اتفاقية أستانا لخفض التصعيد في سورية.. بين الواقع والممكن

Google Plus Share
Facebook Share

 الكاتب: د. محمد خير الوزير

تاريخ النشر: 2017/07/17

 

مقدمة:

رغم إبداء روسيا التزامها هذه المرة وحتى الآن بإعلانها وقف عملياتها الجوية في المناطق الأربعة المتفق عليها في" اتفاقية خفض التصعيد بسورية" ومن ورائها "النظام السوري" وإن بشكل متفاوت بين المناطق المشمولة بالاتفاق وهي:

 1- كامل محافظة إدلب، وأجزاء من محافظات اللاذقية وحماة وحلب -2- أجزاء من ريف محافظة حمص الشمالي -3- الغوطة الشرقية -4- أجزاء من محافظتي درعا والقنيطرة، إلا أنّ الاجتماع الثلاثي للدول الضامنة للاتفاق ( روسيا – تركيا – إيران) مع المعارضة المسلحة التي حضرت اجتماع أستانا5 في 4و5 من شهر تموز الجاري بوفد مصغر أعطى انطباعا سلبيا لناحية القدرة على مواصلة تطبيق الاتفاق وإنجاحه ضمن المناطق المذكورة. [1]

 وكانت الدول الثلاث ( روسيا- تركيا- إيران) الضامنة قد توصلت في مؤتمر "أستانا4" في كازاخستان إلى عقد اتفاق تحت مسمى "مناطق خفض التصعيد في سورية" في الرابع من أيار 2017 رغم عدم توقيع فصائل "الثورة والمعارضة" و"النظام السوري" عليها.

وتشير الوقائع إلى أنّ هذه الاتفاقية أكثر جدية وصمودا حتى الآن رغم الخروقات المتعددة وخاصة من قبل النظام السوري وحليفه الإيراني من اتفاقية وقف إطلاق النار التي تمّ التوقيع عليها في "أستانا" أيضا ولكن في النسخة الثانية منه وذلك في التاسع والعشرين من كانون الأول عام 2016. [2]

وبالعودة إلى الجولة الخامسة لمؤتمر "أستانا" فقد قال رئيس الوفد الروسي إلى المفاوضات، ألكسندر لافرينتييف: "إن اتفاق مناطق خفض التصعيد في سوريا يلاقي صعوبات بشأن الحدود والوثائق التي تحكم كيفية إنشاء قوات مراقبة وقواعد استخدام الأسلحة".

ومما يهدد مجمل مسار أستانا بعدم النجاح أيضا هو رفض طرف رئيس من أطراف الأزمة، وهو المعارضة المسلحة، للدور الإيراني كضامن للاتفاق ويضاف إلى ذلك اتهامات رئيس وفد النظام السوري بشار الجعفري تركيا بعرقلة الموافقة على وثائق تهدف إلى تطبيق خطة مناطق عدم التصعيد. [3]

 

أولا– صعوبات تعترض تطبيق الاتفاق على أرض الواقع (الميدان)

رغم إبداء روسيا موقفا جادا في دعم تنفيذ الاتفاق المذكور على الأرض بإعلانها وقف عملياتها الجوية في المناطق الأربعة المتفق عليها هذه المرة، إلا أن النظام السوري وحليفه الإيراني لم يلتزما فعليا بالاتفاق وخاصة فيما يتعلق بالمنطقة الجنوبية (درعا- القنيطرة) ومنطقة الغوطة الشرقية المحاصرة حيث شن حملة عسكرية شرسة متزامنة على المنطقتين المذكورتين وبالأخص المنطقة الجنوبية طيلة الفترة التي تلت توقيع الاتفاق في أستانا4 وحتى الاجتماع الثلاثي للدول الضامنة في الجولة الخامسة لمؤتمر "أستانا" قبل أيام.

وأضعف هذا الأمر موقف وفد المعارضة المسلحة من جهة أمام حاضنته الشعبية وأمام الفصائل العسكرية الممثل لها كما أضعف أيضا موقف تركيا كضامن للاتفاق أمام وفد المعارضة المسلحة نفسها التي تثق بالجانب التركي وقبلت بالمشاركة بمفاوضات أستانا بضغط منه، ويضاف إلى ذلك تعزز القناعة لدى وفد المعارضة المسلحة بعدم الموثوقية بالجانب الإيراني كطرف ثالث ضامن للاتفاق وذلك لمشاركتها النظام بمختلف الميليشيات التابعة لها على الأرض في حملاته العسكرية على كل من درعا والغوطة الشرقية بعيد إعلان الاتفاق.

وبالمقابل فإنّ عدم شمول اتفاق تخفيض التصعيد لهيئة تحرير الشام، (تحالف فصائل إسلامية مع جبهة النصرة سابقا)، واعتبارها منظمة إرهابية رغم فك ارتباط "جبهة النصرة" أحد مكوناتها الرئيسة بالقاعدة، يبقى حجرة عثرة في وجه تطبيق الاتفاق لناحيتين:

 

الأولى: عدم قدرة وفد المعارضة المسلحة وتركيا الضامن للاتفاق أمامها على حل معضلة وجود هيئة تحرير الشام ومن ضمنها جبهة فتح الشام (النصرة سابقا) خارج الاتفاق حتى الساعة وبالتالي ازدياد فرص الاقتتال الحتمي بينها وبين وفد فصائل المعارضة المسلحة التي لا تلمح جدية أيضا من طرف النظام السوري وإيران بالالتزام ببنود الاتفاق .

الثانية: إيجاد المبرر الدائم وخاصة من ناحية النظام السوري وحليفته إيران بخرق اتفاقية تخفيض التصعيد في المناطق المذكورة بحجة وجود هيئة تحرير الشام فيها، ما يجعل وفد المعارضة المسلحة وفصائله الممثلة له بين فكي كماشة، وهما رفض هيئة تحرير الشام الخروج من مناطق خفض التصعيد أو حل نفسها وبالتالي الاقتتال الحتمي معها، إضافة إلى ضربها من قبل قوات النظام وحليفته إيران وحتى روسيا نفسها بحجة قتال الإرهاب المتمثل بهيئة تحرير الشام.

ويضاف إلى كل هذه العوائق الميدانية التي تقف في وجه نجاح اتفاقية مناطق خفض التصعيد "العائق السياسي" المتمثل بتعثر إجراءات الحل السياسي في جنيف ومراوحتها في المكان والمبنية على أساس القرار الأممي 2254 الصادر في 18 كانون الأول 2015 المتضمن إنشاء هيئة حكم انتقالي كامل الصلاحيات وهو المطلب الذي تتمسك به قوى الثورة والمعارضة السياسية، في حين يركز وفد النظام السوري ويُصر على البند المتعلق بمحاربة الإرهاب كأولوية دون غيره.

 

ثانيا- آفاق محتملة لاتفاقية خفض التصعيد في ظل الواقع

توصلت الولايات المتحدة وروسيا والأردن إلى اتفاق لوقف إطلاق النار جنوب غرب سوريا بداية من 9 تموز، الأحد (درعا- القنيطرة)، وذلك بعد أول اجتماع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة مجموعة الدول العشرين في مدينة هامبورغ الألمانية.

وقد ذكر وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون إن ترامب وبوتين توصلا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين قوات "الرئيس السوري بشار الأسد" والمعارضة في جنوب غرب سوريا، وهو ما أكده وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي أشار إلى أن وقف إطلاق النار سيدخل حيز التنفيذ، ظهر الأحد، في درعا والقنيطرة والسويداء. [4]

 

وفي هذا السياق أكد نشطاء محليون أنّ هدوءا نسبيا قد ساد المنطقة الجنوبية بعيد الاتفاق الروسي الأميركي المذكور .

ويأتي هذا الكلام ليؤكد من جديد ومن خلال سنوات الثورة الطوال وما رافقها من تدخلات خارجية إقليمية ودولية وانتشار للإرهاب والتطرف من قبل جميع أطراف النزاع في أو على سورية، أنّه لا يمكن نضوج أي حل دون رعاية وجدية من الدولتين المحوريتين في العالم، وهما الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وبدرجة أكبر الولايات المتحدة طبعا لأنها عندما تكون جدية في الطرح فإن الروس يستجيبون في النهاية.

وبعبارة أكثر دقة فإن روسيا منفردة دون أميركا وفي حال افترضنا أنها جادة بالوصول إلى حل سياسي في سورية وإرساء قواعد السلام بين جميع مكونات الشعب السوري، فقد أثبتت أنها لا تستطيع أن تضغط على حلفائها (النظام السوري – الإيرانيين) بالشكل المطلوب، وهو ما يجعل الأخيرين في حالة تمرد تام على كل القرارات والقوانين الدولية المتعلقة بالقضية السورية متكلين على الدعم الروسي في الحماية الدولية، وحجة "محاربة الإرهاب" لإجهاض حلم الشعب السوري في تحقيق العدل والحرية والديمقراطية.

 

وبالمقابل فقد أثبت التجربة أيضا أن تركيا كإحدى الدول الضامنة لاتفاق خفض التصعيد في سورية ومن ورائها دول أخرى داعمة لقضية الشعب السوري في مواجهة النظام وحلفائه وآلتهما العسكرية، لم يتمكنوا إلى الآن من ضبط شتات قوى الثورة والمعارضة بقواها المختلفة والمتناحرة في كثير من الأحيان فيما بينها وتوحيدها في جبهة واحدة وذلك يعود لكثير من الأسباب ليس هذا مقام ذكرها.

وبالتالي فإن تركيا - ومن ورائها الدول الداعمة لقوى الثورة والمعارضة المتنوعة أيضا- تحتاج إلى وجود الولايات المتحدة إلى جانبها كمساند عند ضمانها لأي اتفاق كي لا تترك وحدها في الميدان في مقابل داعمي النظام الروس والإيرانيين، وهو ما يعطيها ثقة مضاعفة بلعب دور أكبر في تمكين الاستقرار في سورية ووقف الحرب.

 

وبناء على ما تقدّم فإن جميع المعطيات تشير إلى أن كلمة السر في نجاح أي اتفاق في سورية سياسي أو ميداني وحتى إنساني توجد لدى اللاعب الأميركي وفي حال كان هذا اللاعب جادا في تحقيق السلام في سورية فإنه يستطيع ذلك إلى جانب روسيا طبعا ثمّ يمكن للدول الإقليمية الأخرى أن تساهم بإنجاح ما سيتم التوافق عليه بين كلا اللاعبين الروسي والأميركي.

أما في حال عدم جدية اللاعب الأميركي في إرساء حل سياسي أو عسكري يسهم بإقامة السلام في سورية فإن اتفاقية "خفض التصعيد" أو غيرها لن يكتب لها النجاح إلا بشكل محدود قد يؤدي في نهاية المطاف الى التقسيم الذي حرصت الاتفاقية ( خفض التصعيد) في مقدمتها على نفيه ومنعه.

 ولكن الواقع الميداني سيفرض ذاته بعكس ذلك، فالدول الداعمة لكلا طرفي ما أصبح يسمى صراعا في أو على سورية لديها القدرة دون أميركا على إدامة الحرب وتحقيق معادلة اللامنتصر فيها وبالتالي إطالة أمد الأزمة وإطالة المعاناة، ولكن هذه الدول منفردة ودون وجود جدي وحقيقي لأميركا لا تستطيع التوصل إلى حل سياسي أو عسكري يُرسي قواعد السلام الحقيقي في سورية والمنطقة.

 

خلاصة:

يمكن القول أن اللاعب الأميركي قد بدأ يدخل بشكل أكبر على مسار أستانا أو ما يسمى اصطلاحا المسار العسكري للمسألة السورية وهو بذلك يمكن أن يشكل ضغطا حقيقيا على جميع الأطراف للالتزام بخفض مفاعيل الأزمة والصراع الدموي في البلاد، إلا أن ذلك لن يؤدي إلى حلّ شامل للمسألة السورية دون قيام الجانب الأميركي بالضغط على جميع الأطراف لتسريع العمل في مسار جنيف أو ما يسمى اصطلاحا أيضا المسار السياسي للمسألة السورية وذلك لتحقيق انتقال سياسي وعدالة انتقالية تضمن للسوريين كلّ السوريين حقوقهم الأساسية وفي مقدمتها حق الحياة والعدالة والمشاركة السياسية في إدارة البلاد.

وبالتالي يمكن النظر إلى" اتفاقية خفض التصعيد" على أنها جزء مهم من عملية الوصول إلى حل شامل في سورية وستكون له آثار إيجابية بالطبع لناحية وقف أو لنقل تخفيف حدة العنف وإراقة الدماء السورية على المدى القريب، ولكن قد يكون له نتائج كارثية على المدى البعيد أبرزها تقسيم سورية إلى مناطق نفوذ بين الدول في حال لم يترافق مسار خفض التصعيد العسكري مع مسار الحل السياسي الشامل للمسألة السورية الذي يراوح بالمكان ضمن مسلسل جنيف غير المنتهي الأمر الذي يطيل معاناة السوريين وعذاباتهم.


 

 المصادر:

 

 [1] - روسيا تعلن توقفها عن قصف "مناطق تخفيف التصعيد"- فرانس24- 05/05/2017  https://goo.gl/3xxdoh

[2] - أين ستكون مناطق تخفيف التصعيد وكيف سيتم تطبيقها- فرانس 24 – 05/05/2017 https://goo.gl/D4kTZu

[3] - أستانا5 ينتهي بلا نتائج جراء اختلاف بين الدول الضامنة- راديو ألوان-06/07/2017  https://goo.gl/SnMKrB

[4] - ترامب وبوتين يتفقان على دعم وقف إطلاق النار جنوب غرب سوريا.. وتيلرسون: الأسد سيرحل- سي ان ان عربي -  07/07/2017 https://goo.gl/ZdGzDM

  

____________________________________________________________________

(للاطلاع على الورقة كملف pdf يُرجى تحميل الملف المُرفق أعلى الصفحة)

---------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2017

 

 

تصويت

هل أعجبك الموقع؟

القائمة البريدية


2015 © جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام, تنفيذ وتطوير شركة SkyIn