الثورة السورية، طريق جديد؟

Google Plus Share
Facebook Share

الباحث والمفكر السوري: الدكتور محمد خير الوزير   

تاريخ النشر: 2016/04/13

أثبتت الهدنة "المؤقتة والجزئية" المعلنة في 2016/02/28 مدى التأثير الذي تملكه روسيا والولايات المتحدة على مجرى الأحداث في سوريا، فقد استطاعت الدولتان فرض هدنة - ولو مؤقتا- على جميع الأطراف بالرغم من كل التوقعات خلاف ذلك، واليوم وبعد تبيان المسارات التي مضت فيها الهدنة، وإعلان فلاديمير بوتين انسحابه الجزئي من سوريا بعد " تحقيق أهدافه"، وظهور أنّ التهديدات التركية السعودية محض كلام، وبعد المرحلة الحرجة التي تمر بها الثورة، فقد بات من الممكن فهم موقف الأطراف الفاعلة في سوريا ( روسيا والولايات المتحدة) لكي نستطيع بناء استراتيجية جديدة للثورة.

أولا - الموقف الأمريكي "زعامة من دون تورط"

في أيلول 2013 قال نائب رئيس المخابرات الأمريكية السابق مايك موريل في مقابلة مع قناة سي بي سي:

"الحل الأفضل في سوريا هو الوصول إلى تسوية بالتفاوض بين المعارضة والنظام، تفسح المجال لانتقال سياسي يحفظ مؤسسات الدولة، فهذا ضروري لأنه سيمكننا من استخدام المؤسسة السورية الأمنية والعسكرية لإلحاق الهزيمة بتنظيم القاعدة، وهذا لا يتحقق الآن لأن الأسد يشعر أنه قادر على الانتصار، لذلك من المهم دعم المعارضة ليس لهزيمة الأسد، ولكن لدفعه نحو التفاوض".

ومنذ ذلك الحين حدثت أمور كثيرة؛ أبرزها:

 صعود تنظيم الدولة منذ منتصف 2014 ٫كلاعب أساسي مسيطر على أجزاء واسعة من سوريا والعراق، ما أدى إلى تغيير في الاستراتيجية الأمريكية لصالح انخراط أكثر _ وإن بقي محدودا _ في الشرق الأوسط، ولكن الاستراتيجية الأمريكية بقيت ذاتها إلى حد كبير، وهو ما أظهره خطاب "حالة الاتحاد" الذي ألقاه أوباما في 2016/01/13 ، وقد حاول من خلاله الدفاع عن طريقته في السياسة الخارجية والرد على منتقديه.

وفي اليوم التالي قدم جون كيري وزير خارجيته خطابا أمام جامعة الدفاع الوطني لذات الهدف، ومن خلال الخطابين تظهر أولويات الإدارة الأمريكية خلال عام أوباما الأخير في الرئاسة والتي حددها في سوريا بـ"محاربة الشبكات الإرهابية وتحديدا داعش والقاعدة إيجاد حل للأزمة السورية".

 وبحسب أوباما وكيري فإن الولايات المتحدة ستتدخل بشكل منفرد عندما تكون مصالحها مهددة بشكل مباشر، وستحشد الدعم الدولي في القضايا ذات التهديد المشترك، ولذلك يفخر جون كيري بأن الولايات المتحدة تقوم بقصف داعش عبر تحالف من 65 دولة، معتبراً أن أبواب التحالف ستكون مفتوحة لمن يريد الانضمام، وخص بالذكر روسيا.

ولم يتحدث أوباما في خطابه عن سوريا إلا ثلاثة مرات بشكل مقتضب، عبر حديثه عن دعم قوات محلية حليفة على الأرض لمحاربة داعش، ولكن جون كيري في خطابه اختصر الاستراتيجية الأمريكية نحو سوريا في ثلاثة مستويات:

  1. تكثيف الحملة العسكرية على داعش .
  2. منع داعش من الانتشار إلى دول أخرى، مثل سوريا وذلك عبر دعم دول حليفة مثل لبنان والأردن، وتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة هذا التهديد، أو عبر محاولة احتواء أزمة النازحين واللاجئين في سورية والعراق.
  3. نزع فتيل الصراع في سورية، وذلك عبر اتفاق على انتقال سياسي يحافظ على سورية متماسكة، علمانية و"تسمح للسنة والإسماعيلين والمسيحيين، أن يعيشوا جميعا معاً "

ولعل الملف الشامل الذي نشره جيفري جولدبيرغ، والذي حمل عنوان "عقيدة أوباما"، هو أفضل شرح لنظرة أوباما للعالم.

 ومن المفيد - بل من الضروري والمهم جدا- الاطلاع عليه، فقد رفض أوباما أي اقتراح من أفراد إدارته لتوجيه ضربة للنظام السوري - حتى ضربة بسيطة في جنح الظلام لتوجيه رسالة للنظام كما اقترح وزير الخارجية جون كيري - مخافة الانخراط مرة أخرى في صراع في الشرق الأوسط كما يفعل بوتين، الذي يقول عنه أوباما :" يثمن بوتين العلاقة مع الولايات المتحدة، أكثر مما يعتقده الأمريكان، ويهمه دائما أن يبدو كند لنا، وأن ينسق معنا، فهو ليس غبيا تماما، فهو يفهم أن موقف روسيا بشكل عام في العالم قد انكمش، وغزوه للقرم أو محاولته دعم الأسد، لا يجعلانه فجأة طرفا فاعلا".

وأضاف أيضا:" إن القول بأن موقف روسيا أضحى أقوى في سوريا أو أوكرانيا ينم عن سوء فهم جذري لطبيعة النفوذ في العلاقات الخارجية أو في العالم كله، فالنفوذ الحقيقي يعني أن تحصل على ما تريد دون أن تلجأ للعنف...، إذا أراد بوتين أن يصرف موارد نظامه على عمل غير مجد في سوريا، يجب أن تدعه الولايات المتحدة وشأنه".

وهكذا إذن يخلص الكاتب المصاحب لأوباما في جولاته الكثيرة، أن أوباما توصل إلى عدد من الاستنتاجات المرتبطة ببعضها عن العالم وعن دور أمريكا فيه؛ أولها: أن الشرق الأوسط لم يعد ذي أهمية كبرى للمصالح الأمريكية.

 وثانيها:  أنه حتى وإن كان مهماً جداً لن يكون بإمكان رئيس أمريكي القيام بالكثير لجعله مكاناً أفضل.

 وثالثها: أن الرغبة الأمريكية المتأصلة بإصلاح المشاكل التي تظهر بأبشع صورها في الشرق الأوسط تؤدي دوماً إلى الحروب، وإلى موت جنود أمريكيين، وإلى نزيف مصداقية ونفوذ الولايات المتحدة.

 رابعها: أنه لا يمكن للعالم أن يتقبل تضاؤل نفوذ الولايات المتحدة"

محددات "أوباما" خلال عامه الأخير

وبعد هذا الاستعراض الموجز للرؤى الأمريكية، نستطيع القول أن محددات الموقف تجاه سوريا ستكون على الشكل التالي خلال عام أوباما الأخير :

  1. لم تعد سوريا _ ولا كل منطقة الشرق الأوسط _ مهمة بالنسبة للولايات المتحدة، التي تتجه للاكتفاء الذاتي من الطاقة بعد ثورة النفط الصخري لديها، والمشغولة بالزحف شرقا لمحاصرة التنين الصيني.
  2. تكمن أهمية سوريا أمريكيا - بعد التخلص من خطر الكيماوي_ في الخطر الذي يشكله تنظيم الدولة الإسلامية، أو القاعدة على المصالح الأمريكية، لكن حتى هذا الخطر ليس خطرا وجوديا على أمريكا، لذلك ستكتفي أمريكا بمحاصرته، ومنعه من التمدد، ودعم المقاتلين المحليين للقضاء عليه.
  3. تكمن المصلحة الأمريكية في رحيل بشار الأسد "دون نظامه"، في كون هذا الرحيل يمهد الطريق لتوافق وطني سوري على محاربة تنظيم الدولة والقاعدة بالاعتماد على "مؤسسات" الدولة التي بناها النظام.

وبناء عليه لن تدعم الولايات المتحدة أي مجهود يفضي إلى هزيمة بشار الأسد وتفكك نظامه كليا، فأمريكا لن تسمح برؤية "الأعلام السوداء ترفرف فوق مدينة دمشق"بحسب تعبير جون كيري، وهو ما يفسر الإغلاق الجزئي لغرفة (الموك والموم) منذ بداية العام 2016.

  1. تعتبر الولايات المتحدة تدخل بوتين في سوريا ورطة لروسيا واستنزاف لمواردها وتعرية أخلاقية لها، في منطقة لا تشكل أهمية لأمريكا، ولذلك لن تنخرط أمريكا في أي مجهودات لمواجهة بوتين، ولن تسمح لحلفائها بمواجهة بوتين كذلك، فالتصعيد مع بوتين وخروج الامور عن السيطرة يعني انخراط الولايات المتحدة مهما طال الأمر.

ثانيا - الموقف الروسي.. عين على سوريا، وعيون على الولايات المتحدة.

بدون سابق إنذار وخلافا لكل التوقعات، أعلن بوتين في 14/3/2016 انسحابه من سوريا جزئيا بعد أن "حققت الحملة أهدافها" بحسب تعبيره، ومن الصعب معرفة السبب الرئيسي الذي دفع بوتين لهذا الإعلان في الوقت الذي كان الأسد يحقق فيه الإنجازات العسكرية، كما كان من الصعب معرفة الأسباب التي دفعته للتدخل في سوريا، ويبدو بوتين سعيدا بالحيرة التي تعتري الدول، ولكن بالرغم من الغموض في فهم دوافع تحركات بوتين إلا أنه من الممكن تلخيصها – أو تلخيص جزء منها_ بالتالي:

  1. إنقاذ نظام الأسد الذي أوشك على السقوط وهو ما استطاع بوتين إنجازه إلى حد كبير.
  2. الانسحاب من موقع قوة، مع بقاء وجود قوات عسكرية للنظام وإيران وحزب الله في سوريا.
  3. بادرة انفتاح على السعودية: حيث حققت روسيا تفاهمات مهمة مع السعودية من خلال اتفاقية الدوحة التي ضمت الدولة الراعية بالإضافة لروسيا والسعودية وفنزويلا وهو ما استدعى ارتفاعاً في أسعار النفط بمعدل 40 بالمئة.
  4. العودة مرة أخرى إلى الساحة الدولية: وهو ما تعتقد روسيا أنها حققته إلى حد كبير، فقد تمكن بوتين من إقناع الأمريكيين باستبدال العمل في إطار مجموعة دعم سوريا المؤلفة من 17 دولة بالعمل في إطار ثنائي، وبالمحصلة أجبر الغرب والولايات المتحدة على التعامل والاتصال مع روسيا، بعد أن كان الهدف عزل روسيا نتيجة موقفها من أوكرانيا.

وكان تدخل روسيا عسكرياً مرجحا بالنسبة لروسيا، وتظهر المقارنة بالخرائط بين ما قبل وما بعد التدخل ،وكيف استطاعت روسيا تغيير خرائط السيطرة في أربعة محافظات لصالح الأسد، وهي  اللاذقية وحلب ودرعا والحسكة.

وفيما يلي خرائط توضح خسائر قوى الثورة بعد الغزو الروسي حتى نهاية شباط 2016


 

 

تعتبر الهدنة والاستثناءات المرافقة لها بمثابة توافق دولي أن الحرب الوحيدة المسموحة اليوم، والتي ستحظى بالدعم، هي الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة، وتريد روسيا من خلال مسعاها لإعادة تأهيل الأسد، ومنحه الشرعية لفرض الأسد على المجتمع الدولي كشريك وحيد _ بالإضافة لمليشيات PYD المتحالفة أساسا مع الأسد_ في الحرب على تنظيم الدولة، وذلك من خلال انتزاع جبهات المعارضة مع تنظيم الدولة، فارضة بذلك الأسد كما ذكرنا.

 وتوضح الخريطة أعلاه أن هامش المناورة مع الثوار ضيق للغاية في هذه الحالة، فخطوط الرباط المتبقية هي جيب صغير في ريف حلب الشمالي، وبعض مناطق ريف دمشق الشرقي،وعليه فإن خسران هذه الخطوط يعني أن الثوار فقدوا آخر منافذ شرعيتهم الدولية، كشركاء محليين معترف بهم دوليا، ويكونون في هذه الحالة قد حوصروا في غرب سوريا مع القاعدة وجند الأقصى، وسيتم اعتبارهم شيئا واحدا، وفي حال انهيار الهدنة بشكل شامل واستئناف القتال على نطاق واسع، فستتحول كافة مناطق الثوار لجزر معزولة تعاني الحصار الخانق حتى نهاية العام الحالي.

وبناء على ما سبق فإن الثوار مطالبين بتعديل استراتيجيتهم القتالية، بشكل يتماشى مع المتغيرات السياسية والإقليمية الجديدة.

 لقد أمرنا الله بالتوكل، ولكنه أمرنا أيضا بالأخذ بالأسباب، ومن الاخذ بالأسباب معرفة وضعنا الحقيقي بعيدا عن التمنيات والتطلعات والأحلام، فسنن الله سبحانه وتعالى قائمة لا تحابي مسلماً ولا كافراً " ولن تجد لسنة الله تبديلاً و لن تجد لسنة الله تحويلا" ، ولذلك فإنه من المهم القول أن الدول الداعمة للثورة " تركيا، قطر، السعودية" مرتبطة ارتباطا وثيقا بالولايات المتحدة الأمريكية، وثبت أنها لا تستطيع جميعا الخروج عن الإرادة الأمريكية مع أنها هي الدول المتضررة مباشرة _ بل ووجوديا_ من تداعيات الثورة السورية.

لعلّ الطريق الوحيد المتاح للثوار اليوم لكسب الشرعية وتحقيق الأهداف، هو قتال "تنظيم الدولة الإسلامية"، حيث تحتاج الولايات المتحدة لنصر كبير على تنظيم الدولة قبل انتهاء فترة أوباما، ولن تستطيع المليشيات الكردية التقدم والسيطرة على الرقة بدون ظهير عربي قوي من أبناء المنطقة.

 وهذا الظهير في طور التشكل فقد ذاق أهل الرقة من التنظيم الويلات، وذاقوا الويلات من نظام الأسد أيضا، ولذلك هم في أتم الاستعداد للتعاون مع هذه المليشيات للتخلص من هذا التنظيم كحد غير متوقع.

 إن إظهار الجاهزية التامة لقتال تنظيم الدولة سيلقى الدعم من الحلفاء بداية، وسيكون معركة سياسية وعسكرية شاقة لاكتساب الشرعية الدولية، كحليف محلي أساسي في الحرب على تنظيم الدولة، وقد يكون مفضلا أخيرا من قبل الولايات المتحدة، التي قد لا ترغب بمزيد من الحروب الأهلية بين الكورد والعرب في شمال سوريا.

وستكون استعادة الرقة من قبل الثوار نصراً استراتيجياً عظيماً، ومكسبًا كبيراً يقوي المعارضة تفاوضيا في جنيف، فالمكاسب على الأرض لا قيمة لها إذا لم تترجم لمكاسب سياسية يتحقق منها بعض الحرية لهذا الشعب المكلوم والمنكوب، والمنكل به شرً تنكيل كما لم يعرف التاريخ الحديث لذلك مثيل.

إنّ تنظيم الدولة عدو لا يقل ضراوة عن نظام الأسد لأن فكرهُ العقدي الإسلامي يغرر بطائفة لا يُستهان بها من الشعب السوري٫ مثلت حاضنة شعبية له وما تزال.

 وأثبتت الاحداث منذ اندلاع الحرب مع التنظيم في بداية 2014 ، أن الخسائر الكبرى التي مني بها الثوار كانت على يد هذا التنظيم، ويجب على الثوار الاستفادة من الأجواء الإقليمية والدولية التي فرضتها الولايات المتحدة للتخلص من هذا العدو وكسب الشرعية الدولية، وكذلك شرعية الحاضنة الشعبية، التي بدأت تشكك ببعض تصرفات الثوار، التي لا تتناسب مع أخلاقيات الثورة.

 فحذاري من أن تُضيّع الثورة بوصلتها الأخلاقية فيكون النظام كالأعمى الذي أراد أن يقاتل بصيرا ، فجرّه إلى قعر كهفٍ مظلم فأصبح هو و البصير على سواء.

ثالثا- هل على الثورة أن تصبح مطواعة للمجتمع الدولي؟

الاعتراف بالواقعية السياسية لا يعني أبداً أن الثورة لم تعد صاحبة قرار وطني رغم أنّها انصاعت بطريقة أو بأخرى للإملاءات الأمريكية وتحولت بعض الفصائل الثورية من فصائل وطنية إلى "صحوات"،  لمحاربة "التنظيمات الإسلامية"، إذا صح التعبير.

وإننا إذ نعترف أنّ الواقع المرّ الذي نعيشه هو ظالم للثوار في سوريا ولكنّه الواقع للأسف، ولا مجال إلا للتعامل معه برغم ظلمه،  للخروج من هذا المأزق بحد أدنى من الخسائر.

وبناء على ذلك فلا يبدو أن هناك مناصا للفصائل الثورية بكافة توجهاتها "الإسلامية وغيرها" ، من أن تنسق فيما بينها، لتوازع الأدوار في سوريا، حتى لا يتم حصار الثورة من قِبل الحلفاء قَبْل الاعداء.

وفي هذا الحال يمكن تقسيم المقاتلين السوريين إلى جزئين:

القسم الأول، يتفرغ لمقاتلة النظام في الساحل السوري و بعيداً عن التجمعات السكنية (إدلب وحلب و ريف حماة)، و القسم الآخر، يتجه شرقاً لمقاتلة "داعش" و استعادة المناطق التي تم سرقتها بالحيلة حيناً والقوة حيناً آخر خلال العامين المنصرمين.

فوائد قتال "نظام الأسد" في الساحل السوري

1- الساحل مناطق جبلية ستكون أفضل الأماكن لحماية المقاتلين من القصف، وتساعد جغرافيتها كثيرا الفصائل للتخفي و تحويل الصراع إلى حرب عصابات تكون الأقوى فيها، وهي الأسرع و الأسهل حركة.

2- غياب المدنيين: و بالتالي قلة الخسائر البشرية، فمهما كثرت الغارات الجوية فلن يكون هناك خسائر كبيرة في الساحل السوري، وبالتالي سيدخل العدو في معركة استنزاف.

3- انتقال المعارك إلى أرض العدو: معظم المهتمين بالشأن السوري يعلمون أن للنظام رأسان؛ في دمشق وفي الساحل، وأنّ ضرب رأس الافعى أنجع وأكثر تأثيراً.

4-  ضرب حاضنة النظام، و سحب مقاتليه من العاصمة: إن تحرير مدن و قرى الساحل سيدفع بكثير من مقاتلي النظام إلى العودة إلى قُراهم و أراضيهم لحمايتها.

رابعا- خطوات على طريق تجديد الثورة

 - 1المصالحة بين جميع الفصائل المقاتلة في الشمال السوري.

بداية لا بد من توحيد القيادة العسكرية في الشمال السوري، تحت راية الثورة وحلّ الحركات والألوية وجميع الفصائل المنفردة بنفسها.

إن بقاء التشتت الحالي من شأنه تآكل القوى الثورية لصالح النظام، فالله سبحانه و تعالى يقول :"ولا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم" ، فحالة التآكل الداخلي لقوى الثورة متزايد وباستمرار منذ بداية 2015 ، وحتى نهاية 2016  إذا ما بقي الحال كما هو فلن يبقى هناك أي مجال للبقاء.

-2 تفريغ المدن من المقاتلين:

إنّ سياسة تحرير المدن كانت سلاحا ذو حدين خطيرين، فكما أنّ لها ايجابيات كبيرة، حيث تحررت البلاد من طغيان الأسد، الذي دام لعقود، و لكنه حمل في طياته سلبيات كبيرة أيضاً، بدأ الجميع يدركها فيما بعد.

 حيث ابتدأت بإرهاق الثورة في تأمين حاجيات المدنيين و خدماتهم التي مُنِعت عنهم بسبب انسحاب الدولة السورية المرتهنة لنظام الأسد، وانتهاءً بكشف عورة الثورة، في عدم امتلاكها الكفاءات اللازمة لبناء نظام بديل، يكون قادراً على بسط سيطرته ونفوذه في المناطق المحررة، وفوق هذا وذاك الاقتتال الداخلي الذي سببّه الفراغ الأمني، والانحدار الأخلاقي من بعض الأطياف ممن ينسبون أنفسهم للثورة.

إنّ في إرسال المقاتلين إلى الجبهات مكاسب كبيرة، على مستوى حماية المدنيين،  ويعبر عن التزام المقاتلين بروح الشريعة الاسلامية في حماية الناس، وحقن دمائهم، وكذلك يوضح رغبة قوى الثورة في احترام القانون الدولي الإنساني، الذي يؤكد على ضرورة تحييد المدنيين عن الصراع.

ولعلّه من الأفضل لمقاتلي الجيش الحر و "الفصائل الإسلامية"، أن يدركوا أنه لا إمكانية لقوى الثورة أن تتجاهل المتغيرات الخارجية، والبقاء بين أظهر المدنيين، وبالتالي عليهم تفريغ المقرات داخل المدن، والانتقال الى جبهات واضحة المعالم، بعيدة عن المدن المكتظة بالمدنيين.

-3 إعلان إدارة مدنية للمناطق المحررة:

بعد تفريغ المدن المحررة من المقاتلين لا بد من جهة مدنية تدير شؤون الناس و يحتكم لها العامة فعندما تكون هذه القوى المدنية منتخبة، سيكون لها شرعيتها في استخدام القوة لبسط سلطتها و نفوذها.

وقد يفرض الواقع العسكري إدارة لامركزية، فبسبب التطورات الأخيرة في الريف الشمالي لحلب في شباط 2016،  فإن قوى الثورة أصبحت بحالة انفصال جغرافي في الشمال أيضاً، بعد أن كانت الجيوب الثورية حالة متعارف عليها للمنطقة الجنوبية المحيطة بالعاصمة دمشق.

إن هذا الواقع العسكري الجديد سيكون له تبعاته اللوجستية، التي تمنع الإدارات المدنية من اجراء حكم مركزي واحد، لكافة المناطق التي ارتضت لنفسها علم الثورة.

كما أنه على الفصائل العسكرية التابعة للثورة السورية أن تتبنى عقيدة عسكرية احترافية، يكون أساسها أن مهمة هذه التشكيلات السعي لبناء جيش سوري وطني هدفه الأساسي حماية الأرض والوطن من التهديدات الخارجية أساسا، والاستعداد لحماية مؤسسات الدولة عند الحاجة والطلب.

وعليه بالتالي أن تترك مهمة بناء وإدارة المجتمع ومؤسساته لأبنائه وكوادره المدنيين ومثقفيه وكفاءاته على اختلاف أشكالهم وانتماءاتهم.

الانشغال بهذه المهمة يمهد الطريق نحو الوصول إلى درجة حرفية عالية في العمل العسكري وعدم الانشغال بأمور هي من مهمات كوادر وأطياف المجتمع الأخرى (الثقافية والعلمية والمدنية والإعلامية  والدعوية )..

-4 هلاك الأسد أولاً، لكن داعش جعلت من نفسها جسراً:

إنه لشيء مؤسف أن يصطدم الثوار "بداعش" أولاً قبل القضاء على نظام الأسد، ولكن أصبح للثورة عدوان، لا مفر من مواجهتهما؛ الأسد الظالم والوالغ في دماء السوريين وأعراضهم، و لا بد من الاستبسال في مقاتلته حتى يسقط عن عرشه المادي، كما سقط عن عرشه المعنوي في قلوب السواد الأعظم من السوريين.

 و العدو الثاني هو تنظيم "داعش" الضال المضل، فلا بد للثوار من منافستها في بسط قيم العدل و الحرية و الأمان على مناطق سيطرتهم، حتى تزداد حاضنتهم الشعبية، و تتقلص حاضنة داعش، فصورة داعش الفجّة القبيحة بدأت تأكل حاضنتها من ذاتها، ومن هنا يصبح طردها من المناطق التي استلبتها من الجيش الحر أسهل وأثبت.

وحتى المواجهة العسكرية بين الطرفين لا بد أن تكون محسوبةً بعنايةٍ، وعليه صار أمام الثوار جبهتين لا بد من توزيع جهودهم عليهما بالتساوي:

أولاً : جبهة لمقاتلة النظام في الساحل السوري في الجبال والشعاب والوديان، وأيضاً بعيداً عن التجمعات السكنية، وهذا تأكيد لمصداقيتهم الأخلاقية حتى يتجنبوا قدر الإمكان الإضرار بالمدنيين.

ثانياً : جبهة داعش لردها على أعقابهم بالمحايلة أو المقاتلة وتحرير الرقة، وتقديم صورة إيجابية عن إدارة الثوار لها، وإشاعة الحرية والأمن والآمان فيها، والاستفادة من المساحات الواسعة الغنية بالموارد الطبيعية، وموارد الطاقة، مما يشدّ من عضد الثورة ويرفع من مستوى معيشة أهالي تلك المناطق.

خلاصة

لقد ركبت بعض الفصائل في الساحة السورية موجة الثورة لتحقيق أغراض خاصة وضيقة لا تخدم قضية الشعب السوري الرئيسة في نيل حريته وكرامته، إلا أنّ "داعش" كان التنظيم الأخطر الذي استغل ثورة الشعب السوري المنكوب لتحقيق خلافته المزعومة، فقد غرر بالشعب السوري، و لبّس عليهم وسرق أحلامه وأزهق أرواح أبنائه.

وليس هناك بد أمام الثوار من مواجهته وقتاله لأنّ نظام الأسد استفاد من وجود هذا التنظيم بشكل منقطع النظير فأكسبه من جديد شرعية دولية ودعماً متزايداً من حلفائه ما أضر أبلغ الضرر بالشعب السوري وثورته، وبالتالي أصبح القضاء على الأسد لا يمر إلا من بوابة "داعش"

ولكن لابد للثوار من ابتكار تكتيكات جديدة لمواجهة داعش، بحيث تكون المواجه شاملة (فكرية اجتماعية) بالدرجة الأولى لاستقطاب الحاضنة الشعبية وطمأنتها وذلك قبيل المواجهة العسكرية أو بالتوازي معها.

وهي خطوات ضرورية واستحقاقات مهمة وصعبة أمام الثوار لتحرير البلاد والعباد من الظلم والطغيان والتخلص من الارتهان للآلة العسكرية، التي طال عليها الأمد، والتي أضرت بالثورة وما خدمت إلا نظام الأسد.

 

  

____________________________________________________________________

(للاطلاع على الدراسة كاملةً يُرجى تحميل ملف pdf المُرفق أعلى الصفحة)

---------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2016

 

 

 

 

تصويت

هل أعجبك الموقع؟

القائمة البريدية


2015 © جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام, تنفيذ وتطوير شركة SkyIn