الغوطة الشرقية: عوامل القوة ونقاط الضعف والتهديدات المحيطة

Google Plus Share
Facebook Share

الكاتب: رشيد حوراني

تاريخ النشر: 2018/01/03

 

 

تمهيد عام عن الغوطة الشرقية:

تعد الغوطة الشرقية نقطة ثقل هامة من الناحية العسكرية يعمل النظام منذ أكثر من ثلاث سنوات على كسر إرادتها وإعادة إحكام السيطرة عليها، وبعد أن أُعلنت منطقة الغوطة الشرقية من دوما إلى المليحة ومن جوبر وزملكا إلى العتيبة منطقة محررة من سيطرة النظام نهاية العام 2012م[1] فرضت عليها قواته والميليشيات المساندة لها حصارا عسكريا امتد على طول المحور بين مطاري دمشق الدولي والضمير العسكري، باعتبارها أحد أبرز معاقل الثوار الأفضل تحصّناً، حيث تمثل مساحتها الواسعة التهديد الخطير الوحيد لعاصمة النظام، واشتدت وطأة هذا الحصار  نهاية الثلث الأول من شهر تشرين الأول عام 2013 عندما أغلقَ النظام كلياً الطريقين المؤديين إلى الغوطة من دمشق، حيث يمر الأول من بلدة المليحة، والآخر من مخيم الوافدين ومنع الدخول والخروج بشكل شبه تام، ما فاقم من الوضع المعيشي لأكثر من مليون مواطن عند فرض الحصار ، الأمر الذي شكل ضغطا كبيرا على كتائب المعارضة التي ظلت تخسر منذ ذلك الحين قرية تلو أخرى.

 

 وأدى ذلك إلى انقطاع المنطقة تماماً عن العالم، وهو بذلك – أي النظام- يكون قد بدأ باستخدام سلاح دمار أشد فتكا وأقل تحدياً لهيبة أقوياء العالم "التجويع الشامل" ضد الغوطة الشرقية التي سبق أن استخدم السلاح الكيماوي ضد ساكنيها في أواخر آب من العام نفسه ما آثار تفاعلات دولية بلغت ذروتها عبر التهديد الأميركي بتوجيه ضربة للنظام، كما سبق له أن جوّع سكان المعضمية، ورأى العالم أطفالاً سوريين أشبه بهياكل عظمية يكسوها الجلد، ورجالاً و نساءً يموتون من الجوع والمرض ونقص الأدوية.

 

كما تعد الغوطة الشرقية أول بقعة تتحرر بالكامل من تنظيم الدولة واستشعرت فصائلها خطره فعملت على استئصاله في العام 2014م.

 

ولم يتوقف النظام وحلفاؤه خلال الأعوام الثلاثة الماضية عن محاولة اقتحام الغوطة الشرقية مستخدما في سبيل ذلك شتى أنواع الحرب العسكرية ومن محاور مختلفة (عربين – حزرما – دوما – زملكا) والبروباغندا الإعلامية وقد واجهتها فصائل الغوطة الشرقية ببيانات عبرت من خلالها عن رؤيتها حول مصطلح “المصالحة”، ورفضها لأي حديثٍ بهذا الخصوص[2].

 

وقد أدى عجز – النظام-  عن ترويج مصطلح "المصالحة" في الغوطة الشرقية إلى الانتقال إلى سيناريو أطلق عليه اسم "المصالحات الوطنية" في محيط العاصمة دمشق عامة لتأمينها بشكل كامل، وتطويق الغوطة خاصة بمدن بدأت بالمصالحات بشكل منفصل، من داريا إلى معضمية الشام ثم خان الشيح وزاكية وكناكر وقدسيا والهامة و في مدينة التل. ووادي بردى.

 

 وفي هذا الخصوص أشار محافظ ريف دمشق أثناء اجتماع للمصالحة الوطنية بحضور رئيس مركز المصالحة الروسي في سوريا، العماد إيغور ترتشينيوك، وعدد من الشخصيات العسكرية وأعضاء مجلس الشعب. أنه لن تبقى بعد تلك المصالحات سوى الغوطة الشرقية التي ستكون فيها نهاية “المصالحات” في ريف دمشق[3]، وتركيز جهده العسكري على جبهاتها.

 

ولهذا بدأ مطلع عام 2016م مدعوما بالروس والميليشيات الطائفية بشن هجوم واسع على أحياء برزة والقابون وتشرين ولم يشفع لها أن أبرمت هدنا مع النظام منذ العام 2014 بهدف تحييدها، ولم يكبحه سريان اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في 30/12/2016م ساعِياً من وراء ذلك إلى خنق الغوطة الشرقية الخاضعة لفصائل وقوى الثورة في محاولة لتركيعها على غرار ما حدث في شرقي حلب أواخر العام الماضي، أو عقد اتفاقات معها على غرار الاتفاقات التي تمت في ريف دمشق الغربي، وأفضت لتهجير جزئي أو كامل للسكان، وترحيل قوات المعارضة إلى الشمال السوري.[4]

 

وبناء على ما سبق تعالج هذه الدراسة الوضع العام في الغوطة الشرقية باعتبارها إحدى أهم المناطق الخاضعة لاتفاقية خفض التصعيد، وأبرز معاقل مقاتلي المعارضة في محيط العاصمة دمشق وميزان القوى شبه المتوازن مع النظام[5]، ومدى قدرة مكوناتها الثورية على تبديل الوضع القائم في ضوء عدم التزام النظام وحلفائه بالاتفاقية المذكورة وكسر ما يروج له من انتصار، فتتناول في قسمها الأول أساليب لجأت إليها قوات النظام وحلفاؤها في محاولاتهم المتكررة للسيطرة عليها، وتبين في قسمها الثاني عوامل القوة والضعف في مواجهة النظام، ويسلط القسم الثالث الضوء على المحاولات المحمومة لكل من روسيا وإيران لاخضاعها،ثم نفرد في قسمها الأخير السيناريوهات المتوقعة للمنطقة الأكثر تهديدا على النظام وبقائه.

 

القسم الأول: أساليب النظام في محاولات السيطرة على الغوطة الشرقية

اعتمد النظام من الناحية العسكرية مبدأ القضم البطيء للمناطق الصغيرة في الغوطة الشرقية والهامة عسكريا واستطاع منذ أكثر من عامين من خلال مجموعة هجمات عسكرية نفذها مترافقة مع القصف الجوي والمدفعي الكثيف السيطرة على الكثير  من المناطق والبلدات الاستراتيجية ( زبدين – دير العصافير – عدرا العمالية – عدرا البلد – حوش الفارة ) كانت خاضعة بأكملها لسيطرة المعارضة وقوى الثورة التي تنتشر حاليا في المناطق الممتدة من مزارع كفر بطنا إلى حدود مخيم الوافدين من الجهة الجنوبية، ومن حرستا باتجاه مزارع الشيفونية، ومن دوما باتجاه مزارع البحارية جنوب شرق دوما، وبالتالي تعتبر منطقة الغوطة الشرقية محاصرة بين نقاط وجود قوات النظام من جميع الاتجاهات، إلا أنه ركزّ منذ بدء العدوان العسكري الروسي على سورية في 30 أيلول 2015على حربين طاحنتين في محاولاته للسيطرة على الغوطة الشرقية هما:

 

أ – الحرب النفسية والشائعات والترويج لحملات عسكرية عبر الصفحات المؤيدة

شكلت الغوطة خلال السنوات الماضية، أخطر المناطق التي تُهدد النظام بمحيط دمشق، ففيها وعلى أطرافها، دارت أشرس المعارك بين قوات النظام وقوى الثورة والمعارضة. ونجحت المعارضة بإكمال السيطرة عليها، ولم يتوقف قصف النظام الجوي والمدفعي، على بلدات الغوطة الشرقية، وكذلك المحاولات شبه اليومية لقواته البرية التقدم على محاور القتال. لكن جهوده العسكرية لم تسمح له بالسيطرة عليها مما دفعه للجوء إلى حلول بديلة كإلقاء المناشير فوق المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة لزرع الخوف والحيرة في نفوس القاطنين (الصورة رقم 1) 

مترافقة مع التصعيد الميداني على الجبهات والعمل على تسخينها باتهامات لا وجود لها.

 

وظهر ذلك جليا فيما اتهمت به روسيا مقاتلي حي جوبر بقصف سفارتها في دمشق في تشرين الأول من العام 2016 م في وقت لم يُسجل فيه أي قصف للسفارة الروسية في دمشق كما لم يتبنّ أي فصيل هذا الهجوم، وهو ما اعتبره مراقبون أنه مؤشرات على استعدادات روسية لقصف الحي تمهيدا لتقدم قوات النظام خاصة أنه تزامن مع المفاوضات مع أهالي قدسيا والهامة وتجدد القصف عليهما للضغط وإخراج المقاتلين منهما[6].

 

كما بث تلفزيون النظام السوري في كانون الثاني من العام 2017م تقريراً عن اجتماع شارك فيه وجهاء من دوما، ومسؤولون حكوميون، ورجال دين سنّة، وضباط روس في دمشق ناشد فيه علاء ابراهيم محافظ دمشق الحاضرين إقناع }المتمردين{ في الغوطة الشرقية بـ "الإفادة من مرسوم العفو الرقم 15/2016، والمبادرة، بموجب ضمانات روسية، إلى إبعاد المسلحين الذين لا يرغبون في المصالحة"، وبالتالي "تحرير المدنيين في دوما"[7]،

وفي الحقيقة أن هذه المفاوضات كانت سرية تم الكشف عنها في السابع من تشرين الأول من العام 2016م تشكلت لجنتها من أشخاص من دوما مقيمون في دمشق رفض خلالها المجتمعون بهم من دوما ( رئيس مجلس الأمناء – رئيس المجلس المحلي في دوما) أي حديث أو هدنة عن دوما وحدها باعتبارها جزءً لا يتجزأ من الغوطة الشرقية، وخروج وفد لمفاوضة النظام في دمشق، بل طالبوا اللجنة المذكورة بإجراءات من قبل النظام تدل على حسن نيته[8]

 

 

وفي مطلع شباط من العام 2017م ، رفع الأسد وحلفاؤه الروس سقف الرهانات عبر الإعلان بأن معبر مخيم الوافدين على مقربة من دوما، سوف يُستخدَم بمثابة معبر للخروج الآمن للمدنيين والمسلحين بعد تسليم أسلحتهم، مع تحديد أوقات معينة لعمل المعبر، مبررة ذلك برغبة النظام و"مركز المصالحة الروسي" في مساعدة المدنيين الذين "يمنعهم مسلحو جبهة النصرة من المغادرة".تحت إشراف الروس بين 2 و13  شباط جوبهت بالرفض والسخرية من الأهالي في الغوطة  نظرا لعدم ثقتهم  في معابر النظام، حيث لم يتوجه إليها أحد لأنها لا تهدف إلا إلى تهجيرهم من أرضهم[9]

 

يمكن القول أن النظام وحليفه الروسي استخدما كافة صور وأساليب الحرب النفسية التي برع فيها الروس منذ الحقبة السوفياتية من نشرٍ للشائعات لإضعاف الروح المعنوية، والتهديد باستخدام القوة، وبث الذعر والضغط النفسي، واستخدام الكلمة المسموعة والمقروءة (المناشير الورقية) لتحقيق التشتت والفرقة وزعزعة الثقة بالهدف المنشود، وحاول في سبيل ذلك الاستثمار في الاقتتال البيني بين فصائل المعارضة في الغوطة الشرقية الذي لا يرد سببه إلى حربه المذكورة.

 

ب – التصعيد العسكري البري والجوي وتشديد الحصار

سبق التدخل العسكري الروسي استهداف قوات النظام لسوق شعبية وسط مدينة دوما بالصواريخ الفراغية أدى إلى مقتل نحو 100 شخصٍ، وإصابة أكثر من 300 آخرين بجروح[10]، عقب ذلك نجح أحد فصائل قوى الثورة والمعارضة (جيش الإسلام) في معركة "الله غالب" بالسيطرة على عشرات الثكنات والنقاط والحواجز العسكرية لقوات النظام، في المرتفعات الجبلية المُطلة على الغوطة من جهة القلمون الغربي.

 

ولكن في نهاية أيلول الذي شهد هذه المعارك، أخذ خطر المعارضة في محيط دمشق بالتراجع تدريجياً وذلك لبدء الغارات الروسية على مواقع المعارضة في سوريا، بالإضافة إلى نجاح النظام في بسط سيطرته على القطاع الجنوبي للغوطة الشرقية. ولم يتوقف قصفه الجوي والمدفعي على مدن وبلدات الغوطة الشرقية بعد ذلك (عربين، جوبر، دوما، زملكا، حرستا، عربين، سقبا، حمورية وحي جوبر) ولا المحاولات شبه اليومية لقواته البرية التقدم على محاور القتال هناك (حزرما، دوما، حوش نصري، دوما) وكل ذلك أدى إلى خسارة قوات الثورة المعارضة معظم بلدات منطقة المرج في الغوطة الشرقية رغم قرارات وقف إطلاق النار.

 

وتعيش جبهات الغوطة منذ شهور طويلة حالة من الكر والفر، وتطال يوميا عشرات الغارات جبهاتها وبلداتها، وحملات عسكرية عنيفة ومستمرة لم تتوانَ خلالها قوات النظام وحلفاؤها عن شن هجومها بالسلاح الكيماوي والأسلحة المحرمة دوليا، فأطلق الطيران الحربي الروسي 3 صواريخ محملة بالنابالم الحارق على الأبنية السكنية في مدينة دوما، أسفرت عن سقوط عدد من الجرحى واندلاع حرائق ضخمة في الأبنية السكنية[11]، كما استهدف بالصواريخ الفراغية مدينة حرستا في شباط من العام 2017م، وشنت قوات النظام هجوما بغاز الكلور على جبهة عربين أسفر عن إصابة مقاتلين من الجيش الحر في شباط 2016م، واستهدف بالغازات السامة مدينة حرستا في ريف دمشق الشرقيّ في تشرين الثاني 2015م، واستخدم الغازات السامة في سياق حملته العسكرية على حي جوبر في نيسان 2014م[12]. نجم عن كل ذلك مشكلات يمكن حصرها بمايلي:

 

1- عسكريا يحاصر الغوطة عدو واحد بشكل دائري ويقوم بنقل اتجاهات هجومه وفقاً للموقف المتشكل بما يخدم الفكرة العسكرية والحرب النفسية لديه، ويحاول استثمار نجاحاته في حال وجودها على المحاور وهو أمر يجعل من الدفاع الأساس في العمل العسكري دون إهمال أو غياب الأعمال الهجومية في بعض الأحيان تبعا للموقف المحتمل على الأرض.

 

2- القصف العشوائي اليومي، بالطيران الحربي أو براجمات الصواريخ أو بمدافع الهاون، أو برصاص القنص البعيد على بعض أطراف الغوطة، حيث لا يكاد يمر يوم دون أن يسقط قتيل في الغوطة بشكل عام وفي مدينة دوما بشكل خاص، وهو ما ولد لدى البعض إحساس بالضياع والتشتت زاد من حدته الاقتتال البيني بين الفصائل في العام 2016م.

 

3 -ارتفاع شامل لكافة أسعار السلع والمواد يزداد شدة مع كل حملة عسكرية أو تصعيد يقوم به النظام على جبهات الغوطة حيث يسمح بإدخالها قبل ذلك بطرق عدة من مناطقه، بالإضافة إلى إغلاقه للأنفاق ومنعه ما كان يدخله التجار الكبار، وانخفاض حاد لسعر الليرة، وتدني دخول العاملين فيها، وهو ما جعل الحصار أقسى الأسلحة التي استخدمها الأسد وأكثرها تأثيرا في تحقيق مآربه العسكرية والسياسية بسبب مفرزاته الإنسانية على الأطفال والنساء والشيوخ.

يضاف إلى ما سبق لجوء النظام في محاولاته الأخيرة للسيطرة على أحياء برزة والقابون وتشرين إلى تحريض المدنيين لمنع فصائل المعارضة من إعادة التمركز والتصعيد ضد النظام بعد تهديدات قوات النظام بقصف المنطقة[13]. وبذلك يكون النظام قد تمكن من توظيف الكتلة البشرية المُنهكة في تلك المناطق جراء الحصار والقصف إلى جدار صد أول أمام أي تحرك ضده تقوده المعارضة.

 

القسم الثاني: عوامل القوة والضعف في مواجهة النظام

تتعرض الغوطة الشرقية إلى تصعيد عسكري غير مسبوق من قبل الطيران الروسي والميليشيات الإيرانية منذ بدء العدوان الروسي يزداد شدة مع أي تحرك تقوده المعارضة.

 

وما إن انطلقت معركة "يا عباد الله اثبتوا" شنت قوات النظام و حلفاؤها حملة شاملة استهدف خلالها الأحياء السكنية والتجمعات السكانية والمرافق الحيوية والجبهات وخطوط التماس؛ لعجزها عن إحداث أيّ خرق على جبهات قوى الثورة والمعارضة"، وهو ما يُشير  إلى شبه توازن في ميزان القوى في الغوطة الشرقية، وقدرة قواتها على تنفيذ الخطط العسكرية المتباينة والمتناغمة وفقا لاتجاه الهجوم وللموقف العام والتبدلات الطارئة على أرض المعركة

 

ورغم امتلاك النظام وحلفائه السلاح النوعي والطيران، واعتياد مقاتلي الغوطة وأهلها على المعارك المستمرة، لا بد من تحديد نقاط القوة ونقاط الضعف (الإيجابيات والسلبيات) وتحديد الإيجابيات والسلبيات الموجودة (الفرص والتهديدات) لدورها إذا ما تم إدراكها بشكل كامل في الكشف عن قوى إيجابيّة يمكن توظيفها لتعمل مجتمعةً وعن مشكلات محتملة يجب التعامل معها أو إدراك وجودها وصولا إلى التخطيط الاستراتيجي واتخاذ القرارات.

 

 

 

 

القسم الثالث: الدور الإيراني والروسي في الضغط العسكري

يعتبر ما قاله قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري بأن "النظام السوري يشكل الخط الأول في جبهة المقاومة الإسلامية في المنطقة، ويسير في طريق الثورة الإسلامية الإيرانية" واحداً من تصريحات كثيرة صدرت من إيران تدلل على الأهمية الاستراتيجية المطلقة لسوريا بالنسبة لها [25]وخططها التوسعية فما تقوم به ميليشياتها من تهجير قسري يتبعه التغيير الديموغرافي لسكان المناطق المفيدة وخاصة المحيطة بدمشق، وإحلال عائلات مقاتلي تلك الميليشيات بديلا عنها يعتبر دليلاً واضحا على أهدافها التوسعية في المنطقة، لأنه بمجرد سيطرتها على دمشق يكون قد اكتمل الهلال الشيعي، من بغداد مرورًا بدمشق إلى بيروت، ما سيسهل لها السيطرة على منطقة الخليج فيما بعد،

 

 

ولكن يبدو أنها تسعى في حال فشلت في تحقيق ذلك والحفاظ على نظام ضعيف فتح الباب لها على مصراعيه إلى الخطة البديلة التي تتمثل في التدمير الشامل للدولة المركزية ومقدراتها لا سيما في المدينتين الأكبر "دمشق وحلب" اعتقادا منها أن ضعف سورية الدولة في المرحلة المقبلة سيعني عجزا في التأثير في المحيط لاسيما "لبنان والعراق" لأنها تدرك ما لسورية القوية من تأثير كبير في جوارها العربي[26].

 

أما بوتين فقد حاول منذ خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2015م تشكيل ”ائتلاف موسع“ لمحارية تنظيم الدولة (ISIS) لإنهاء عزلته الدولية التي أعقبت ضم شبه جزيرة القرم وأن تكسب روسيا الشرعية من خلال إعادة توجيه انتباه العالم نحو ما وصفه "القتال ضد العدو الأكبر أهم من الخلاف مع الغرب حول أوكرانيا" وتعزيز دعمه المحلي عبر جمع شعبه حول رأيه في مواجهة العدو الخارجي المتصور. في خطوة مماثلة لما اتبعه في أوكرانيا وأجزاء أخرى من الاتحاد السوفيتي السابق عندما ادعى الحاجة إلى حماية الأقليات الروسية. 

 

وأثبت هذا النهج فعاليته على المدى القصير فقط بعد ضم شبه جزيرة القرم في أذار 2014 وارتفعت معدلات الرضا عن «بوتين» إلى ما يفوق 80%[27]، بالإضافة لما لروسيا من مصالح كثيرة في سوريا: استراتيجية وثقافية واقتصادية كان نظام «الأسد» أقرب حليف لموسكو في العالم العربي لأكثر من 40 عاما وكانت سوريا أساسية لنفوذ الاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط.

 

و تسعى كل منهما "روسيا – إيران" إلى سياسة المصالحات بالقوة؛ وخاصة روسيا حيث شكلت لجان المصالحات ووضعت ممثلين عنها من قاعدة حميميم نظرا لما تحمله في طياتها من أبعاد استراتيجية بعيدة الأثر على التوازن العسكري في جبهات ريف دمشق تعمل على تفتيت الجبهة العسكرية في دمشق وعزل فصائل المعارضة في جيوب معزولة وإشغالها في العمل الإغاثي لإعالة آلاف اللاجئين العائدين إلى مناطقهم[28]، و لاحقا يعمل الأهالي أو بعضهم على الوقوف في وجه الجيش الحر من أجل تجنيب المنطقة تصعيد النظام و براميله وصواريخه وتجنيب أبنائهم مشاق الجوع والحصار بعد أن استطاعوا أن ينعموا بشيء من الاستقرار "برزة – القابون" وقد ينجح النظام تحت وطأة الحاجة والفقر في تجنيد بعضهم لإعانته على تحقيق أهدافه "التل – الهامة".

 

 وكلا الدولتان تسعيان من الناحية السياسية لإعادة تأهيل النظام من خلال البرهنة أمام العالم على قدرته على إعادة ضبط المدن والمجتمعات الخارجة عن سيطرته، ودفع عجلة الدولة فيها وبنائها من جديد، بما ينفي مبررات من لا يرى لسوريا مستقبلا مستقرا في وجوده.

 

القسم الرابع: السيناريوهات المتوقعة للمنطقة الأكثر تهديدا على النظام وبقائه

 ترفض الفصائل المتواجدة في الغوطة الشرقية رفضاً قاطعاً عقد تسوية مع النظام، الذي يُمرر كل فترة وأخرى عن طريق وسطاء استعداده للتفاوض، ويصرّون على بقائهم على جبهات القتال على الرغم من صعوبة المعركة باعتبارها حرباً مركبة تختلط بها الحرب التقليدية مع حرب الاستخبارات مع المدن والشوارع والعصابات معبّئِين بعقلٍ جمعيّ يحمل في ثناياه ملاحم غوطة دمشق ضد الفرنسين ورجالاتها الذين لم يسبق لهم في التاريخ الاستسلام. إلا أن عنصر إدارة المعركة يشكل عاملا أساسيا في تحديد السيناريوهات المتوقعة والتي يمكن إيجازها بما يلي:

 

1– تكمن أهمية مدينة دمشق وغوطتها أنها أهم نقطة وصل وفصل جغرافي بين جنوب وشمال سوريا وتنوع تضاريسها منحها ميزة اقتصادية شكلت عاملا استراتيجيا في صمود أهلها على مدار سنيّ الثورة وبناء عليه أن تتابع الفصائل المقاتلة معاركها التي اعتادت عليها واعتياد مقاتلي الغوطة وأهلها على المعارك المستمرة الذي لم يسبّب داخلياً أي تغيّر في الجو العام، والعمل على تهديد قوات النظام على غرار تهديده في معركتي الله غالب ويا عباد الله اثبتوا مستفيدين من اللحظة الراهنة التي تتمثل بتغير بوصلة السياسية الأمريكية اتجاهه بعد استهدافه مدينة خان شيخون بالغازات السامة واستهدافها مطار الشعيرات بالضربات الصاروخية ومعارك المنطقة الشرقية التي منعته وحلفائه التقدم شرق الفرات.

 

2– احتمالية لجوء النظام إلى توجيه ثقله وإمكانياته العسكرية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية للفت الانتباه إليه على أنه يحارب الإرهاب؛ ولا يزال من الممكن اعتماده في سبيل تحقيق ذلك وهنا سيغرق في مستنقع حربه مع تنظيم الدولة، ويوفر عوامل الصمود للغوطة الشرقية الذي تنبهت فصائلها إلى احتمال التصعيد العسكري ضدها بعد معارك وادي بردى واتفاقية خفض التصعيد.

 

3- مـع بـدء الحملـة العسـكرية على حـي القابـون ارتفعـت وتيـرة القصـف على الحـي، مما شـكل حركات نـزوح كبيرة من هذا الحي باتجـاه بلـدات الغوطة الشـرقية، دون اصطحـاب احتياجاتهـم ولـم تتمكـن أي جهـة مـن تقديم اسـتجابة تتناسـب مع حجـم معاناتهم، واسـتقبلت بلـدة حرسـتا العـدد الأكبـر مـن النازحيـن توزع معظمهم لدى عائلات مضيفـة في خطـوة أولـى لتأميـن مسـاكن لهـم، وتعتبر ناحية حرسـتا غيـر مسـتقرة لقربها مـن خطوط الاشـتباك ممـا سـيضطرهم للنـزوح مـرة أخـرى في حال تقـدم النظـام أو تصعيـد القصف، وقد يلجأ النظام إلى ذلك على محاور حرستا ليشكل النازحون عامل ضغط وشد إلى الخلف على الثوار .

 

القسم الخامس: التوصيات

1- لا يختلف الحال في الغوطة الشرقية -وخاصة مناطق دوما وحموريه وسقبا-كثيرًا عن خان شيخون التي استهدفها نظام الأسد بالغازات السامة من ناحية الضحايا إلا أن المدنيين قضوا نتيجة سقوط القنابل المتفجرة على منازلهم، لهذا لا بد من الإعداد الجيد والتخطيط وتحديد الهدف ودعم إرادة القتال مع التحضير الدائم للهجوم المعاكس والمباغت.

 

2- تتمثل قوة إيران فقط في حزب الله والميلشيات الأخرى، وبمجرد محاصرة تلك المليشيات، ومهاجمتها سيتم التخلص من أخطارها وتقويض الدور الإيراني بالكامل في سوريا، كما أن حزب الله سيكون قد استنزف، وفي هذا الخصوص وجه أحد قادة المعارضة في الغوطة الشرقية اللوم على “الدول الصديقة" منوها أنه هناك شعور سائد لدى الناس هنا في ريف دمشق، بأن القوى الداعمة لنا سلمت دمشق وريفها للروس والإيرانيين.

 

3– ضرورة وعي المعارضة أنها تخسر أوراق قوتها وتواجدها من خلال التسويات و المصالحات لإضعاف موقفها التفاوضي وتكريس حكم الأسد، وأن تنتبه لمشاريع السلام والحل التي تطرحها روسيا فيما تعمل أدواتها بشكل حثيث على إجراء المصالحات أو التغطية النارية لقوات النظام وميليشياته من أجل التقدم في مناطق عديدة في سورية وإخراجها من مساحات الثورة، ذلك أن الهدف الأهم لروسيا ينصب على إخماد الثورة نهائياً عبر تفكيك حلقات قوتها ثم فرض الحل الذي ترغبه وتريده وهو البقاء على النظام الحالي وعلى رأسه بشار الأسد[29].

 

 

4- تتطلب كل النتائج الناجمة عن الحصار من المجالس المحلية في الغوطة الشرقية العمل على إيجاد حلول كالتواصل مع المؤسسات الدولية والجمعيات الخيرية العربية والدولية للعمل على تنفيذ العديد من المشاريع، التي تتعلق بالزراعة، إضافةً إلى دعم المجتمع المحلي بالعديد من المشاريع التنموية، التي من شأنها أن تساعد السكان على ما يقارب الاكتفاء الذاتي وتنشيط المشاريع الزراعية في أغلب المناطق وكف يد تجار الحروب والأزمات من خلال قوة تتفق عليها الفصائل العسكرية دون التدخل في برامج سير المجالس المحلية.

 

الخاتمة

ينظر أهالي الغوطة الشرقية إلى المصالحات على أنها محاولة لنفيهم خارج منطقتهم، خاصة أن التجارب السابقة في المصالحات لم تُفضِ إلى نتائج إيجابية في عدد من بنود اتفاق المصالحة كإطلاق المعتقلين وتحديد مصير المخطوفين بل زادت معدلات الاختطاف وخاصة في المعضمية وبرزة، بالإضافة إلى رفضهم الخروج من الغوطة بعد الإعلان عن المعابر الآمنة من قبل النظام وحليفه الروسي لمعرفتهم بأن الغوطة رغم الحصار إلا أنها تمتلك إمكانيات عسكرية كبيرة ما يصعب المعادلة على قوات النظام وحلفائها التي تحاول اقتحام الغوطة منذ بدء التدخل العسكري الروسي ورغم تمكنها من التقدم في عدد من المناطق، استعصت عليها جبهات أخرى، وتكبدت على إثرها خسائر بشرية ومادية.

 


 

المراجع:

[1] المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام – غوطة دمشق الشرقية وتحولات المشهد من التحرير إلى الحصار – الباحث والصحفي يحيى الحاج نعسان-سامح يوسف https://goo.gl/hAja8s

[2] عنب بلدي – كيف ينظر قياديو الفصائل والهيئات المدنية إلى المصالحة في الغوطة؟ https://www.enabbaladi.net/archives/118678

[3] عنب بلدي – محافظ ريف دمشق نهاية المسامحات ستكون في ريف دمشق https://www.enabbaladi.net/archives/124948

[4] الجزيرة نت – خنق الغوطة الشرقية عبر ضواحي دمشق الشرقية https://goo.gl/2MGCIo

[5] كلنا شركاء – الناطق باسم المجلس العسكري: القوة الكامنة في غوطة دمشق كفيلة بقلب الموازين – محمد كساح http://www.all4syria.info/Archive/391812

[6] الشرق الأوسط – نذير رضا – النظام يسعى للسيطرة على دمشق الكبرى https://goo.gl/c0C7cG

[7] مركز كارنيغي للشرق الأوسط – أفول نجم الثوار في الغوطة الشرقية – آرون لوند http://carnegie-mec.org/diwan/68034

[8] عنب بلدي – ثلاث زيارات للجنة النظام إلى دوما وصكوك استسلام بالروسية https://www.enabbaladi.net/archives/109737

[9] الجزيرة نت – ماذا يُعد النظام لغوطة دمشق الشرقية https://goo.gl/DqLc9M

[10] الموقع الرسمي لمنظمة هيومن رايتس – مجزرة دوما مجزرة جديدة في دوما وقتل لأكثر من 100 مواطن

 http://humanrights-monitor.org/Posts/ViewLocale/15276#.WOKAJ4jyvIU

[11] المركز الصحفي السوري – قصف بالنابالم على مدينة دوما بالغوطة الشرقية https://goo.gl/Uwoidq

[12] عربي21 النظام السوري يستخدم غازات سامة في حي جوبر الدمشقي   https://goo.gl/jXmePP

[13] المرجع مكرر رقم 4

[14] المدن – هل يتكرر سيناريو حلب في الغوطة الشرقية – عمر بهاء الدين https://goo.gl/ldKBXb

[15] المرجع مكرر رقم 1

[16] صوت العاصمة – مناطق التسوية في ريف دمشق ثوار الأمس شبيحة اليوم http://damascusv.com/archives/1002

[17] الجزيرة نت – الهدن والمصالحات في سورية ومآلاتها الاستراتيجية https://goo.gl/4qIi9o

[18] الفيحاء نت – نساء الغوطة يساندن المقاتلين على الجبهات – رواد خليل - http://alfayha.net/?p=7109

[19] نظام الأسد وتجار الغوطة يشتركون في الجريمة https://goo.gl/pdmDt3

[20] روسيا اليوم – المعارضة المعتدلة أغارت على دمشق https://goo.gl/ysdS3i

[21] المرصد السوري لحقوق الانسان -قذائف على وسط العاصمة مع مزيد من القصف على القابون -https://goo.gl/KgEvZu

[22] المكتب الإغاثي الموحد في الغوطة الشرقية https://www.facebook.com/U.R.O.E.G/videos/1190650847714646/

[23] المدن -معركة دمشق: الروس يتدخلون ويحيدون الإيرانيين https://goo.gl/CwpNsT      

 

[25] الجزيرة نت – لماذا تستميت إيران في دعم نظام الأسد المتهالك https://goo.gl/qIQa4X

[26] العربية نت – ياسر الزعاترة – لماذا تدعم إيران تدمير سورية http://www.alarabiya.net/views/2012/10/09/242638.html

[27] ساسة بوست عن تقرير لفورين بوليسي – لماذا تصر روسيا على دعم بشار الأسد؟ https://www.sasapost.com/why-does-russia-support-syria/

[28] الجزيرة نت – الهدن والمصالحات في سورية ومآلاتهما – غياث بلال https://goo.gl/n7tY31

[29] معهد العالم للدراسات – غازي الدحمان – المصالحات في سورية: هل تؤدي للسلام؟ http://alaalam.org/ar/politics-ar/syria-ar/item/477-586140217.html

 

____________________________________________________________________

(للاطلاع على الدراسة كملف pdf يُرجى تحميل الملف المُرفق أعلى الصفحة)

---------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2018

تصويت

هل أعجبك الموقع؟

القائمة البريدية


2015 © جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام, تنفيذ وتطوير شركة SkyIn