الأبعاد الإعلامية للحرب النفسية وتأثيراتها على الثورة السورية

Google Plus Share
Facebook Share

الكاتب: النقيب رشيد حوراني

تاريخ النشر: 2017/07/10

 

مقدمة  

تعتبر القوة العسكرية شكلا رئيسا لبسط النفوذ والحفاظ عليه والسعي إلى المزيد من الانتشار، كما يعتبر التوظيف المقصود للأعمال النفسية التي يُعرّفها "بلوم وماك لورين" أنها تتضمن جميع أشكال العمل المخطط الهادف للتأثير على مواقف أو سلوكيات جماعة بشرية أو سياسية معينة باستعمال القوة العسكرية أو بدونها [1]، شكلا آخر لبسط النفوذ.

 لذا تولي الدول والحكومات علم النفس اهتماما واسعا لقدرته على فك شيفرات المجتمعات والثقافات ولإسهامه في تدعيم الجهود السياسية والعسكرية موفرا لها كيفية استغلال التناقضات المجتمعية واحتياجات السواد الأعظم من السكان والتركيز عليها ومن ثم محاولة تفتيت الصفوف وإدارتها،

وتختلف الحرب النفسية باختلاف حالة السلم واللاسلم في مستواها وحدتها وأهدافها وتوجهها، باعتبارها تمثل جزءا من النشاطات السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والإعلامية التي تُوجَّه من قبل الدولة بهدف تحقيق غرض ما (تدمير الروح المعنوية – غسيل العقول) لدى الطرف الآخر، وبزيادة الاهتمام بالإعلام كأحد الوسائل السياسية عندما تنشب الأزمات  فتتفاعل إمكانيات الدولة العسكرية والاقتصادية السياسية والخصائص السيكولوجية للرأي العام مع الوسيلة الدعائية فتؤثر وتتأثر بها.

ومنذ بداية الثورة السورية ونظرا للتقلص المتسارع لجغرافية النظام على حساب المظاهرات الحاشدة التي عمت البلاد، تعرض الشعب السوري إلى سياسة قمع أمني شامل تجلت في إطلاق النار على المتظاهرين بشكل منهجي والتعذيب ثم قصف المدن والأحياء المأهولة والتدمير والتهجير، ولكل أشكال التنكيل غير المقيد بقوانين أو قيم، رافق كل ذلك الكثير من الحرب النفسية والدعائية لثنيه عن الثورة، فكانت الحرب النفسية والفعلية عبر المذابح التي شكلت مجزرة الحولة في أيار 2012م نقطة انطلاق لها لتمتد على بقية المناطق السورية، والطرد والشعارات التي تعمّد النظام نشرها من خلال قوات أمنه، منها على سبيل المثال "الأسد أو لا أحد" و "الأسد أو نحرق البلد" و "الجوع أو الركوع" وغيرها من الشعارات التي لا تحمل حدًا للقتل والتدمير الممنهج، من جهة، ودق الأسافين وخلق الهوّات بين مكونات الشعب السوري من خلال شعارات مخابراتية من قبيل "العلوي ع  التابوت والمسيحي ع بيروت" مدعيا النظام من خلال ما روج له من تخوف العلويين بشكل خاص الذين قادتهم الصدفة ليكونوا من النخبة السورية –بحسب ادعاءاته وترويجه غير المباشر-، وباقي الأقليات بشكل عام من شيعة واسماعيلية من الثورة، وأن الدوافع الوطنية كما ادعى هي وراء الصمت الرسمي السوري على مثل هذه الشعارات التي تطلقها ثورة الحرية والكرامة، ليشوه صورتها في عيون بقية أبناء المكونات الأخرى، ويدب الرعب في قلوبهم من أن يسلكوا طريقها، ورغم الصور الكثيرة التي قدمتها الثورة لطمأنة كافة أبناء الشعب السوري إلا أن دعاية النظام وترويجه لمثل هذه الشعارات فعلت فعلها.

وتمثل هذه القضية لعبة انتهجها النظام لإحداث ارتباكات في صفوف الخصم "الثوار" للإيحاء له بالأهوال التي سيتعرض لها إذا لم يستسلم، فاتهمه بالتطرف والإرهاب تارة، وبالطائفية، وبمحاولة النيل من المقاومة والممانعة تارة أخرى، معتمدا في كل ذلك على عدم سعيه خلال عقود حكمه الأربعة على إيجاد رابط بين مكونات الشعب السوري.

وكنتيجة؛ أدى ذلك إلى اصطفافات عدة شهدتها الساحة السورية على المستوى الداخلي والخارجي[2]،  حيث أن آلته الإعلامية على الرغم من أنها عانت من أزمة المصداقية المتزايدة إلا أنها تخضع لسيطرة مركزية وتوجه رسائلها إلى الرأي العام في الداخل والخارج مقابل غياب الهيئات الإعلامية الحقيقية التي تمثل الثورة والمعارضة بمكوناتها، والدعاية المضادة لما يروجه النظام، سوى محاولات فردية ومستقلة غير مركزية كما في حالة النظام .

وتحاول هذه الورقة البحثية التي أُعدت في سياق أحداث الثورة السورية تفكيك العملية الإعلامية والحرب النفسية الموجهة للنظام وحلفائه ضد الشعب السوري على مختلف الصعد السياسية والعسكرية والاجتماعية.

 

أولا: الحرب النفسية

عندما تفشل الوسائل الدبلوماسية كما الوسائل العسكرية في إخضاع العدو وتطويع إرادته يتم استعمال مواطن القوة الكامنة في الحرب النفسية – الناعمة وتوظيفها على نحو مؤثر نظرا لاحتوائها على منظومات وبرامج من شأنها الإضرار بالوعي وتضليله،

 لأن الحرب النفسية ذات أبعاد وحمولات ودلالات وأغراض متعددة، وهي حرب ناعمة قوامها برمجة الوعي، وهي حرب أفكار تستنبط الاستحواذ على العقول، كما تستنبط استلاب الإرادات والعزائم والذاكرة، وهي حرب الكلمات والشائعات، وحرب بناء الاتجاهات، وصياغة المواقف، وتكوين التصورات، وتغيير السلوك، هي حرب إخراج الإنسان من ذاتيته ومن قيمه ليكون صنيعة أخرى هجينة ومشوهة [3]،

 وواجهت الثورة السورية حربا نفسية شنها النظام وحلفاؤه موجهة للداخل السوري من جهة، والرأي العام العالمي بهدف تشويهها وثني المنظومة الدولية عن دعمها وتحقيق أهدافها من جهة أخرى، كما واجهت حربا نفسية خاضها المجتمع الدولي ذاته واعتمدت على مجموعة من التصريحات والاجتماعات والوعود الفارغة من معظم القادة في الدول الكبرى بهدف تكرار حالات الإحباط لدى الشارع السوري ليؤدي بدوره إلى حالة من الاستسلام والقبول بتسوية تفرض بقاء الأسد "إعادة تأهيل الأسد"[4]، حتى بدا المشهد أنه صراع إرادات يكون النصر فيه من نصيب من يبدو أكثر تصميما.

 

أ- العناصر المُكونة للحرب النفسية:

 

 

يُعد المرسل أو الجهة التي تدير حملات الحرب النفسية أول وأهم عناصرها ويجب أن تتمتع بالقدرة على جمع المعلومات من مصادر عدة والتأكد من صحتها، والمهارة العلمية في تحليلها لتخطيط العمليات النفسية وتوجيهها، وصولا إلى انتاج الخبر أو الدعاية أو الشائعة... ليتم بعدها النشر عبر مختلف الأدوات التي تسخرها وتجندها لهذه الغاية.

وتأتي الرسالة التي تتألف من مضامين ثلاثة {العنوان – الموضوع أو المضمون– الجهة التي أصدرت الرسالة} في المرتبة الثانية من مكونات الحرب النفسية ويعد المضمون أهم عناصرها كونه يحتوي الفكرة الرئيسية التي تتحدث عنها الرسالة، بالإضافة إلى تضمنه لتوجيه نحو سلوك بطريقة تشجع المستقبل قبوله وتنفيذه (الصورة - نموذج من المناشير التي رماها النظام في الريف الشمالي لحمص)، ويأتي المستقبل أو الجمهور هو الركن الثالث في هذه الحرب وعلى المرسل أن يكون مُلِمّا بالحالة النفسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية للجمهور المستهدف، وبدون ذلك تفقد الحرب قيمتها ولا تحقق أهدافها،

وتحمل عناصر رسائل الحرب النفسية في طياتها عبر وسائلها المتنوعة مزيجا من الصبغة الوجدانية ودعوة مبطنة لانتهاج الشدة ضد الجمهور التي وجهت له، فمثلا عندما تراجعت آمال النظام في تهدئة الجماهير وتوصل "نظام لأسد" إلى أنه إذا لم يعد بإمكانه الحفاظ على ولاء المواطنين ولأن الجيش أكثر المؤسسات قوة وخط الدفاع الرئيسي عنه ركزت الحملات الإعلامية للنظام على حشد السوريين حول الجيش السوري وعجّت القنوات التابعة للنظام السوري بدعاية صارخة موالية له لمواجهة العصابات الإرهابية المسلحة الممولة من الخارج والتي تعرضت لغسيل الدماغ، في رسالة هدفها تبرير توجيه سلاح الجيش إلى الداخل في وجه المتظاهرين من أبناء الشعب[5].

 

ب- أهداف الحرب النفسية:

لأن الشخصية الإنسانية ميدان الحرب النفسية التي تستهدف عقل وتفكير الخصم بسلاح الكلمات والأفكار، والدعاية والإشاعات والرعب الشامل بتوجيه مباشر أو غير مباشر إلى الأفراد والجماعات بغرض تحطيم معنوياته والقضاء على محاولاته وشل قدرته في سبيل سعيه لتحقيق أهدافه ويجب أن تكون هذه الحرب مستمرة حيث يقول ديغول:( لكي تنتصر دولة ما في حرب عليها أن تشن الحرب النفسية قبل أن تنزل قواتها في ميادين القتال، وتظل هذه الحرب تساند هذه القوات حتى تنتهي من مهمتها) وهو ما عمل النظام على تطبيقه منذ بداية الثورة بدءا من ترويجه أن ما تتعرض له سورية " مؤامرة كونية" باعتبارها من محور المقاومة والممانعة مرورا بالتحريض الطائفي والايديولوجي لتخويف الأقليات، وليس انتهاءً بنشر الشائعات والأكاذيب التي تتناسب مع الموقف الخاص بها التي سيأتي البحث على ذكر نماذج منها ليهدف من وراء ذلك إلى:

 

1- بث اليأس والتشجيع على الاستسلام: من خلال القيام بإجراءات وبث الشائعات التي من شأنها زعزعة إيمان السوريين بتحقيق أهداف ثورتهم كإلقاء المناشير فوق المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة لزرع الخوف والحيرة واليأس في نفوس القاطنين (كما في الصورة) 

مترافقة مع التصعيد الميداني على الجبهات والعمل على تسخينها، و بث برامج تلفزيونية عن اجتماعات يقوم بها وجهاء مناطق "محررة" يقيمون في مناطق النظام مع مسؤولين من النظام بهدف إقناع "الثوار والمقاتلين" بالمبادرة إلى عقد المصالحات والتسويات ومثاله ما بثه التلفزيون السوري في كانون الثاني من العام 2017م عن اجتماع شارك فيه وجهاء من مدينة دوما بريف دمشق، ومسؤولون حكوميون، ورجال دين سنّة، وضباط روس في دمشق ناشد فيه علاء ابراهيم محافظ دمشق الحاضرين إقناع المتمردين في الغوطة الشرقية بـ "الإفادة من مرسوم العفو الرقم 15/2016، والمبادرة، بموجب ضمانات روسية، إلى إبعاد المسلحين الذين لا يرغبون في المصالحة"، وبالتالي "تحرير المدنيين" في دوما [6]،

وفي الحقيقة أن هذه المفاوضات كانت سرية تم الكشف عنها في السابع من تشرين الأول من العام 2016م تشكلت لجنتها من أشخاص من دوما مقيمين في دمشق رفض خلالها المجتمعون بهم من دوما (رئيس مجلس الأمناء – رئيس المجلس المحلي في دوما) أي حديث أو هدنة عن دوما وحدها باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الغوطة الشرقية، وخروج وفد لمفاوضة النظام في دمشق.

لا بل طالبوا اللجنة المذكورة بإجراءات من قبل النظام تدل على حسن نيته[7]. وصولا إلى أن رفع سقف الرهانات عبر الإعلان بأن معبر مخيم الوافدين على مقربة من دوما سوف يُستخدَم بمثابة معبر للخروج الآمن للمدنيين والمسلحين بعد تسليم أسلحتهم في مطلع شباط من العام 2017م[8]، ناهيك عن الحملات التي تهدد سكان تلك المناطق على برامج التواصل الاجتماعي والتي تحمل في طياتها الدعوة إلى الاستسلام وغرس اليأس في النفوس من وراء واقع الحصار المفروض عليهم، هادفا من وراء رسائله تلك إظهاره أنه الحكومة الشرعية القادرة على تنفيذ ما تراه مناسبا أمام فصائل رهنت نفسها للخارج بزعمه، و شق "الحاضنة الثورية" في تلك المناطق إلى صفين مؤيد للطرح ومعارض له، وخلق صراع إقدام – إحجام بالقبول من عدمه داخل كل فرد.

 

 2- نشر البلبلة وزرع الفوضى: في الحرب النفسية تتنوع الوسائل وتركز على الجهات الأكثر فاعلية للنيل منها، ولتحقيق هذا الهدف يحرص إعلام النظام كثيرًا بإظهار أنه لا يزال يرعى الخدمات للمواطنين، ولهذا يتبع اسلوب الحصار والتجويع ضد المدنيين في المدن والبلدات المحررة، بقصد تضخيم معاناة المدنيين ويتعاون مع حلفائه في ذلك ففي أيار من العام 2016م عمدت الميليشيا (PYD) التي تسيطر على منطقة عفرين شمال حلب وريفها إلى قطع الطرقات أمام شاحنات الوقود والمؤن المتجهة إلى المناطق المحررة في ريف حلب الغربي وإدلب  لتقع تلك المناطق في فوضى تأمين تلك المواد والضغط الشعبي على الفصائل في الوقت الذي تحارب فيه على محاور ثلاث تنظيم الدولة وقوات النظام والميليشيات الكردية[9]،   

 

3- التشويه والطعن بالأعراف والتقاليد الاجتماعية: روان قداح طفلة سورية من مدينة نوى في درعا سوق النظام وحلفائه أن والدها عمل على إيواء مجموعة مسلحين في المنزل، وتقديمها لقمة سائغة لهم، وإقناعها بأنّها تقوم بـعمل شريف، وحتى لو ماتت فإنّها ستُحسب «شهيدة». بعدما وصلت الحالة إلى حد لا يطاق،

 وطَلب الأب من ابنته أن تأتي إلى إحدى قرى ريف درعا، استعانت قداح بأحد حواجز الجيش السوري الذي خلّصها مما تعانيه، وهو ما اعتبره رئيس «هيئة التنسيق الوطنية في الخارج» هيثم منّاع أن "قناة الإخبارية السوريّة" نفذت الإعدام على الهواء مباشرة للمرّة الأولى منذ اندلاع الأحداث[10].

وعمد النظام إلى نفس السلوك مع كل من يمان القادري الطالبة في كلية الطب وزينب الحصني نظرا لمعرفته مدى التأثير البالغ والمهم على البنية الثقافية والفكرية لأفراد المجتمع وحساسيتهم تجاه هذا الموضوع، بالإضافة إلى إشاعته المتكررة عن اغتصاب المعتقلات وخطف النساء على الحواجز كسلاح تم استخدامه منذ البداية للاستفزاز وإجبار الخصم على الخنوع والاستسلام في مجتمع مثل سورية يُعتبر الحديث فيه عن هذه الجرائم عيبا وعارا،

كما حاول تشويه سمعة الفصائل باتهامهم بقصف المدنيين ودور العبادة والمدارس في وقت كانت كل القذائف في دمشق مصدرها فروع المخابرات التابعة للنظام السوري وهو ما أكده الإعلامي السوري "فيصل القاسم" والفريق الأمني لجيش الإسلام داخل دمشق لتشويه صورة الفصائل[11] والثورة بشكل عام.

 

4- اعتماد مبدأ "فرق تسد" ومحاولات النظام زرع الفتن والقلاقل واللعب بورقة الأقليات والطوائف وتمزيق النسيج المجتمعي السوري: جند نظام الأسد كل الوسائل لتحويل النضال المطلبي إلى صراع طائفي أو عرقي بين مكونات المجتمع السوري ولما كانت الطائفية أحد أهم أركان نظامي الأسد الأب والابن، ونظرا لخروج السوريين في المظاهرات من المساجد باعتبارها المكان الوحيد الذي يتيح التجمع الأكبر لعدد من المواطنين عمل على تعبئة طائفية غير مسبوقة منها على سبيل المثال؛ أن صعد الشيخ عبد السلام الخليلي في "جمعة العزة" أحد منابر مدينة الحراك بريف درعا الشرقي وبدأ خطبته بأسلوب حماسي وسرعان ما انتقل للحديث عن (المفاسد في السويداء) وعن مخططات تتم في السويداء لاستهداف مجتمع درعا المحافظ، ما أصاب الجميع بالذهول واستغربوا من حديث الشيخ التي اختفى على الفور عقب انتهاء الصلاة.

 تلا ذلك انتشار آلاف من النسخ لخطبة الشيخ في شوارع محافظة السويداء بعد ساعات فقط، ليتبين فيما بعد بأن الشيخ هو (عبد السلام الخليلي) أحد الموظفين بمكتب اللواء رستم غزالي[12]. تلاها عمليات الخطف المتبادل بين محافظتي السويداء ودرعا (اختطاف ثلاثة من عمال شركة الكهرباء بالسويداء بالقرب من ريف درعا الشرقي) وإغلاقٍ للطرق الواصلة بين المحافظتين

إلا أن معظم هذه الحالات كان مصيرها الفشل في تحقيق ما يربو إليه النظام على الرغم من الاندفاع إلى الانتقام في صفوف الشباب الحامل للسلاح[13]، ثم حاول لاحقا ضرب الطائفة الدرزية بعضها ببعض عن طريق رئيس فرع مخابراته في السويداء وفيق ناصر وحزب الله اللبناني بهدف السيطرة على المنطقة الجنوبية[14]. وحاول الأمر نفسه في مدينة السلمية حيث ينتمي سكانها إلى عدة طوائف وأقليات من الإسماعيلية والعلويين والسنة مع وجود بعض القرى التي يقطنها مواطنون من الشركس، وغيرها من المناطق السورية.

 

5- العمل على تحقيق مكاسب ميدانية طردا مع المعاناة الإنسانية: مع بـدء الحملـة العسـكرية على حـي القابـون شرق مدينة دمشق أوائل العام الجاري ارتفعـت وتيـرة القصـف على الحـي، مما شـكل حركات نـزوح كبيرة من هذا الحي باتجـاه بلـدات الغوطة الشـرقية، دون اصطحـاب احتياجاتهـم ولـم تتمكـن أي جهـة مـن تقديم اسـتجابة تتناسـب مع حجـم معاناتهم، واسـتقبلت بلـدة حرسـتا العـدد الأكبـر مـن النازحيـن  توزع معظمهم لدى عائلات مضيفـة في خطـوة أولـى لتأميـن مسـاكن لهـم، وتعتبر ناحية حرسـتا غيـر مسـتقرة لقربها مـن خطوط الاشـتباك ممـا سـيضطرهم للنـزوح مـرة أخـرى في حال تقـدم النظـام أو تصعيـد القصف، وقد يلجأ النظام إلى ذلك على محاور القابون – حرستا ليشكل النازحون عامل ضغط وشد إلى الخلف على "قوى الثورة والمعارضة"، بطريقة توضح أن حياة المدنيين الضعفاء في مجملهم يمكن مصادرتها لخدمة منطق حربي عديم الشفقة يؤكد بطريقة قاطعة الغاية تبرر الوسيلة دائما.

 

6- زرع العملاء وضعاف النفوس والقيام بالاغتيالات: أسلوب لجأ إليه بتجنيد بعض المدنيين للقيام بأعمال من شأنها إرضاخ الأهالي في المناطق الخارجة عن سيطرته والقيام بأعمال القتل ونشر الشائعات التي تضعف الروح المعنوية والمتاجرة بالحشيش، حيث ألقى القضاء الأعلى في الغوطة الشرقية على عصابة مؤلفة من امرأة وثلاثة رجال تبين بعد التحقيق معها أنها متورطة في قتل عدة أشخاص عند حاجز مخيم اليرموك والاتجار بالحشيش والحبوب المخدرة من نوع "زلام و كلورينا وبالتان"[15]،

 كما كشف القسم الأمني لحركة تحرير حمص (الوطن حاليا)عن خلية في منتصف العام 2015م في حي الوعر مؤلفة من 5 أشخاص، رجلان و3 سيدات موزعين داخل الحي وخارجه اعترف من ألقي القبض عليهم بأن مهمتهم تقوم على تصفية الشخصيات الفاعلة ضمن حي الوعر من شرعيين وقادة كتائب وثوار (اغتيال رئيس المحكمة الشرعية العليا، ورئيس تجمّع علماء الدين بريف حمص الشمالي الشيخ عبد المطلب الحسن أبو يوسف  "بكبة" مسمومة على يد رئيس الخلية على أساس أنها مرسلة له من صديقه)، وزرع الفتن والتناحر وتجنيد أكبر قدر ممكن من المحاصرين في الحي لصالح النظام ومخابراته، مستغلين الحالة المادية الضيقة، التي يمر بها المحاصرون، وإقناع الثوار بالتسويات وتسليم أنفسهم، ومحاولة تجنيدهم لصالح فرع الأمن العسكري بحمص، عن طريق أحد ضباط الفرع المذكور، ويدعى ريبال، ونقل معلومات عن تحركات شخصيات من "قوى الثورة والمعارضة" ، وأماكن اجتماعاتهم، وعدد الحاملين للسلاح،

 وبث شائعات يرمي بها النظام ومنها "رمي الكلور على الوعر"، ليزداد عدد الراغبين بالخروج من الحي، إضافة لجمع معلومات عن أشد النقاط تحصينا في الوعر، ومعرفة الأنفاق إن وجدت[16].   

 

 

ثانيا: صور ونماذج الحرب النفسية التي مارسها النظام على المجتمع السوري قبل الثورة

عمل نظام الأسد ونخبه السياسية على مبدأ الإيهام، فأوهم المواطنين بالدولة الوطنية والمقاومة والجيش العقائدي والمؤسسات والنقابات، وفي الواقع أنه نظام عصابات أسست فيه الدولة العميقة (عصابات الغاز- عصابات السكر- جنرالات القمح- عصابات العقارات والمخالفات...).

 والهدف هو منع المواطن السوري من العيش باستقرار وتقسيم المجتمع إلى قسمين أو طبقتين طبقة المتنفذين، وطبقة تسعى وراء قوتها اليومي، إلا أن "الثورة السورية" أتت لتكشف زيف هذا المشهد المصنوع من قبل نظامي الأسد الأب والابن الذي استخدم ضد أبناء الشعب السوري شتى أنواع الأسلحة وفتح أبواب البلاد للميليشيات من إيران وروسيا، هادفا من وراء ذلك خلق الدافع لدى أبناء الشعب للحنين إلى أيام استبداده وطغيانه حيث كان في مأمن من القصف والتهجير والتنكيل وفي متناول يده الطعام رغم صعوبات الوصول إليه، متذكرا قول الشاعر:                         

سأبكي أيامي المواضي بشربها                   وأندب أوقاتا مضت ولياليا

وما إن سيطرت حكومة البعث على السلطة في سوريا منذ العام 1963 ومن ثم انقلاب حافظ الأسد عام 1970حتى بدأت البلاد تشهد تغييبًا تامًّا وممنهجًا لكل ما له علاقة بالتاريخ والتقاليد للحياة السياسيّة التي كانت متبعة وصولا إلى التغييب والازدراء بالعادات الاجتماعية.

وعمل الأسد خلال سنيّ حكمه على نشر العشوائيات التي طوق بها المدن الكبرى وعلى رأسها دمشق من أبناء الساحل لتشهد أنماطا من العادات والتقاليد الاجتماعية التي لا تروق لطبيعة المدينة المحافظة دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض بحكم القبضة الأمنية والرعب الذي نشره من خلالها بين السكان، أما الحياة السياسية فاقتصرتْ على فكر البعث ومؤسّساته، وتمّت إعادةُ البناء المعرفي للشعب عبر تسطيح الثقافة الوطنيّة[17]. وقد نتج من ذلك أجيالا تكاد لا تعرف شيئًا عن حقبةِ ما قبل الأسد الأب.

لقن نظام الأسد الشعب السوري شعارات تفرض سطوته عليهم ويسوسهم بها (سورية الأسد – الأسد رمز الثورة العربية – إلى الأبد إلى الأبد يا حافظ الأسد...) بالبطش والتشبيح تارة، وبالاحتفالات والمهرجانات الخطابية التي يحرص الإعلام الأمني على بثها، أو تلقينها في منظمات حزبية تبدأ منذ نعومة أظافر الأطفال لتنتهي في كل المؤسسات والمنظمات العامة والخاصة.

كما عمل على إيجاد المؤسسة الدينية التي تعمل على تطويع فئات الشعب لخدمته والنصوص الدينية لتبرير إجراءاته السياسية واستبعاد كل من تسوغ له نفسه بالمخالفة، فانتشرت حلقات الإنشاد التي تصدح بمديح القائد الفذ، وتمييع الدين وجعله مستباح لكل غاد ورائح.

وحرص على الإمساك بمنظومة التعليم ليمارس فيها كافة قواعد نظامه الشمولي في واحدة من أكثر عمليات غسل الدماغ إرهابا وتشويها للحقائق بمناهج مزيفة، يُتهم فيها الوطني، ويُقرب فيها العميل ليبدأ تاريخ البلاد في فكر أجيالها بالحركة التصحيحية وثورة الثامن من آذار، مغيبا الملاحم الوطنية قبل ذلك التاريخ الذي يعتبر التعاون بين سلطان باشا الأطرش وعبد الرحمن الشهبندر إحدى صورها مستعينا في كل ذلك بالسيطرة على الإعلام وتوجيهه وتسليم المفاصل الحساسة فيه لأشخاص علويين متعصبين، موالين، شديدي الإعجاب بالتركيبة الطائفية الأمنية للنظام القائم[18] ،

وعمل باستمرار أيضا على استمالة وإبراز بعض الكتاب والمثقفين والسياسيين والإعلاميين وفرضهم على المتلقي وجعلهم ضيوفاً دائمين على كافة وسائل إعلامه للترويج لأفكارهم التي تتماشى مع فكره وتوجهه، بطريقة تتحكم بمسارات حياة المواطن بصورة لا يمكن تخيلها حتى في الأفلام السينمائية، إلا أن "الثورة السورية" نشطت حركةَ البحث والكتابة في تاريخ سورية المعاصر، وأعادت التاريخ المغيب مؤكدة أن هذا العصر لم يعد عصر غوبلز وإن كانت تجربة هتلر تستنسخ فيه فعليا.

 

ثالثا: الدعاية الموجهة في الإعلام الرسمي خلال "الثورة"

تمثل الدعاية "جملة المؤثرات الرمزية التي تحمل مضمونا رسالياً عن طريق إحدى وسائل الاتصال " كما يرى بلوم، أما غوبلز وزير الدعاية الألماني فيرى أنه ليس للدعاية طريقة أساسية بل إن لها هدفا فقط وهو اخضاع الجمهور، وتحمل مضمونا سياسيا أو عقائديا أو مرتبطا بالمصالح العامة.

 وتهدف " الدعاية" إلى تغيير المواقف والسلوكيات عن طريق تغيير آليات التحليل واتخاذ المواقف، إما في اتجاه جعلها سلبية، مما يفقدها الإرادة والقدرة على رفض الأعمال والمواقف المضادة، أو بدفعها نحو اتخاذ مواقف فاعلة تخدم مصالح الجهة القائمة بالدعاية معتمدة في تغيير المواقف والقناعات على مجموعة من المعلومات التي تقود إلى تغيير عملية الإدراك الفردي وتحليل الأمور، وتجعل من رؤيته للواقع مختلفة عما كانت عليه.

وعمل النظام السوري من خلال الإعلام، على تنظيم الهجمات على قيم الخصم وشخصيته والحط من صورة السوري على وجه العموم بالعمل على تفكيك إطار المرجع عنده[19]، ودون تفويت أي مناسبة أو إطلالة إعلامية، نذكر محطات هامة منها على سبيل المثال:

 

 

1- تزوير النص من خلال سرد رواية النظام وعزلها عن النص الحقيقي: 

ووضعها في إطار زماني ومكاني مختلف عن الواقع، ومثاله ما عرضه وليد المعلم وزير خارجية النظام في بداية الثورة في فيديو يروج من ورائه نعت الثورة وتشويه صورتها  على أنها إرهاب وجماعات ارهابية، ليتبن لاحقًا أنها صور لأشخاص أحياء في لبنان في منطقة باب التبانة[20]،  

ولم يقف عند هذا الحد بل ادعى بطولات نبيلة لجيشه  أبرزها مندوب النظام في الأمم المتحدة بشار الجعفري مدعيا أن جنديا في جيش نظامه جعل من نفسه جسرا لكي تنزل امرأة من عربة أقلتها من منطقة شرق حلب، في دعاية واضحة للجيش الذي بات معروفا أنه يقتل شعبه بالبراميل والكيماوي.

 

 

2- صناعة الأكاذيب المخلة بالآداب الاجتماعية والدعاية لها: يعد صاحب قناة الميادين "غسان بن جدو" الموالية للنظام عراب كذبة ما سمي بـــــ" جهاد النكاح " في النصف الثاني من العام 2013م، ثم تناقلتها مواقع الانترنت الموالية للنظام وحلفائه في إيران وحزب الله اللبناني (قناة العالم – قناة الجديد) ومن ثم نقل القضية إلى وسائل الإعلام الأجنبية بهدف تشويه صورة الجيش السوري الحر.

 وكيف أن النظام السوري يقف سدا علمانيا منيعا في وجه تلك الآفة، ولتشويه صورة الشيخ الذي نُسبت إليه الفتوى نظرا لتأييده للثورة ومهاجمته لرجل الدين الشيعي السيستاني، ولكن الإعلام الغربي (اللوموند الفرنسية وفورين بوليسي الأمريكية) لجأت إلى فكفكة القضية بدءا من مصدرها وحتى وجودها في الواقع دون أن تجد لها حقيقة [21].

3- المقابلات الصحفية لرأس النظام: نظرا لاعتماد الحرب النفسية الموجهة بكافة أشكالها على مكانة الجهة وأهميتها (مؤسسة أو شخصا) التي تصدر عنها مضمون المادة، حرص الفريق الإعلامي للنظام على تأمين إطلالات إعلامية مستمرة لرأس النظام بشار الأسد من خلال اختراقه للإعلام العالمي عبر صحافيين وإعلاميين في وسائل إعلام كبرى  حتى بلغت أكثر من 72 مقابلة إعلامية، حتى إعداد هذه الدراسة منها 56 % لإعلام يتبع لأمريكا وأوربا الغربية، و44 % لإعلام صديق تحدث فيها بشار الأسد باللغة الانكليزية ليخاطب الجمهور الغربي مركزا خلال حديثه على أن الأزمة في سورية تُحَلُّ فقط بمكافحة الإرهاب[22]، وكان لمقابلاته أثرها في الرأي العام العربي والدولي وصل عند البعض إنكار الثورة وأن ما تشهده سورية إرهاب، خاصة أنه وصف السوريين اللاجئين إلى أوربا بالإرهابين لتخويف المجتمع الغربي منهم.

4- القيام بأعمال فنية دعائية لإيصال صوت النظام إلى العالم: في 2252015 عرض ما يسمى النادي السينمائي السوري في باريس فيلم (أمراء النحل) طائفي بامتياز وقدم رسائل ماكرة للجمهور السوري المصطنع في باريس والأوروبي الحقيقي.

وضم الفلم شهادات لأشخاص حجبت وجوههم قدموا أنفسهم أنهم من الطائفة العلوية وأنهم شاركوا في المظاهرات وأنهم من أبطال الثورة وخلا الفيلم من أي تعبير يشير إلى منهجية القتل تجاه السنة وتطرف بعض العلويين خاصة من رجال الجيش والأمن، وأوغل في تقديم شهادات تصور العلويين على أنهم التحقوا بالثورة منذ اللحظة الأولى. وأن المعارضة السورية لم تقدم تطمينات حقيقية وأن //نضال جنود//الذي قتل في بانياس 2011م كان مواطناً بسيطا ويعمل في نقل الخضار وأن قتله على أيدي المسلحين والتكفيريين كان لأنه علوي مناقضين الشهادات التي اعترف بها والهوية التي كان يحملها وتظهر أنه متطوع في جيش النظام.

وينطبق الأمر نفسه على الفيلم الوثائقي "Inside Assad's Syria" الذي بثته قناة "PBS" الأميركية في تشرين الأول من العام 2015م   الذي أعده وأنتجه الصحافي الأميركي مارتن سميث الذي استقبله النظام السوري بهدف الترويج للرؤية الأمريكية للحل السياسي الذي يضمن الحفاظ على هيكلية الدولة دون الحديث عن دور الأسد[23].

5– محاولته إثارة القلاقل والاضطرابات بين اللاجئين السوريين في تركيا والمجتمع التركي بسبب استقبال تركيا للاجئين السوريين ودعمها لثورتهم: 

حيث تصدّر هاشتاغ “SuriyelilerEvineDönsün”، أطلقه مواطنون أتراك على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” عالميًا، ويدعو إلى طرد اللاجئين السوريين من الأراضي التركية، وترحيلهم بالتزامن مع تحضير الجيش التركي بالتعاون مع الجيش السوري الحر لعملية عسكرية للسيطرة على عفرين، واغتصاب إمرأة سورية وقتلها مع طفلها في صقاريا من قبل اثنين من المواطنين الأتراك، أدانت العملية كافة مؤسسات الدولة التركية وكبار الشخصيات السياسية فيها واكتفى التحقيق بالإعلان عن الحرفين الأوليين من اسمي المتورطين ليدل كل ذلك على أن النظام السوري ومن خلال حزب العمال الكردستاني هو وراء ذلك.

 وليس أدل على ذلك ما بثّته قناة الإخبارية السورية الموالية للنظام من تصوير اللاجئين المقيمين في حي "أولوباي" الكائن في منطقة "ألطين داغ" في مدينة أنقرة بكاميرا عليها شعار قناة إن بي سي اللبنانية، دون الحصول على إذنٍ رسمي، بأنّ السوريين يعيشون في ظروف سيئة داخل تركيا، ما هو إلا افتراءات كاذبة ومزيفة، وأنّ اللاجئين في الحي لا يقيمون في المخيمات كما زعمت القناة الموالية للنظام السوري.[24]

لم تدع الماكينة الاعلامية للنظام بمختلف أنواعها فرصة تفوتها لخلق الصورة الذهنية التي تريدها تجاه القضية في عقول الجمهور في معركتها لكسب الشرعية لدى الرأي العام والتأثير فيه، فقد عمل على استثمار  شعبية مسلسل باب الحارة وسخر كافة الأعمال الدرامية كبقعة ضوء ومسلسل بانتظار الياسمين. لتوجيه رسائل مبطنة تؤيد روايته في وجه الثورة وتلمع صورته رغم ما ارتكبه من فظاعات في حق جميع السوريين.

 رابعا: الضغط الإعلامي الروسي

برعت روسيا بكافة صور وأساليب الحرب النفسية منذ الحقبة السوفياتية وسبق بدأها بحملة جوية في 30 أيلول 2015م لمساندة حليفها النظام السوري الذي يواجه ثورة شعبية تطالب بإسقاطه.

وسبقت حملتها باستعراض كبير للقوة العسكرية التي تمتلكها والأسلحة المتطورة التي جلبتها إلى سورية[25]، مدعية مع بدأ الحملة محاربة الإرهاب وعدم الاعتراف بالمعارضة المعتدلة وتبني رواية الإعلام الرسمي حول ما تشهده سورية من أحداث، محاولة نسف المرجعية الأساسية للثورة السورية الممثلة بالجيش السوري الحر بتساؤل وزير خارجية روسيا على سبيل الاستهزاء أين هو الجيش الحر؟

 وتلا ذلك استخدامها المنظم كافة أشكال الحرب النفسية من نشر للشائعات لإضعاف الروح المعنوية، والتهديد باستخدام القوة، وبث الذعر والضغط النفسي، واستخدام الكلمة المسموعة والمقروءة (المناشير الورقية) لتحقيق التشتت والفرقة وزعزعة الثقة بالهدف المنشود، وعندما عجزت عن تحقيق ما تصبو إليه في القضاء على الثورة نقلت محاولاتها تفتيت صفوف الثورة من المستوى المحلي والعسكري إلى المستوى السياسي مستغلة في سبيل ذلك مجموعة من الأحداث:

 

 

1- تصنيف الفصائل:

تقدمت روسيا بطلب رسمي من ديمستورا أن تعمل الأمم المتحدة على تصنيف الفصائل تحت عنوان "معارضة مسلحة معتدلة" وتحت عنوان "مجموعات إرهابية".[26] لتهدف من وراء ذلك تصفية الثورة ضمن بنك أهداف يضع الفصائل بالتدريج لتصفيتها ولزرع أسباب النزاع ومظاهره بينها (المعتدلة) وبين فصائل ثورية ذات توجه إسلامي (أحرار الشام – جيش الإسلام) وتراشق الاتهامات فيما بينها وتحميلها مسؤولية تعطيل الحل السياسي. والتركيز مجددا على التعامل مع “الجيش الحر” ودعمه بالسلاح، ليس لإعادة الاعتبار إليه بل ليستخدم عنوانه من أجل التوصل لصيغة ما لتجميع عدد من الفصائل العاملة على الأرض لدمجها أفرادا وقيادات في “كيان عسكري ما” تحت راية النظام وما أنشأه الإيرانيون من ميليشيات.

2- ضرب مصداقية ممثلي الجيش الحر في المحادثات السياسية:

توصلت الفصائل إلى توقيع اتفاقية في 29 كانون الأول من العام 2016م لوقف إطلاق النار بضمانة روسية تركية إلا أن الفصائل التي وقعت الاتفاق أعلنت في 31 كانون الأول في بيان لها أن “نسخة الاتفاق التي وقعت عليها، تختلف عن النسخة التي وقع عليها النظام السوري،

وتحتوي النسخة التي وقع عليها النظام عدة نقاط غير قابلة للتفاوض وقالت فيه إنها وقعت الاتفاقية مع الحكومة الروسية[27]، على أن يوقع النظام السوري على وثيقة مماثلة لكنها تفاجأت بتصريحات متتالية من مسؤولين روس تحمل في طياتها التدليس و تفسر الاتفاق مناقضًا لما تم الاتفاق عليه.

وذلك لتظهر عدم كفاءة وفد المعارضة في المعركة السياسية وخلخلة صفوف مؤيديه مستفيدة في ذلك من أحداث عدة تناقلها الوسط الثوري منها ما إذا كان الوفد المفاوض في أنقرة تجاوز الهيئة العليا للمفاوضات أم لا؟ وإشاعات دارت حول شخصية المتحدث باسم وفد الفصائل أسامة أبو زيد...ناهيك عن تجديد طرحها بضرورة فصل المجموعات المشاركة في المؤتمر عن جبهة "النصرة"، وتزويدها بالخرائط، والبحث في مستقبل تلك المجموعات وإمكانية حلها ومشاركتها في القتال ضد التنظيمات الارهابيّة.

3- محاولاتها التواصل مع قادة فصائل في الجيش الحر لتشكيل صحوات لها على غرار صحوات العراق

عملت روسيا من خلال القاعدة العسكرية في مطار حميميم العسكري على التواصل مع فصائل مسلحة وقوى مدنية معارضة مستغلين الحالة الإنسانية الكارثية التي تعيشها هذه المناطق حيث أخذ هذا التخابر عبر وسطاء في بادئ الأمر طابع السرية، غير أن  تداعيات التخابر بدأت تؤتي ثمارها على أرض الواقع من خلال الهدوء المريب لجبهات القتال وإدخال المساعدات بشكل مفاجئ وبشكل يدعو للشك، وهو ما أثار التساؤلات عن حقيقة ما يجري، ومحاولة تفرد بعض القادة المتخابرين مع الروس بقرارات ومصير تلك المناطق[28]،

 وسعي الروس لتوسيع دائرة التخابر لتشمل قادة آخرين لم يرتضوا أن يكونوا عملاء لقتلة الشعب السوري أثبتت صحة توجه هذا النوع من التخابر، وتعمل روسيا من خلال هذا النوع من التخابر على إيهام قادة التشكيلات الذي يتخابرون معها على أنها تتعاطف مع المناطق المحررة، وتسعى للوصول إلى حل سياسي،

 وتقدم روسيا نفسها على أنها تقوم بالضغوط على النظام لإجباره على الحل السياسي وعند فشلها في تحقيق مرادها بدأت تشيع أن هناك فصائل تتواصل معها ليست على علاقة مع الفصائل المتشددة (جبهة النصرة) تتواصل معها بهدف زرع الاقتتال والفتنة بينها، بالإضافة إلى ذلك محاولتها توليد منصات متعددة للمعارضة ( منصة القاهرة – منصة حميميم – منصة موسكو ) لتشتيت وتفتيت قوى الثورة الحقيقية.

خامسا: توصيات ونتائج

1- يعمل إعلام النظام رغم مرور سبع سنوات على الثورة السورية بكل جهد لفبركة الأحداث والمعلومات وتشويه أهداف الثورة بدعايات مبرمجة أو بحملات التضليل والتزوير وما قصة الطفل عمران عنا ببعيدة فما إن شوهت حقيقتها شركة زين للاتصالات بـأن الطفل هو ضحية المجموعات الإرهابية حتى وجد إعلام النظام الفرصة سانحة لدعاية مجانية له بتصويره للطفل وأهله وهو يعيش في كنف الدولة السورية.

2- يعكس دخول الثورة مرحلة العمل العسكري وامتناع المجتمع الدولي من مناصرتها مقدار القوة والصلابة في الإرادة لدى الشعب السوري، ودفعته إلى سياسة الاعتماد الكامل على قدراته الذاتية رغم محاولة النظام وحلفائه زرع اليأس فيه من خلال إطالة اللااستقرار بكل ما تحتويه (فوضى- مخيمات – تشريد).

3- لم يستطع الإعلام الثوري الرسمي أن يقرأ بشكل صحيح طبيعة المجتمعات الغربية التي تؤثر في صناع السياسيات ولا فتح خطوط التواصل مع هيئات الاعلام الدولية الفاعلة وصناع القرار من السياسيين كما فعل إعلام النظام لهذا لابد من ضرورة وضع خطة استراتيجية وفق مراحل زمنية دقيقة. ويضع نصب عينيه النهوض بالمجتمع المحلي فكرياً وسياسياً وثقافيا واجتماعياً ودينياً ليستطيع التأثير في الرأي العام الدولي.

 

خلاصة :

تعتبر الحرب الدائرة في سورية حرباً دعائية نفسية لكسب الرأي العام أجادها النظام واتخذ فيها من التضليل والتزوير أحد ثوابت منهجه في العمل قبل الثورة ورافقها خلال مراحلها كافة، في المقابل بقي الإعلام الثوري رغم أخلاقيته وموضوعيته ومحاولته تقديم خطاب إعلامي مناهض لإعلام النظام، إعلاما إخباريا عجز حتى الآن عن انتاج فيلم يصور المأساة السورية، واقعا في كثير من الإخفاقات منها عدم العمل على تأطير الإعلامي الثوري في إطار واحد أو الاتفاق على أهمّ الأسس والمعايير ومصطلحات الخطاب كنواة لعمل إعلامي مركزي موحد، وانسحبت الآثار السلبية لحالة التشتت والفرقة لأطياف المعارضة على الملف الإعلامي، وتحولت النشاطات الإعلامية إلى الدعاية لذلك الفصيل أو ذاك وفقا لأيديولوجيته ومصدر دعمه، وتغليب الخطاب الفئوي على الخطاب الوطني الجامع وغياب كامل للأعمال الإعلامية الأخرى كالدراما وترك ساحتها للنظام الذي استغلّها للتدليل على مصداقية “روايته” الإعلامية التي تبناها منذ البداية ليثبت أن الخيل في المضمار وحيداً يفوز بكل سباق.

 


 

المصادر:

[1] العصر – التوظيف الإعلامي والدعاية الموجهة – محمد بن جماعة - http://alasr.ws/articles/view/5086#

[2] العربي الجديد – الثورة السورية والاصطفافات – هاني أحمد           https://goo.gl/mTA33L

[3] القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية – تأليف جوزيف س. ناي – ترجمة محمد توفيق البجيرمي https://archive.org/details/Ahmedaspire2014_gmail_Pdf

[4] أورينت نت - الكلمة والصورة في الحرب النفسية على الثورة السورية – سامر السيد علي       http://www.orient-news.net/ar/news_show/2086 

[5] المجلة – الثورة السورية ...الإعلام سلاح الاعتدال والممانعة https://www.google.com.lb/?hl=ar&gws_rd=cr&ei=EwQHVZaJL8uvU-L0gKgB

[6]  مركز كارينغي للشرق الأوسط – أفول نجم الثوار في الغوطة الشرقية – آرون لوند http://carnegie-mec.org/diwan/68034

[7] عنب بلدي – ثلاث زيارات للجنة النظام إلى دوما وصكوك استسلام بالروسية https://www.enabbaladi.net/archives/109737

[8] الجزيرة نت – ماذا يُعد النظام لغوطة دمشق الشرقية    https://goo.gl/DqLc9M

[9] أشكرة – يمان خليل – على نهج داعش والأسد (PYD) يحاصر ريف إدلب الشمالي http://ashkarah.com/ar/news/show/20798/page.html

[10] الأخبار – وسام كنعان - روان قداح الطفلة التي اغتصبت مرتين http://www.al-akhbar.com/node/191959

 

[11] الدرر الشامية – كيف يقوم نظام الأسد بتشويه صورة جيش الاسلام http://eldorar.com/node/69093

[12] المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام - درعا حكاية ثورة من السلمية إلى الواقع الحالي – قسم الرصد والمتابعة https://goo.gl/BGkEmL

[13] كلنا شركاء – إياس العمر – اختطاف متبادل بين درعا والسويداء    http://www.all4syria.info/Archive/366524       

[14] الجزيرة – برنامج الاتجاه المعاكس – هل يحاول نظام الأسد زرع الفتنة بين الدروز؟     https://go.gl/9jip1A

[15] السورية نت - نظام الأسد يجند عملاء له بغوطة دمشق لنشر الحشيش وممارسة القتل  https://goo.gl/hynjBE

[16] زمان الوصل – تنشر اعترافات خلية للنظام في الوعر -           https://www.zamanalwsl.net/news/61847.html

[17] معابر - تزييفُ الوعي وتطييفُ التاريخ في سياقات الثورة السوري- باسيليوس زينو http://www.maaber.org/issue_february13/lookout1.htm  

[18] زمان الوصل - عَلْوَنة الإعلام السوري.. حقيقة أم وهم؟ - خطيب بدلة - https://www.zamanalwsl.net/news/41762.html

 

[19] زمان الوصل – الإعلام الفاجر ... سورية مثال -د. عوض السليمان  http://zamanalwsl.net/readNews.php?id=19585

[20] أكبر فضيحة لوزير الخارجية السوري وليد المعلم https://www.youtube.com/watch?v=phzAX08BXTk

[21] الشرق الأوسط – سقوط كذبة ...جهاد النكاح – ديانا مقلد  https://goo.gl/rvc8pE

[22] العروبة – العدد 41801 - المقابلات الصحفية للرئيس الأسد خلال الأزمة – يحيى مدلج http://ouruba.alwehda.gov.sy/node/257691

[23] المدن – إعلام أمريكي برعاية النظام في سورية الأسد – وليد بركسيه https://goo.gl/pzaVr5

[24] الأناضول – لاجئون يفضحون تحريف " الاخبارية السورية" لأوضاعهم في تركيا  https://goo.gl/HojKBV

[25] المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام – أسس الدعاية الروسية في الحرب على سورية – يحيى حاج نعسان – رشيد حوراني

http://www.syriainside.com/file/97461148156327205348.pdf

[26] مداد القلم – بدأ تصنيف الفصائل لتصفية الثورة – نبيل شبيب https://goo.gl/4drvCT

[27] عنب بلدي – اتفاق وقف إطلاق النار...نسخ مختلفة وتهديدات بإلغائه https://www.enabbaladi.net/archives/122623

[28] الجزيرة – برنامج للقصة بقية – روسيا وثوار سوريا – الاتصالات الخفية https://www.youtube.com/watch?v=HwBR4RW9yrg

 

____________________________________________________________________

(للاطلاع على الدراسة كملف pdf يُرجى تحميل الملف المُرفق أعلى الصفحة)

---------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2017

تصويت

هل أعجبك الموقع؟

القائمة البريدية


2015 © جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام, تنفيذ وتطوير شركة SkyIn