلب سيكون من أمريكا التي وعدت تركيا بتراجع وحدات الحماية الكردية ( ب-ي–د) عن منبج (8) بعد إخراج " تنظيم الدولة" منها، ولكن ذلك لم يتحقق حتى الآن.

وكما أنّ لا نصر عسكري" لقوى الثورة والمعارضة " دون دمشق، فإنّه ووفقا لما تقدم من معطيات وأحداث لا حل سياسي دون حلب، ولن يكون شكل "الثورة السورية" المستمرة منذ ست سنوات بعد حلب كما قبلها، وقد وصفها المتحدث الرسمي لحركة أحرار الشام بأنها رهان "الثورة"، وبوصلة الصراع في سورية.

ورغم وجود مؤشرات ودلائل ذات قيمة على رجحان كفة الحل السياسي في حال صمود "قوى الثورة والمعارضة" في حلب أو تقدمها، إلا أنّ إنجازه يبقى صعباً جداً، ليس لأنّ روسيا ما تزال تبدو متمسكة بموقفها الرافض حتى الآن لرحيل "الأسد" دون انتخابات كما تزعم!، بل لأنّ رؤى الحل السياسي وقيادته من قبل قوى داعمة "للثورة والمعارضة ما تزال متباينة ومتنافسة إلى حد كبير .

وهذا ما أشار إليه وزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم آل ثاني في مقابلة أجراها مع "الفايننشال تايمز" البريطانية في 15/نيسان/من العام الجاري، حيث ذكر أنّ التنافس بين "السعودية وقطر" في الملف السوري لم يكن صحياً.

وباستمرار وجود هذا التنافس أو حتى التباين المغذى "أميركيا" بين الدول الإقليمية الداعمة "لقوى الثورة والمعارضة" فإنّه يشكّل عائقا كبيرا أمام إغلاق الستار على المعاناة السورية التي سميت بمأساة القرن الواحد والعشرين.

 

 ______________________________________________________________________

 

مصادر التحقيق الصحفي

1- هجوم المتمردين في سوريا يتحدى حصار الحكومة لحلب/ صحيفة نيويورك تايمز الأميركية 2016/08/07

http://goo.gl/VYJUyO


2- معركة حلب: شاحنات السلاح من تركيا واشنطن تتغاضى عن دور «النصرة»/ صحيفة السفير اللبنانية /2016/08/10 

        https://assafir.com/Article/506283

3- د. علي باكير / تفكيك المزاعم حول دور تركيا في معارك حلب الأخيرة/ موقع عربي21 تاريخ 2016/08/13 

http://goo.gl/y67xdX

4- موقع الجزيرة نت نقلا عن "فايننشال تايمز" /أسباب تقدم المعارضة في حلب 2016/08/09 

http://goo.gl/yA7uIC

5- موقع روسيا اليوم / سوريا تنتظر دعما جويا من روسيا/ مقابلة مع اللواء حسن حسن 2016/08/03 

https://goo.gl/JgTJ8r

6- موقع روسيا اليوم /تركيا قد تغلق حدودها مع سوريا بطلب من موسكو 2016/08/12 

http://ar.rt.com/hxb9/

7- موقع ترك برس / يلدريم: ستحدث تطورات مهمة في سوريا خلال الأشهر الستة القادمة 2016/08/13

http://www.turkpress.co/node/24878

8- موقع زمان الوصل / أنقرة: ننتظر انسحاب (pyd) من "منبج" إلى شرقي الفرات كما وعدت واشنطن 2016/08/15

https://www.zamanalwsl.net/news/72945.html#.V7Hj0lU2UAc.facebook

9- مقابلات خاصة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام مع جميع القادة العسكريين ورجال السياسة المذكورين في متن التحقيق الصحفي بين 15-2016/08/18.

____________________________________________________________________

(للاطلاع على التحقيق كملف pdf يُرجى تحميل الملف المُرفق أعلى الصفحة)

---------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2016

 

تصويت

هل أعجبك الموقع؟

القائمة البريدية


2015 © جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام, تنفيذ وتطوير شركة SkyIn