الثورة و المعارضة السورية.. خيارات الحرب وفرص السلام

Google Plus Share
Facebook Share

 

الباحث والصحفي : يحيى الحاج نعسان

 

تاريخ النشر : 20/10/2015

 

  

تمهيد:

 

 

منذ بداية الثورة  رفع نظام الأسد  شعارا واضح المعالم ولا يحتاج إلى تأويل " الأسد أو نحرق البلد" ، " الأسد أو لا أحد" ، ومن وحي هذا الشعار  نصل إلى نتيجة مفادها أنّ نظام الأسد أدرك عند رفعه لهذا الشعار واختياره الحل العسكري أنّ استمراره لن يكون إلا بأحد طريقين:

1- استمرار الحرب في سورية ، وعندها يستمر النظام في الحكم كطرف من أطرافها، أملاً في الاستفادة من  الوقت وتغيّر الظروف التي قد تمكنه من البقاء في الحكم.

2- التقسيم ، الذي سيلجأ إليه نظام الأسد وداعموه في الغالب كخطة بديلة (ب) وخيار أخير.(1)

وتدور البلاد اليوم (معارضة وموالاة ) في حلقة مفرغة ، فما يناسب المعارضة لا توافق عليه الموالاة وما يناسب المولاة لا توافق عليه المعارضة،  وهكذا غرقت البلاد في أتون حرب لم يعد السوريون فيها يفرّقون كثيرا بين الموالاة والمعارضة ؛ بين من يقتله وبين من يدّعي حمايته، والدفاع عن حقوقه، وهذا كلام واقع مسلّم به، ولا يحتاج إلى برهان ؛ فأي سوري عاش الوقائع والأحداث على الأرض ، أو تابع باهتمام ما يجري يعي تلك الحقيقة القاسية.

 ولا مجال للشك إنَ ما تمّ ذكره هو أهم هدف سعى نظام الأسد إلى تحقيقه وفقاً للقاعدة التي تقول:" لست جيداً ولكنهم أسوأ مني)).

 

فرص السلام في سورية :

مرت الثورة السورية بمنعطفات سياسية وعسكرية أثر كل منها بالآخر بشكل مختلف ، وتمّ إدخال الثورة بمسارات متنوعة ومعقدة ليس هذا مجال بحثها، وتحولت عبرها من شعبية عفوية إلى حروب بالوكالة وليس حربا واحدة.

وهذه التحولات فرضت على قيادات الثورة والمعارضة مسؤولية أكبر ليس فقط في مواجهة النظام ، لا بل في مواجهة  كل الطامعين بفرصة لاحتلال البلاد من جديد، والسيطرة على ثرواتها ومقدراتها وتفقير شعبها وتهجيره وتفكيك العرى الإيديولوجية والوطنية التي تربطه ببعضه البعض وبأرضه.

ورغم تعقد الوضع الحالي في سورية، ودخول روسيا عسكريا إلى جانب النظام ، إلا أنّ ذلك لا يلغي فرص إقامة السلام ، لا بل قد يجعلها أسهل وذلك للأسباب التالية :

1- دخول روسيا على خط المسألة السورية بشكل مباشر ، أنهى أي قيمة فعلية لبشار الأسد ولنظامه وحتى لإيران ،  ما يسهل الأمر على المعارضة  لجهة التعامل مع طرف واحد ألا وهو روسيا.

2- لروسيا أطماع اقتصادية وسياسية بالدرجة الأولى ، والتفاهم معها سيكون من هذا المبدأ أسهل من

التعامل مع نظام الأسد وإيران.

3- ما تزال روسيا تحتفظ بعلاقات جيدة وقوية مع دول داعمة بشكل كبير للمعارضة والثورة السورية

مثل تركيا والسعودية  وقطر.   (2)

 

الحلول السياسية المقترحة للسلام  وسبل الاستفادة منها

كثيرة هي المبادرات والأطروحات السياسية التي تخللت مسيرة الثورة السورية نذكرها تعدادا فقط ونقف عند أهمها:

1-  مؤتمر جنيف الأول  في 30/6/2012

2-  مؤتمر جنيف  الثاني في 22/1/ 2014

3- لقاء موسكو التشاوري الأول والثاني

4- مؤتمرا القاهرة الأول والثاني

5- المبادرة الإيرانية المعدّلة  ذات النقاط الأربعة في آب 2015

6- مبادرة المبعوث الدولي إلى سورية ستيفان ديمستورا  حول الحل السياسي في سورية المدعومة ببيان رئاسي صادر عن مجلس الأمن بتاريخ 17/8/2015.

وفي هذه الورقة سنتحدث عن مؤتمر جنيف الأول ومبادرة ديمستورا الأخيرة والمقارنة بينهما وكيف يمكن الاستفادة منهما في ظل الظروف الراهنة .

 

مؤتمر جنيف الأول :

ستة بنود رئيسة احتواها مؤتمر جنيف الأول في سويسرا ، وهو المؤتمر السياسي الوحيد الذي حاز على اجماع دولي في مجلس الأمن وهذة البنود هي:

1- البدء بعملية سياسية ( حكومة انتقالية واسعة الصلاحيات) يقودها السوريون

2- الالتزام بوقف جميع أعمال العنف المسلح

3- تطبيق هدنة يومية لمدة ساعتين للسماح بإدخال المساعدات إلى المناطق المتضررة من القتال .

4-  الإفراج عن جميع من جرى اعتقالهم تعسفيا بمن فيهم المعتقلين ،لقيامهم بنشاطات سياسية .

5- الاتفاق على ضمان حرية الحركة للصحافيين في جميع أنحاء البلاد.

6- الاتفاق على حرية تكوين المؤسسات وحق التظاهر السلمي.

ورغم حصول مؤتمر جنيف الأول على تأييد دولي من كل الأطراف ، إلا أنّه لم يأخذ طريقه للتطبيق بسبب الاختلاف بين أمريكا وروسيا (الدولتان الكبيرتان) على مصير الرئيس بشار الأسد ،  فأمريكا فسرت المؤتمر بأنه يمهد لما بعد الأسد ، فيما قالت روسيا أنّ المؤتمر لم يتحدث عن مصير الأسد ، وإلى اليوم لم يتم تطبيق بنود جنيف الأول، الذي أصبح فيما بعد قاعدة لأي مبادرة سياسية.(3-4)

وبناء على ما تقدم تأتي أهمية مؤتمر جنيف الأول من اعتبارين أساسين:

1- حيازته على تأييد جميع دول مجلس الأمن بما فيهم روسيا والصين

2- اعتماده مرجع أساسي لأي مبادرة سياسية تالية للحل السلمي في سورية

 

مبادرة "ستيفان ديمستورا " للحل السياسي في سورية آب2015

اقترح المبعوث الدولي إلى سورية "ستيفان ديمستورا "وثيقة سياسية لمسيرة الحل في سورية ،وتنفيذ بيان جنيف1 مقسمة إلى ثلاث مراحل ،ومدعومة بمجموعة اتصال دولية وإقليمية، وتتضمن تشكيل ثلاثة أجسام، هي هيئة انتقالية تتمتع بصلاحيات تنفيذية كاملة عدا «الصلاحيات البروتوكولية»، وتشكيل «مجلس عسكري مشترك» ينسق عمل الفصائل المسلحة من قوات نظامية وفصائل معارضة ،ويشرف على إصلاح أجهزة الأمن مع احتمال «إلغاء» بعض هذه الأجهزة، إضافة إلى مؤتمر وطني وصولاً إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية بـ «رعاية» الأمم المتحدة.

 

أما الوثيقة الثانية يقترح" ديميستورا "عقد اجتماعات لمجموعات عمل  مؤلفه من أربع لجان بموجب بيان مجلس الأمن الأخير، الذي دعم مهمة المبعوث الدولي، على أن تعقد هذه اللجان «في شكل مواز»، الأمر الذي يتوقع أن يثير حفيظة الحكومة السورية باعتبار أن وفدها أصر في «جنيف- 2» على البدء بمناقشة «محاربة الإرهاب» ومناقشة «بيان جنيف» في شكل متسلسل.

 

وتتعلق المجموعة الأولى بـ «الأمن والحماية للجميع» والتنسيق مع مجموعة العمل الثانية الخاصة بـ «المسائل الأمنية والعسكرية ومكافحة الإرهاب»، إضافة إلى «مجموعة القضايا السياسية والقانونية التي تعمل على تطوير المبادئ الأساسية الخاصة بالعملية الانتقالية وشكل الدولة المستقبلية المرجوة، وهيئة الحكم الانتقالي وصوغ توصيات للعدالة الانتقالية والمحاسبة، والإعداد لعقد حوار وطني وللإصلاح الدستوري والانتخابات»، في حين تركز الرابعة على «المؤسسات العامة وإعادة الإعمار والتنمية».(5)

 

أوجه الشبه والاختلاف بين مبادرة ديمستورا وبيان جنيف1

 

 

بيان جنيف1 حزيران 2012

مبادرة ديمستورا آب 2015

1 - البدء بعملية سياسية ( حكومة انتقالية واسعة الصلاحيات) يقودها السوريون

2- الالتزام بوقف جميع أعمال العنف المسلح في البلاد  

3-  الإفراج عن جميع من جرى اعتقالهم تعسفيا بمن فيهم بمن فيهم المعتقلون ،لقيامهم بنشاطات سياسية .

4- تطبيق هدنة يومية لمدة ساعتين للسماح بإدخال المساعدات إلى المناطق المتضررة من القتال .

5- حصلت على تأييد دولي عبر "قرار" من مجلس الأمن

1- هيئة انتقالية تتمتع بصلاحيات تنفيذية كاملة عدا الصلاحيات البروتوكولية.

2- تتمتع الهيئة الانتقالية، بسلطة مطلقة ،وتشرف على احترام وقف إطلاق النار و محاربة مشتركة للتنظيمات الإرهابية ،واستعادة وحدة البلاد

3-الإفراج عن المعتقلين ،وتحديد مصير المفقودين

 

4- رفع الحصار، وتوفير المساعدات الطبية ،وغيرها من الخدمات ،وحماية المدنيين

5- حصلت على تأييد دولي عبر "بيان" من مجلس الأمن. (6)

 

  • أوجه الاختلاف

 لا يوجد اختلاف بين بيان جنيف الأول ومبادرة ديمستورا ، إنما يوجد إضافات أكثر من قبل المبعوث الدولي على بيان جنيف1 ، وآليات تفصيلية أكثر وهذه الإضافات هي :

1- إيجاد حل وسط  بالنسبة لمشاركة الأسد أو عدم مشاركته في المرحلة الانتقالية ، بإبقاءه ولكن بصلاحيات برتوكولية لرسم توافق سياسي بين أمريكا وروسيا.

2- اقتراح إقصاء 120 شخصا من المرحلة الانتقالية من جميع الأطراف ممن أدوا أدوارا في سيئة في الصراع.

3-  إنشاء أربع مجموعات عمل تعمل في شكل مواز، تم ذكرهم في الفقرة السابقة.

 

تقييم مبادرة دي مستورا آب 2015 :

تتقاطع مبادرة ديمستورا كثيرا مع بيان جنيف 2012 ، التي وافقت عليه المعارضة والموالاة  آنذاك بخلاف نقطة مصير الرئيس "الأسد" التي يتداركها ديمستورا في مبادرته بمبدأ (اقتسام البيدر بالنصف).

ويؤخذ على المبادرة عدد من النقاط :

1- أشارت المبادرة إلى أنّه بعد المرحلة الانتقالية هناك مرحلة انتخابات نيابية ورئاسية برعاية الأمم المتحدة ،دون الإشارة إلى إمكانية مشاركة الأسد من عدمها.

2- تركت المبادرة المدد الزمنية لكل مرحلة مفتوحة يحددها السوريون، وهذا قد يشكل بدوره عقبة أثناء التطبيق.

3- لم توضح المبادرة  فيما إذا كان يحق للاجئين السوريين الذين حصلوا على جنسيات أخرى بسبب الأحداث في سورية المشاركة في التصويت بالانتخابات أم لا.

4- بعض آليات مجموعات العمل غير واضحة المعالم تماما ، خاصة بالنسبة للمقاتلين الأجانب في سورية ، إضافة إلى آليات تطبيق القيادة العسكرية المشتركة.

 

رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية خالد خوجة والمبعوث الدولي السيد ستيفان ديمستورا

 

 

خيارات المعارضة السورية :

تعيش المعارضة السياسية بشكل عام والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة خاصة حاليا أصعب الظروف وأعقدها منذ اندلاع الثورة منتصف آذار 2011 ، - خاصة بعد ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية" كاختبار آخر وحقيقي لها بعد النظام- وذلك لعديد من الأسباب:

1- عدم قدرتها إلى اليوم من إنجاز مكسب سياسي  فاعل وحقيقي  للثورة السورية حتى الآن.

2- عدم قدرتها على تشكيل ذراع عسكري موحد  يعزز من موقعها السياسي في المحافل الدولية

3- ضعف البنية التنظيمية والقانونية للمعارضة السياسية ،الأمر الذي يضعف فيها القدرة على اتخاذ القرارات.

وبناء على ما ذكر فإنّ المعارضة السياسية وفي هذه الظروف الدولية المعقدة ومن مسؤوليتها التاريخية الجسيمة في الحفاظ على وحدة سورية واستقلالها فهي أمام خيارين:

1- قبول مبادرة السيد ديمستورا بالتنسيق الكامل مع السعودية وتركيا وقطر ، واشتراط إشراف مسؤولين من هذه الدول على جميع خطوات الانتقال في سورية، واشتراط وقف العدوان الروسي على الأراضي السورية للدخول في عملية سياسية.

2-  اتخاذ قرار المقاومة الشعبية بعد إعلان سورية دولة محتلة ،ما يترتب عليه انتقال الجسم السياسي للمعارضة إلى داخل الأراضي السورية ، كي يكون جنباً إلى جنب مع المقاومة ، ويعيش همها وينسّق مع دول صديقة للدعم في مقاومة المحتل الأجنبي لسورية.

 

تقييم فرص الاستفادة من مبادرة ديمستورا :

أصدرت الهيئة السياسية للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة 2 /10/ 2015  بيانا صحفيا مشتركا مع المكاتب السياسية لقرابة /50/ فصيلا عسكريا في سورية.(7)

ولم ينص البيان على قبول أو رفض مبادرة ديمستورا  صراحة ، وإنما وضع للموافقة عليها شروطا "تعجيزية" إذا صح التعبير ، خاصة وأن شرط واحد منها فقط  هو ما منع تنفيذ جنيف1 عام 2012 ، الذي يعد أساس لكل المبادرات السياسية اللاحقة ، وهذا الشرط هو عدم قبول "الأسد" في أي عملية سياسية لا انتقالية ولا بعدها، فكيف بأكثر من عشرة شروط.

وربما كان من الممكن الاستفادة من مبادرة ديمستورا الأخيرة التي قد تعتبر أفضل من جنيف1  من حيث قابلية التطبيق لعدد من النواحي

1- موافقة روسيا وإيران عليها وقد كانا من الرافضين لجنيف واحد بسبب التفسير الذي يقول بإقصاء الأسد من أي مرحلة انتقالية.

2- موافقة النظام عليها مرغما بعد موافقة روسيا وإيران ، رغم اعتراضه في البداية على مجموعات العمل ، وكيفية سيرها.(8)

3- احتوائها على بند إقصاء /120/ شخصا من جميع الأطراف ممن أدوا أدوارا سيئة في الأحداث في سورية، وهو ما يعتبر نقطة فاضلة عن جنيف1، يمكن استغلالها للتخلص من معظم أدوات النظام الإجرامية.

 

تقيم فرص السلام وخيارات الحرب في ضوء المتغيرات الدولية :

أولا - أبرز المواقف الدولية المؤثرة بالمسألة السورية

حالة من التخبط والغموض تلف المواقف السياسية حول سورية للعديد من الدول، خاصة الدول الداعمة للثورة والمعارضة السورية ، ونبدأ بأهم الدول الداعمة للثورة والمعارضة ونبين مواقفها:

 

1- الولايات المتحدة الأمريكية :خلافاً لروسيا فقد تأرجحت المواقف الأميركية من الثورة والمعارضة في سورية صعوداً ونزولا كثيراً من المرات ، وهي تحتاج بحث خاص بذاتها ، ولكن ما يهمنا في هذا السياق هو تصريحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري الأخيرة عن إمكانية بقاء الأسد خلال مفاوضات تستمر فترة زمنية غير محددة، ما يعني بشكل أو بآخر الاقتراب أو الرضوخ للرؤية الروسية ( القائمة على الأرض حالياً).(9)

 

2- تركيا :رغم أنّ تركيا تعتبر من أكثر الدول الداعمة للثورة السورية منذ انطلاقتها ، فقد أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بشار الأسد يمكن أن يشكل جزءاً من مرحلة انتقالية في إطار حل للأزمة السورية، ورغم أنّه أضاف أنّه لا يتصور مستقبلا للأسد في سورية إلا أنّ ذلك قد يعتبر تغيّراً ولو جزئيا في الموقف التركي، كما لا يخفى على أي مهتم أن لتركيا علاقات اقتصادية وثيقة ومتبادلة مع روسيا وإيران وقد تشكل ضغطاً على الموقف التركي إلى درجة كبيرة (10)

 

3- السعودية :تعتبر المملكة السعودية وخاصة  بعد أن استلم زمام الحكم الملك سلمان بن عبد العزيز أكثر دولة على الإطلاق داعمة للثورة والمعارضة السورية ، واللافت أنّ وزير خارجيتها أكد موقف بلاده الرافض لبقاء الأسد في أكثر من مرة بالقول" إما أنّ يرحل سياسيا أو يواجه حلا عسكرياً".(11).

 وقد شهدت دبلوماسيتها نشاطا كبيرا في الفترة الماضية ، خاصة مع روسيا للضغط عليها والقبول بالتخلي عن الأسد ، وهناك تكهنات أو تسريبات بالتوافق بين الدولتين إلى حد كبير ، وخاصة بعيد اللقاء الأخير المزدوج بين وزير الدفاع السعودي والرئيس الروسي في سوتشي ووزيرا خارجيتهما في الفترة  بين 10-12 من شهر تشرين الأول الجاري ، وذلك بعد التدخل العسكري الروسي في سورية بأيام.

 

3- الموقف الروسي :

أوغلت روسيا في دعم نظام الأسد  ضد الثورة السورية منذ بدايتها ، حيث كانت الحامي له في مجلس الأمن عبر استخدامها لحق النقض الفيتو في أربع مناسبات مختلفة، وأخيرا وضعت روسيا ثقلها عسكريا في المشهد السوري ، وهنا يمكن لحظ أمرين في مشهد التدخل العسكري الروسي:

1-  تصريحات روسيا حول أنّها لا تريد التدخل بريا (على الأرض) في سورية (12)

2- سعيها للتواصل مع الجيش الحر لبحث أفق الحل السياسي في سورية ، طبعاً وذلك  بعد أن فرض نفسه ووجوده في المعارك الأخيرة في ريف حماة ، مدعوما بشكل خاص من السعودية وتركيا.(13).

 

وفي قراءة واقعية للتدخل الروسي المباشر في سورية بناء على ما يرشح من إعلامها ومواقفها المعلنة ، فهي تسير في منحيين :

المنحى الأول : وهو منع سقوط سورية المفيدة (دمشق، حمص، حماة ، اللاذقية ، طرطوس) في أيادي قوات المعارضة والثوار ، وبالتالي الحفاظ على النظام السوري ومؤسساته الأساسية في هذه المناطق.

المنحى الثاني : بعد ضمان حماية المناطق المذكورة أعلاه من السقوط ، وحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية في تلك المناطق ،  ستقوم بالتفاوض على حل سياسي  للإبقاء على وحدة سورية  ولكن بطريقة تناسبها بالدرجة الأولى  وتضمن مصالحها  ربما دون النظر إلى مستقبل الأسد .

وما يعزز هذه المقولة هو قيام روسيا حاليا ببناء قاعدة جوية لها في طرطوس وقاعدة برية في حماة ، لتعزيز وجودها  الذاتي ما يعني أنّها تضع في حسبانها عدم بقاء الأسد في السلطة .(14)

طبعا ولا ننسى الموقف الإيراني الداعم بشكل منقطع النظير للأسد ، ولكن دخول روسيا على الخط المباشر غطّى إلى حد بعيد على الدور الإيراني ، وهو ما قد يمكن استثماره لمصلحة فرص تحقيق السلام في سورية.

 

ثانياً - فرص السلام :

ربما لا يزال الوقت ملائما كي تستطيع المعارضة السورية  الإفادة من خطة ديمستورا  الأخيرة كفرصة للحل والسلام في سورية ، وبدلا من رفضها بشكل قاطع يمكن تعديلها، بحيث يتم الاتفاق أو العمل على إقناع روسيا بالاستعانة بالسعودية ومن ورائها تركيا وقطر،  أّن لا يكون للأسد  دور في سورية بعد الفترة الانتقالية، وهو ما يمكن  إنجازه وتحقيقه في ظل الظروف الدولية التي تمّ عرضها سابقا.

 كما يمكن للمعارضة أن تطرح  مبادرة على روسيا، بالتنسيق مع السعودية وتركيا وقطر ، تضمن للروس مصالحهم بشكل أو بآخر ، وتأخذ بحسبانها إنهاء أي دور للأسد في مستقبل سورية ، وترحيل ملفات أخرى من قبيل حلّ الأجهزة الأمنية والجيش لمراحل لاحقة.

 

وهناك عدد من النقاط قد تزيد من صلابة موقف المعارضة السورية في تمسكها بالحل السياسي كأولوية لتحقيق فرصة للسلام في سورية وهي :

1- خذلان أصدقاء سورية للشعب السوري بشكل عام ،ولفصائل الثوار والمعارضة السياسية بشكل خاص

2- الخوف من تحويل سورية إلى أفغانستان ثانية ، وجعلها مسرحا لتصفية الحسابات بين دول كبرى وإقليمية في العالم.

3- مقتل قرابة ربع مليون سوري أو أكثر ، فضلا عن أرقام غير معروفة عن المعتقلين والمفقودين  ، إضافة إلى تشرد نحو خمسة ملايين سوري خارج البلاد  وفقا لتقارير الأمم المتحدة ، عدا الدمار والخراب الذي أتى على جزء كبير من البنية التحتية للبلاد . (15)

4- سحب البساط والغطاء عن نظام الأسد الذي وافق على المبادرة ،ويرغب أنّ تكون المعارضة هي الطرف الرافض لها ، كي يقوّي موقفه أمام حلفائه وخاصة روسيا ، التي فرضت عليه الموافقة فيما يبدو.(16)

5- استغلال فرصة قد تكون الأخيرة لمنع تقسيم سورية وتفكيكها الذي قد يخدم مصلحة كثير من الأطراف  إلا مصلحة السوريين.

 

 

ثالثا- خيارات الحرب :

يبقى خيار الحرب قائما في جميع الأحوال ، حتى لو استطاعت المعارضة السورية الاستثمار في خطة ديمستورا  أو غيرها للحل السلمي ، وتحويل ذلك إلى نقطة سياسية في صالح السوريين وثورتهم الشعبية ، فلاشك أن قدرة المعارضة على الاحتفاظ بسلاح القوة العسكرية ، هو الدافع الذي يمكن من خلاله تقوية الحظوظ السياسية في تحقيق السلام.

 

ولكن إذا ما أرادت المعارضة السورية أو عجزت عن إقناع الآخرين بالسلام وتوجهت إلى خيار المقاومة الشعبية واعتبار سورية  بلدا محتلا  من عدة أطراف دولية ، فقد يكون قرارا مجديا فيما لو استطاعت  أن تنجز العديد من النقاط  وفي مقدمتها :

1- تشكيل جيش تحرر وطني يضم جميع مكونات الثورة والمعارضة السورية

2- ربط هذا الجيش بقيادة سياسية واحدة ، تمثله بشكل حقيقي

3- تشكيل تحالف إقليمي متين وبضمانات حقيقية لمواجهة النظام وحلفائه الروس والإيرانيين في سورية

4- اصطلاح تسمية هذه المرحلة بالانتقالية لسهولة تطبيقها تاركين شكل الحكم والنظام  لما بعد تحرير سورية  من النظام وحلفائه .

خلاصة

لا تعني دراسة خيارات الحرب كفقرة مستقلة عن فرص السلام ، أنهما منفصلان عن بعضهما البعض ، ولكن يمكن القول أن هناك خياران أمام قوى الثورة والمعارضة السورية وهما ؛ إما اختيار المقاومة والحرب كأولوية لتحقيق السلام والأمن لسورية وشعبها دون إغفال الجانب السياسي، أو اختيار العمل السياسي كاستراتيجية وأولوية لتحقيق الأمن والسلام للسوريين دون إغفال القوة المطلوبة لدعم هذا التوجه.

____________________________________________________________

مراجع الدراسة

1-  د. برهان غليون " تقسيم سورية" مقال في صحيفة العربي الجديد 14/7/2015

2- انظر  بحث "هل اقتر ب الحل السياسي في سورية؟" للباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام /13/8/2015  /  http://www.syriainside.com/home

3- انظر مؤتمر جنيف الأول في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام

http://www.syriainside.com/home

4- جنيف1/ الجزيرة نت 26/1/2014

5 - انظر صحيفة الحياة /1/أيلول /2015 مقال بعنوان /هيئة انتقالية تشرف على مجلس عسكري مشترك وانتخابات رئاسية برعاية دولية

6-  انظر / بيان رئاسي في مجلس الأمن/ لدعم جهود المبعوث الدولي ستيفان ديمستور في سوريا 17/8/2015 

7-  انظر موقع الائتلاف لقوى الثورة والمعارضة السورية /بيان مشترك حول آخر التطورات وتداعيات العملية السياسية في سوريا 2/10/2012

8- النظام السوري يوافق على المشاركة في لجان الخبراء الأربعة التي اقترحها ديمستورا 2/10/2015

9-  "كيري: حان الوقت للبحث عن سبل لإنهاء الصراع السوري"، رويترز، 18/9/2015، على الرابط:

http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKCN0RI2FE20150918

10-  انظر مقال في  صحيفة الحياة تاريخ 24/9/2015  بعنوان ((أردوغان: الأسد يمكن أن يشارك في مرحلة انتقالية لحل الأزمة السورية)) على الرابط:  http://www.alhayat.com/Articles/11341201

11- راجع تصريحات وزير الخارجية السعودية في أكثر من مناسبة وهنا نذكر إحداها ..

الجبير : الأسد  انتهى وسيرحل عاجلا  أو آجلا :" صحيفة القدس العربي  تاريخ 16/9/2015 " على الرابط : http://www.alquds.co.uk/?p=404173

12- انظر تصريح بوغدانوف:"روسيا لا تنوي المشاركة بعملية عسكرية برية في سورية" في وكالة سانا للأنباء  6/10/2015 على الرابط:  http://www.sana.sy/?p=279452

13-  انظر موقع دي برس المؤيد للنظام تاريخ 9/10/2015 (( موسكو تجري مشاورات مكثفة في دول أوروبية من أجل إقامة اتصالات بـ"الجيش الحر"))على الرابط:


http://www.dp-news.com/pages/detail.aspx?articleid=182178

14- عين روسيا على حماة السورية (( العربي الجديد تاريخ 4/10/2015)) للكاتب أنس الكردي

15-  تقرير قناة  cnbcعربية 7/ شباط / 2015  حول عدد قتلى الصراع في سورية على الرابط"

http://www.cnbcarabia.com/?p=203143

16- تصريح " المعلم : مستعدون للمشاركة في محادثات سلام /2/10/2015 ، وهو في نفس اليوم الذي رفض فيه الائتلاف وفصائل عسكرية مقاتلة خطة ديمستورا للسلام ! ،  انظر الرابط: http://elaph.com/Web/News/2015/10/1044037.html

تصويت

هل أعجبك الموقع؟

القائمة البريدية


2015 © جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام, تنفيذ وتطوير شركة SkyIn