المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام
بعد الغوطة الشرقية.. 'الثورة' لم تربح و'النظام' انتصر على نفسه

بعد الغوطة الشرقية.. 'الثورة' لم تربح و'النظام' انتصر على...

يحيى الحاج نعسان: صحفي وباحث في الرأي العام

تاريخ النشر: 2018/04/04

 

 مدخل:

تأكدَ بعد نحو ثمان سنوات من انطلاق قطار التغيير في سورية 'الثورة' أنّ سلوك طريق العسكرة أكثر تكلفة بمرات عديدة من طريق التغيير السلمي، الذي بدأ به الحراك واستمر قرابة سنةٍ كاملةٍ من عمر "الثورة" الأول.

ورغم أنّ هناك أكثر مِنْ شاهدٍ على سعي "النظام في سورية" منذ البداية على سد أي أفق نحو التغيير المنشود[1]، الذي بدأ بقضية حقوقية، (اعتقال أطفال درعا وتعذيبهم ومعاملة أهلهم المهينة)، وصولا إلى قضايا اقتصادية وسياسية، لتتبلور بذلك الأهداف النظرية الرئيسة لـ "الثورة"، (عدالة - حرية - إسقاط نظام)، وفي قضية إسقاط النظام بالذات فقد انطلقت من فلسفة الحاجة إلى التغيير الحقيقي في النظام السياسي القائم، من نظام "ديكتاتوري شمولي" إلى نظام "شعبي ديمقراطي" يمثل الإرادة الحرة للسوريين.

 

وإن كان من الطبيعي أنّ يمانع "النظام القائم في سورية" لأسباب كثيرة؛ بنيوية وفكرية وتاريخية أي عملية تغيير جوهرية تجنب السوريين -كل السوريين – موالاة وثورة ومعارضة، هذا القتل وهذا الدمار، فإن ذلك ليس مفهوما وليس مقبولا بحال، من الطرف الآخر الذي حظي بفرصة وإن لم تكن مثالية، وفي أكثر من مكان في سورية لبناء نموذج يحاكي أهداف "الثورة" في الحرية والعدالة والتغيير الديمقراطي التي رفعها بحراكه السلمي واستمر في ذلك حتى إلى ما بعد العسكرة.

 

إلا أنّ ما جرى هو العكس تماما فقد ذهبت معظم قوى هذا الطرف الآخر، (قوى الثورة والمعارضة) مذهبا آخر، حيث ارتكبت وماتزال كل موبقة خرجت "جموع السوريين" من أجلها ضد "النظام"، كالاستبداد السياسي والظلم ومصادرة الحريات، ولم يحافظوا على أي شيء جيد من مكتسبات "الدولة السورية"، كموضوع التعليم والمنشآت الزراعية والصناعية، بمعنى آخر فقد ارتكبوا سيئات "النظام" ودمروا ماكان موجوداً من حسنات.

 

وبعد كل ما سبق يأتي سقوط معظم أجزاء الغوطة الشرقية المحاصرة مؤخرا، كآخر معقل لقوى "الثورة والمعارضة" في خاصرة العاصمة دمشق، ليدق ناقوس الخطر الحقيقي ليس لفشل "ثورة شعبية" في تحقيق أحلام التغيير الوردية التي طرحتها فحسب، وإنما لضياع شعب ووطن بأكمله بين مطرقة "نظام مستبد " رافض للتغيير[2] وسندان "قوى ثورية ومعارضة" مشتتة ومتناثرة ومتناحرة فيما بينها لا تملك حتى الساعة أي رؤية فكرية وبنيوية توازي تضحيات السوريين وآلامهم.

 

أولا- تساؤلات الدراسة:

  1. ما أسباب سقوط معظم أجزاء الغوطة الشرقية بيد النظام وحليفه الروسي؟
  2. ما الآثار السلبية المجتمعية والسياسية المترتبة على تهجير أهالي الغوطة الشرقية إلى الشمال السوري؟
  3. كيف يمكن تخفيف تبعات وآثار المُهَجَّرين الجدد إلى الشمال السوري؟
  4. بعد ثمان سنوات وبعد سقوط آخر معقل لقوى "الثورة والمعارضة" في خاصرة العاصمة دمشق، هل انتهى الحلم لدى جمهور "الثورة" السورية بتحقيق أهدافهم الأولى التي طرحوها في "الحرية والعدالة وتغيير النظام"، والتي خرجت جموع السوريين لتأييدها بمظاهرات عارمة عمّت معظم أرجاء البلاد لشهور طويلة؟

ثانيا: منهج الدراسة وأدواتها:

من أجل الإجابة على تساؤلات الدراسة تمّ اختيار المنهج المسحي بأداتيه؛ أداة (مجموعة النقاش المركزة) مع عدد من الباحثين السوريين للإجابة على تساؤلات البحث بشكل كيفي، وأداة (بطاقة الاستبانة) للإجابة على أهم تساؤل يطرحه البحث كاستشراف للمستقبل وهو آخر تساؤلات الدراسة، ومقارنتها مع الإجابات الكيفية التي توصلت إليها الدراسة عبر النقاش المباشر مع الباحثين.

 

ثالثا: مجتمع الدراسة واختيار العينة:

تم اختيار العينة بناء على طبيعة الموضوع من الباحثين بالنسبة للأسلوب الكيفي، (مجموعة النقاش المركزة) ومن الإعلاميين والباحثين بالنسبة للأسلوب الكمي المستخدم في الدراسة، (بطاقة الاستبانة)، وتم اختيار العينة الأولى بشكل عمدي والثانية بشكل عشوائي.

وبناء على طبيعة الموضوع أيضا فإن مجتمع الدراسة الذي تم اختيار العينة منه هو مجتمع "الثورة والمعارضة".

 

المبحث الأول: لماذا سقطت الغوطة الشرقية بيد النظام وحليفه الروسي؟

رغم أنّ هناك أسبابا خارجية لا يُستهان بها أدّت إلى سقوط الغوطة الشرقية بعد صمودٍ دامَ نحو خمس سنوات في ظل حصار محكم من قوات "نظام الأسد" في سورية وما يسمى القوات الرديفة؛ وهي عبارة عن ميليشيات منوعة محلية وإقليمية معظمها طائفي، إضافة إلى قوات روسية دخلت إلى القتال بشكل مباشر إلى جانب النظام مع نهاية عام 2015.

 

ولكن هناك أسباباً داخلية لا تقل أهمية عن تلك الخارجية وربما تفوقها، كما لا يمكن فصل كل منها عن الأخرى، وذلك بسبب التأثير السببي المتبادل والمتداخل بينهما.

أولا-الأسباب الداخلية:

اتفق الباحثون المشاركون في مجموعة النقاش الخاصة بالدراسة على تقسيم الأسباب الداخلية لسقوط الغوطة الشرقية بيد النظام وحليفه الروسي إلى[3]:

أ- أسباب فكرية؛ تتمثل بالصراع الإيديولوجي بين فصائل الغوطة الشرقية بنموذجيه "السلفي والإخواني" متداخلا مع البعد المناطقي والبعد الإقليمي الذي سيأتي ذكره في الأسباب الخارجية، ومبتعدا في نفس الوقت عن التيار "الثوري" الجامع الأمر الذي أدى إلى اختلاف وتناحر بين فصائل الغوطة أوقع بينها العديد من المواجهات الدامية[4].

 

وأدى هذا الاقتتال في النصف الثاني من العام 2016 إلى تقسيم الغوطة الشرقية المحاصرة إلى ثلاثة قطاعات مترابطة في الظاهر ومنفصلة في الواقع؛ هي القطاع الشمالي (دوما ومسرابا والشيفونية والريحان..)، والقطاع الأوسط، ( جوبر وعربين وزملكا وسقبا وحمورية وكفربطنا وجسرين وحزة)، وقطاع حرستا( حرستا ومديرا وبيت سوى)، وإلى استغلال قوات النظام وحلفائه الاقتتال الحاصل بين الفصائل والسيطرة على مساحات واسعة من الغوطة الشرقية معظمها من المساحات الزراعية التي كانت تزيد من عوامل صمود الغوطة في وجه المحاصِرين.

 

إن الدماء التي أريقت بين أبناء الغوطة الشرقية على يد فصائلها المتناحرة، إضافة إلى الممارسات القمعية [5]من قبل هذه الفصائل ضد من يخالف سياستها أو ينتقدها، جعل هذه الفصائل تفتقد جزءا كبيرا من الحاضنة الشعبية، وقد أظهر استطلاع للرأي أجري في نهاية 2015 أي قبل الاقتتال الدامي بنحو 6 أشهر أنّ قرابة /40/ بالمئة من العيّنة المستهدفة من أهالي الغوطة يتهمون الفصائل العسكرية بأنها شريكة مع النظام في حصار الغوطة الشرقية[6].

 

ب- أسباب مادية، (اقتصادية، عسكرية)؛ أمّا الأسباب الاقتصادية فتتمثل بالحصار الذي خضعت له الغوطة الشرقية طيلة خمس سنوات من قبل قوات "النظام" وحلفائه، وقضمه رويدا رويدا للمساحات الزراعية الكبيرة التي كانت تساهم إلى درجة كبيرة في صمود أهالي الغوطة مستغلا حالة التناحر الفصائلي والفجوة التي بدأت تتسع بين المدنيين من جهة والفصائل المسيطرة في الغوطة من جهة أخرى.

وأما الأسباب العسكرية التي أدت إلى سقوط الغوطة الشرقية فيمكن مقاربتها من ثلاث نواح:

 

1- وحشية النظام وحلفائه عبر استخدام سياسة عسكرية قاسية جدا مترافقة مع حرب نفسية ضد الغوطة الشرقية لأهميتها وقربها من العاصمة دمشق طيلة سنوات الحصار من قصف مكثف للمدنيين إلى استخدام السلاح الكيماوي بأنواعه المختلفة في أكثر من موقعة كان أخطرها قصف الغوطة بغاز السارين الذي تسبب في مجزرة كبرى ليل 21/8/2013، قارب عدد ضحاياها 1500 إنسان من الغوطة الشرقية معظمهم من الأطفال والمدنيين.

 

 ويضاف إلى ذلك سياسة الأرض المحروقة التي استخدمها "النظام" وحلفاؤه في السيطرة على المليحة والقطاع الجنوبي من الغوطة الشرقية بين عامي 2014-2016، وأخيرا استخدام سياسة السد الزاحف مع حلفائه الروس التي تتفوق على سياسية الأرض المحروقة لناحية العنف والإجرام، وهي السياسة التي استخدمها الروس ضد النازيين الألمان في الحرب العالمية الثانية.

2- الضعف الأمني وغياب التنسيق الذي ظهر عبر جانبين؛ تمثل الأول في الاختراق الأمني الكبير من خلال ما بات يعرف بظاهرة "الضفادع" [7] لفيلق الرحمن في القطاع الأوسط التي كانت على صلة وثيقة مع النظام وسلمته كلاً من سقبا وكفربطنا وجسرين في حملته الأخيرة، وتمثل الجانب الثاني بغياب غرفة عمليات عسكرية مشتركة بين أكبر فصيلين في الغوطة الشرقية "جيش الإسلام وفيلق الرحمن" رغم ضخامة حجم الخطر المحدق بكليهما من قبل قوات "النظام" وحلفائه.

 

3- عدم اتخاذ استراتيجية دفاعية عسكرية مناسبة من قبل فصائل الغوطة أو استهتارها بهذه الناحية، فبينما كان "فيلق الرحمن" مركزا دفاعاته في الجهة الغربية حيث جوبر وعين ترما فإنه لم يعط اهتماما كافيا للجهة الشرقية للغوطة من ناحية المزارع (الأشعري- المحمدية- بيت نايم..)، في حين شاب خط الموت الذي وضعه "جيش الإسلام" من جهة الشرق للغوطة الشرقية العديد من النواقص؛ ففي العلم العسكري ينبغي أن يتكون أي خط دفاعي من ثلاث مستويات:

 

أ- المستوى الأول المؤلف من التجهيزات الهندسية التي تتضمن حقول ألغام م/أ و م/د وخنادق م/د لشل حركة العربات العسكرية واستهدافها في المحاولات التي تتقدم عليها لاختراق المنطقة، إضافة إلى الشبكات والأسلاك الشائكة.
ب- الخنادق الدفاعية والحفر والسواتر التي تتألف من مساند للرمي وخنادق المواصلات مع مقر القيادة ونقاط الدفاع فيما بينها ونقاط الإمداد والإخلاء.
ج- وفي النقطة الثالثة تأتي مقرات القيادة والذخائر والملاجئ.

وهذا لم يكن متوفرا بشكل كامل بالنسبة للخط الدفاعي الذي عمل عليه "جيش الإسلام" وأطلق عليه "خط الموت" معتقدا أنه كافٍ لمنع "النظام" وحلفائه من اقتحام الغوطة أقلها من جهة الشرق.

 

ويمكن القول إن كل الأسباب التي تقدمت يمكن إعادتها إلى الفشل الإداري للفصائل في تسخير إمكانات الغوطة الشرقية الكبيرة من مساحات زراعية واسعة وعدد كبير من المدن والبلدات ذات النظام العمراني الطابقي المساعد على الصمود، إضافة إلى العدد الكبير من السكان سواء المدنيين أو العسكريين، وكذلك إلى الفشل السياسي في توحيد كل هذه الطاقات في بوتقة "الثورة" وأهدافها الجامعة لكل السوريين.

 

ثانيا-الأسباب الخارجية

منذ إعلان "الخلافة الإسلامية" في سورية والعراق، وإعلان جبهة النصرة ارتباطها المباشر بتنظيم القاعدة، وتنظيمات أخرى متشابهة وذلك بين نهاية عام 2013 والنصف الأول من عام 2014، تغيرت توجهات وأفكار كثير من المفكرين والمثقفين ووسائل إعلام أجنبية وعربية تجاه مفهوم "الثورة" في سورية وبات الأعمّ الأغلب ينظر إلى الأحداث السورية على أنها إما حرب أهلية أو حرب ضد الإرهاب، وفي أحسن الأحوال صراع دولي وإقليمي على سورية، والشواهد في هذا المجال أكثر من أن تُعدُّ أو تحصى[8].

 

وفي سياق هذا الصراع أو الحرب على سورية يمكن إرجاع الأسباب الخارجية لكل ما يحصل في سورية عامة، ولسقوط الغوطة الشرقية مؤخرا بيد "النظام" وحليفه "الروسي" بشكل خاص إلى أربعة أسباب غير مباشرة، هي:

 

1- التفاهم الأوروبي الأميركي مع إيران حول برنامجها النووي
بحسب المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط فإن خلاصة ما تم التوصل إليه بعد اتفاق الدول الخمس دائمة العضوية وإيران هو فتح المجال أمام عودة إيران إلى الإقليم وممارسة دورها كقوة إقليمية مؤثرة واعتبار إيران دولة وأمة وليست قضية كما كان الحال في السنوات السابقة منذ 1979 حتى الآن، وهو ما يفتح الباب للتداعيات الاستراتيجية لهذا الاتفاق على اعتبار أنه يمثل بداية واضحة لنوع من الاختراق في علاقات إيران مع الغرب وأمريكا بصورة يمكن أن تؤثر على الأوضاع السياسية في المنطقة العربية والقضايا المثارة بداخله[9].


الأمر الذي يعني أن هذا الاتفاق سينعكس سلبا على" قوى الثورة والمعارضة" وإيجابا على إيران وحليفها" نظام الأسد" في سورية، عبر السكوت الأوروبي والأميركي على وجه الخصوص على التدخل السافر لإيران في دول الجوار الإقليمي.


2- تفاهمات كيري لافروف في عام 2016

إلى الآن ما يزال الغموض يلّف التفاهمات التي جرت بين وزيري خارجية أقوى دولتين في العالم، والتي أطلق عليها "تفاهمات كيري- لافروف" وتذكر بالثنائي السيء "سايكس- بيكو" ، إلا أن ما تسرّب عن هذه التفاهمات يكفي للقول بأن أميركا لا تسعى للتدخل وإنهاء المأساة السورية في الوقت القريب من خلال البقاء بعيدا عن المشهد في مقابل إطلاق يد الروس بشكل أكبر في سورية وهي كدولة عظمى أقل شأنا من أميركا إلا أنها تقف بجانب "النظام" بكل قوتها على عكس الأخيرة التي لم تقدم شيئاً للسوريين مع أنها تدّعي دعم مطالب "ثورتهم" المحقة في الانتقال السياسي والتغيير الديمقراطي.[10]

 

3- تفاهمات "أستانة" الثلاثية (تركيا، روسيا، إيران)

إن غموض مؤتمرات "أستانة" المتتابعة حول سورية يشكل أيضا سببا مهما لسقوط الغوطة الشرقية؛ فجميع المؤتمرات غابت عنها المؤتمرات الصحفية من جهة "قوى الثورة والمعارضة".

 

 وبينما كانت الأخبار تصدر من هنا وهناك لتقول دائما إن مناطق خفض التصعيد الناتجة عن اتفاقات "أستانة" تضم أربعة مناطق في سورية وأنّ الغوطة الشرقية جزء منها، فقد رأينا أن كلاً من "فيلق الرحمن وجيش الإسلام" قد وقعا اتفاقات خفض تصعيد منفردة في جنيف والقاهرة مع الروس.

وهنا لابد من طرح التساؤل التالي؛ إذا كانت الاتفاقات الثلاثية في "أستانة" تشمل الغوطة الشرقية، فلما التوقيع المنفرد مع روسيا من قبل الفصائل؟!

هذا الغموض ظهر أيضا مع بدء حملة "النظام" وحلفائه على مناطق شرق السكة الحديديّة في شمال سورية وتحديدا في ريف حماة وإدلب وحلب، حيث تبين فيما بعد أنّ هذه المناطق كانت ضمن اتفاقات خفض التصعيد كجزء من حصة "النظام" والروس، دون إعلام "المدنيين وحتى عناصر الفصائل العسكرية المسلحة" بذلك من قبل قيادات "قوى الثورة والمعارضة العسكرية" التي اتضح أنها على علم بذلك فيما بعد.

 

4- الصراع السعودي القطري

ظهر الصراع "السعودي –القطري" إلى العلن بدايات العام الماضي على خلفية نشر تصريحات نسبت إلى أمير قطر على وكالة قطر الرسمية للأنباء ينتقد فيها "العداء" الأميركي والسعودي تجاه إيران، وهو ما نفته قطر متهمة قراصنة وراء نشر هذه التصريحات على وكالة الأنباء الرسمية لها.[11]

وقد أضرّ هذا الصراع الذي تتسع هوته يوما بعد آخر أيّما ضرر بالقضية السورية برمتها فضلا عن ضرره الكبير الذي انعكس على فصيلي الغوطة الشرقية الرئيسين "جيش الإسلام وفيلق الرحمن" المحسوبين بشكل أو بآخر على السعودية وقطر بالترتيب.

 

وأما الأسباب الخارجية المباشرة لسقوط الغوطة فتعود إلى الاتفاق الروسي التركي الأخير حول عفرين، حيث اضطرت تركيا كأهم صديق لـ"قوى الثورة والمعارضة السورية" إلى السكوت عن الحملة العسكرية المشتركة من قبل روسيا و"النظام" في سورية ضد فصائل الغوطة الشرقية، في مقابل السكوت الروسي عن العملية العسكرية الأخيرة التي شنتها تركيا مع بعض فصائل "الثورة والمعارضة" في مدينة عفرين ضد مسلحي "ب ي د" الذين تعتبرهم أنقرة منظمة إرهابية ويشكلون الخطر الأول والأكبر على أمنها القومي.

 

المبحث الثاني: الآثار السلبية "المجتمعية والسياسية" المترتبة على تهجير أهالي الغوطة الشرقية إلى الشمال السوري؟

تواصل القوافل السيّارة برعاية "روسيا" وسكوت أممي إخراج أهالي الغوطة الشرقية من مدنيين وعسكريين باتجاه الشمال السوري، وتحديدا ريف حماة الشمالي وإدلب وريفها وريف حلب في الوقت الحالي.

 

وقد فاق عدد الواصلين إلى هناك أربعين ألف مهجر، وذلك من معظم أجزاء الغوطة الشرقية عدا مدينة دوما التي خرجت منها عدة قوافل فيما لا يزال "جيش الإسلام" يفاوض الروس في ظل توقعات بخروج العسكريين إلى القلمون الشرقي أو مناطق " درع الفرات" ومدنيي دوما البالغ عددهم قرابة 180 ألفاً إلى الشمال السوري، وهذا ما ينفيه "مسؤولو" جيش الإسلام" حتى كتابة هذه السطور مصرّين على أنهم يفاوضون الروس على البقاء وليس على الخروج. [12] 

 

أولا - الارتدادات المجتمعية لتهجير أهالي الغوطة الشرقية

تأتي أعداد المهجرين الغفيرة من الغوطة الشرقية وقوافل سبقتها من الزبداني ومضايا والقدم بريف دمشق وحي الوعر في مدينة حمص، لتشكل عبئا ثقيلا آخر على منطقة الشمال السوري "إدلب وماحولها"؛ هذه المنطقة التي تشهد صراعات بينية بين فصائلها العسكرية المحسوبة على" قوى الثورة والمعارضة" من جهة والمحسوبة على تنظيم القاعدة من جهة أخرى، فضلا عن معاناتها من عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي وحتى الاجتماعي نتيجة لاستهدافها بشكل مستمر من قبل "النظام" وحلفائه بحروب مختلفة الصنوف.

وفي هذا الإطار يمكن رسم سياقات الارتدادات المجتمعية للتهجير في أربعة جوانب رئيسة:

 

أ- الجانب النفسي والمعنوي:

إن لسقوط الغوطة الشرقية وتهجير أهلها إلى الشمال السوري أثر نفسي ومعنوي سيء جدا لدى "جمهور الثورة والمعارضة" بشكل عام، لناحية مخاطر انهيار معنويات الصمود والمقاومة، وجمهور ومنتسبي فصائل "الثورة والمعارضة" في تلك المناطق التي لم يُسيطر عليها "النظام" وحلفائه بعد!، ويعتقد أن نشر شعور الإحباط واليأس هذا كان ضمن أهم أهداف حملة الروس العسكرية الأخيرة على الغوطة.

 

2- جانب الانغلاق الاجتماعي والتفكيك الأسري:

إن منطقة الشمال السوري تكاد تصبح كلها من لون طائفي واحد "السنة" وهو ما سيساهم في الانغلاق الاجتماعي وفقدان ميزة التنوع بين مكونات الشعب السوري الديني والثقافي والعرقي، وهو يعطي مؤشرات خطرة لناحية سهولة تقسيم سورية سياسيا بناءً على التموضع الاجتماعي الجديد ونمو جيل ضيق الأفق يتميز بالسلبية تجاه المختلف، بعكس مجتمع "النظام" الذي يسعى جاهدا للحفاظ على التنوع ويلعب بها كورقة في وجه المجتمع الدولي ((حامي التنوع والأقليات)).

 

وفي هذا الإطار أيضا لابد من الإشارة إلى خطورة التمزق الأسري لتهجير أهالي الغوطة على خلفية تفريق العائلات وأحيانا العائلة الواحدة بين مجموعات اختارت البقاء في الغوطة ومجموعات أخرى اختارت الخروج وعدم البقاء تحت كنف "النظام" وهذا ما سيولد نوعا من الصراع الفكري بين الأسر والعوائل الواحدة، استخدمه وسيستخدمه "النظام" في ضرب أبناء ليس المجتمع السوري فحسب، وإنما أبناء العائلة الواحدة بعضهم ببعض.

 

3- الجانب المعيشي:

تشكل الكثافة السكانية المتزايدة في إدلب وريفها وعدم جاهزية البنى التحتية وهروب كثير من أصحاب رؤوس الأموال والمشاريع نتيجة الصراع والحرب المستمرة، إضافة إلى عدم وجود منظمات إنسانية دولية، عدا منظمة /IHH/ التركية لأسباب عديدة أبرزها متعلق بوجود فصائل مصنفة على لوائح الإرهاب الدولي[13]، تحديات أمنية اقتصادية لناحية الصراع على الموارد المعاشية والاقتصادية القليلة في البلاد من معابر وأسواق مال وغيرهما.

 

4- الجانب التربوي والتعليمي:

إن ضعف المؤسسات التربوية والتعليمية في الشمال السوري وعدم قدرتها على استيعاب الأعداد الجديدة من التلاميذ والطلاب الذين يعانون من انقطاع شبة تام عن العملية التربوية والتعليمة أقلها في السنة الأخيرة سيولد تحديا كبيرا وخطيرا لدى المجتمع المضيف والضيوف، خاصة إذا ما علمنا أنّ هذه المؤسسات تعاني أصلا من تضارب في توجهات الفصائل الإيديولوجية وصراعاتها المستمرة ومن التخريب الذي لحق وما يزال ببناها التحتية عبر المعارك والقصف المستمر لها من قبل قوات "النظام" وحلفائه.

ومما يزيد صعوبة هذا التحدي توقف العديد من المنظمات الدولية عن دعم المؤسسات التربوية والتعليمية في إدلب وريفها[14]

وبالطبع فإن هذه الجوانب الأربعة غير منفصلة عن بعضها البعض وإنما كل منها قد يكون سببا ونتيجة للجانب الآخر في نفس الوقت.

 

ثانيا - الارتدادات السياسية لتهجير أهالي الغوطة الشرقية:

مما لا شك فيه أن سيطرة "النظام" على أكثر من 90 بالمئة من الغوطة الشرقية كآخر معقل لفصائل المعارضة العسكرية في خاصرة العاصمة دمشق سيضعف موقف "هيئة التفاوض" التي انبثقت عن مؤتمر الرياض2، وكل الهيئات السياسية التي "تمثل قوى الثورة والمعارضة".

 

ولكن في المقابل فإنّ المجتمع الدولي لم يساعد "قوى الثورة والمعارضة" أو يمكنّها من أخذ أي مكسب سياسي من "النظام" وحلفائه وهي تسيطر على مساحة /65/ في المئة من الأرض السورية، فمن الطبيعي أنها لن تحقق ذلك الآن بعد سقوط معظم أجزاء الغوطة الشرقية وغيرها من المناطق التي سبقتها.

ومن ناحية أخرى فإن سقوط الغوطة الشرقية بيد "النظام" وحلفائه وتأمينهم للعاصمة دمشق بشكل كبير لم يكن مفاجئا وإنما كان أمرا حتميا لجميع الأسباب التي تمّ ذكرها آنفا، فقد كفر كثير من الناس بـ"الثورة والثوار" لأنّ البدائل التي قدمتها قوى من تدّعي تمثيل "الثورة" كانت متشددة وغير متسامحة وأبعد ما تكون عن المفهوم الذي رسمه الناس لـ"الثورة" في عقولهم وضمائرهم.

 

وعلى كل حال لا يبدو أنّ هناك أي مؤشرات لأن تحقق القوى السياسية الممثلة لقوى "الثورة والمعارضة" وهي على تركيبتها الحالية أي إنجاز سياسي في المدى المنظور، وهذا ما يراه غير واحد ممن ينتسبون لهذه القوى نفسها [15]، وهذا ما سينعكس سلبا على الحالة النفسية والمعنوية لجمهور "الثورة والمعارضة" وسيجد نفسه أمام خيارين إما التطرف نتيجة حقده على كل ما حوله بسبب الظلم، أو العودة إلى "حضن النظام" كردّة فعل داخلية انتقامية من نفسه ومن الآخرين.

 

ويبقى هناك خيار ثالث يسعى إليه معظم جمهور "الثورة والمعارضة" وهو الهروب إلى خارج البلاد حيث "لا ثورة ولا معارضة" ولا "نظام"، وليس أدلَّ على هذا الخيار من أن معظم من خرج من أهالي الغوطة وخاصة فئة الشباب إلى إدلب يتواصلون مع أصدقائهم ومعارفهم في تركيا باحثين عن طريق يعتقدون أن فيه الخلاص لكل ما هم فيه.

 

ثالثا - كيف يمكن تخفيف تبعات المهجرين الجدد إلى الشمال السوري؟

لا يمكن التخفيف من الآثار السلبية لعملية تهجير أهالي الغوطة الشرقية إلى الشمال السوري إلا من خلال إيجاد الحلول المناسبة للتحديات المُشار إليها أعلاه، وفي مقدمتها التحدي المعاشي والتربوي والتعليمي المترتب عليه كثير من الأمور الأخرى سلبا أو إيجابا.

 

ورغم أنّ أهالي منطقة إدلب وريفها يقدّمون صورة ناصعة في استقبال أهلهم القادمين من الغوطة الشرقية ومواساتهم والتخفيف عنهم، إلا أنّ الأعداد الكبيرة للوافدين والتي من المتوقع أن تزداد أضعافا فيما لو حُسمت قضية إخراج أهالي دوما المتبقين إلى الشمال أيضا، وهذا كله يحتاج إلى عمل مؤسساتي منظم لا يقوى المجتمع على حمله كأفراد.

ومن أجل تجاوز هذه الأزمة بنجاح لابد من وضع أمرين مهمين في الحسبان؛ وهما:

 

1- الجانب الأمني والعسكري: لا بد من تحييد الوافدين الجدد عن أي صراع في الشمال السوري، وهذا الأمر له جانبان الأول متعلق بالوافدين أنفسهم من حيث أن هناك خلافات أيديولوجية فكرية بين المجموعات التي وصلت إلى الشمال، وهذا الأمر يمكن تجاوزه بالانزياح الجغرافي في توزيع تلك الجماعات على مناطق الشمال السوري.


وأما الجانب الثاني فمتعلق بالمجتمع المضيف، الذي يعاني أيضا من وجود أيديولوجيات فكرية متناقضة ومتصارعة، وغالبا ستؤدي الزيادة السكانية الجديدة التي تعاني من نفس المشكلة إلى اصطفافات جديدة تسهم في تأجيج الصراع الموجود أصلا، وهذا الأمر لا يمكن تجاوزه إلا عبر وجود شرط قانوني محلي مقبول إلى حد ما، يمكن أن يخفف من هذه الصراعات أو يضبطها.


وهذا الشرط القانوني غير متوفر في إدلب وريفها وإنما متوفر إلى حد ما في مناطق "درع الفرات وغص الزيتون"، لذلك فإن استقرار العدد الأكبر من الوافدين الجدد من الغوطة الشرقية في تلك المناطق سيخفف من احتمال تأجيج الصراعات الموجودة أصلا، كما أن تلك المناطق تتمتع بالحد الأدنى المقبول من البنى التحتية والفوقية، وهو ما سيساعد في تخفيف التحديات المعاشية والتربوية وليس العسكرية والأمنية فقط.


2- الجانب الاقتصادي والاجتماعي والإنساني: تشكو إدلب وريفها من غياب كبير للمنظمات الدولية والإنسانية التي يمكن أن تخفف من أعباء هذا العدد الكبير من الوافدين خاصة إذا ما علمنا أن أولئك الوافدين لديهم معاناة كبيرة جدا حيث خرجوا من حصار قاسٍ ترافق مع حرب مستعرة لمدة خمس سنوات تسببت لهم بأضرار فادحة صحيا واجتماعيا ونفسيا واقتصاديا.

 

وفي هذا المجال بالذات لابد لـ"الحكومة السورية المؤقتة" أن تعمل على التواصل مع جهات ومنظمات دولية إنسانية لتلبية حاجات المهجرين وحاجات المنطقة المتزايدة، كما ينبغي التركيز أيضا على برامج الدعم النفسي وخاصة للأطفال المهجرين.

 

وبقدر ضخامة هذا التحدي لـ"الحكومة المؤقتة ومن ورائها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" بقدر ما هو فرصة لهما لاستعادة الثقة المفقودة بهما من الحاضنة الشعبية التي خرجت يوما ما بمئات الآلاف رافعة شعار" المجلس الوطني يمثلني"، الذي تحول إلى الائتلاف الوطني بعد التوسعة لاحقا، وذلك عبر النجاح بإدارة ملف مهجري الغوطة الشرقية واستثماره.[16]

 

المبحث الثالث: آفاق "الثورة السورية" بعد سقوط الغوطة الشرقية

إذا ما وضعنا مسألة الاختلاف على التوصيف الحالي لواقع الأحداث في سورية جانبا؛ بين من يرى فيما يحدث أنّه "ثورة" وبين من يرى أنّه صراع إقليمي ودولي على سورية أو حرب سورية، إلى ما هنالك من مصطلحات متداولة في هذا الشأن، واتفقنا على أنّ الشرارة الأولى للأحداث التي انطلقت ربيع عام 2011 من مدينة درعا جنوب سورية، هي شرارة ثورة شعبية محقّة اعترف حتى "رأس النظام" بشرعية مطالبها في الحرية والعدالة والتغيير الديمقراطي في خطابه الأول 20/6/2011، رغم تمسكه بفكرة المؤامرة الخارجية[17]، وصدّقتها الساحات السورية التي غصت بهتاف ملايين السوريين "الشعب يريد إسقاط النظام".

 

أولا-آفاق ومستقبل الثورة السورية (رؤية كيفية بحثية)

انطلاقا مما ورد أعلاه فإن الثورة السورية وإنْ لم تربح وتحقق أهدافها، إلا أنها لم تنتهِ بسقوط الغوطة الشرقية ولن تنتهي بسقوط أي قطعة جغرافية من سورية بيد النظام، فهي – أي "الثورة"-فكر وقيم؛ وبهذا المعنى لا يمكن أن تخسر، فحتى لو استطاع "النظام" الانتصار عسكريا بشكل نهائي – وهو أمر مستبعد-  بمساعدة  حليفه الروسي القوي فسيجد نفسه ومعه الروس أيضا أمام تحديات أمنية واقتصادية ضخمة.

 

وروسيا تدرك كدولة عظمى أن "النظام" ليس قادرا في حال انتهى القتال لمصلحته من السيطرة على الميليشيات العسكرية والمافيات الجديدة التي تعتبر نفسها الأحق بالسلطة لأنها صاحبة الفضل في منع سقوط "النظام"، وهي بهذا المعنى لن تتخلى عن مكتسباتها أبداً [18]، وبالتالي فإن "النظام" سيدخل في صراع أمنيّ وعسكريّ دمويّ مع مكوناته.

وفي هذا السياق فإن روسيا وليس "النظام" ستجد نفسها مضطرة من جديد للتعاون مع الفئات الاجتماعية التي أهملتها و"النظام" وقاما بصراعات وتهميش مقصود ضدها.

 

وبهذا المعنى فإن روسيا، التي باتت تملك "الأسد" كاملا وليس نصيبه فحسب، لن تكون قادرة على إرساء الأمن والاستقرار في سورية والاستثمار السياسي والاقتصادي فيها إلا من خلال حلٍّ سياسيٍّ عادلٍ إلى حد ما، يقتضي تغييراً جذرياً في سلوك "النظام" على الأقل، وبالتالي حتى مع خسارة "الثورة" عسكريا وعدم تحقيق أهدافها بشكل مباشر فإنها ستكون النتيجة الحتمية للتغيير، ما يعني انتصارا لروح الثورة إن لم نقل لمفهوم "الثورة" الحقيقي المبني على التراكم.  

 

يمكن القول إن ما تقدَّمَ هو رؤية لانعكاس تأثيرات الثورة وتراكماتها في "النظام" السوري وحلفائه، ولكن بالمقابل فإنه ما يزال أمام "قوى الثورة" الحقيقية الكثير لتفعله ليس فقط بعد سقوط الغوطة الشرقية وحتى بعد أي منطقة أخرى قد تسقط عسكريا لاحقا من يد هذه القوى أو ممن يتحدثون باسمها.

هذا الكثير له ثلاثة جوانب رئيسة:

  1. جانب فكري يكمن في العمل على نشر مبادئ "الثورة" وقيمها الأخلاقية والسياسية في العدل والحرية وإعلاء كرامة المواطن السوري والتغيير الديمقراطي.
  2. جانب قانوني يتمثل في مطاردة مجرمي الحرب والجرائم ضد الإنسانية ضد الشعب السوري ومن جميع الأطراف وجمع كافة الأدلة والوثائق التي تدينهم قانونا وأخلاقا.
  3. جانب إعلامي يسلط الضوء على مأساة السوريين ويدعو إلى وحدتهم وتماسكهم الاجتماعي ويسعى إلى تشكيل رأي عام محلي وإقليمي ودولي متعاطف مع قضايا السوريين وحقهم في العيش الكريم وتقرير مصيرهم بأنفسهم بشكل حقيقي.

ثانيا-آفاق ومستقبل الثورة السورية (رؤية بحثية كمية)

نظرا لأهمية استشراف مستقبل ومصير "الثورة السورية" بعد سقوط الغوطة الشرقية تم عرضه كتساؤل أخير من تساؤلات الدراسة، فقد تمّ إلى جانب استطلاع رأي الباحثين كيفيا بهذا الموضوع عبر النقاش الموسع، إجراء استطلاع رأي كمّيٍّ حول نفس الموضوع أيضا لمجموعة من الباحثين والصحفيين ممن ينتمون إلى "قوى الثورة والمعارضة" وصل عددهم /50/ شخصا، وذلك لمقارنة النتائج الكمية بالنتائج الكيفية، إما لتعزيز الرؤية الكيفية حول مستقبل الثورة أو نقضها.

 

وفي استطلاع الرأي الكمي تمّ طرح سؤلان فقط على العينة المذكورة أعلاه، حول مصير ومستقبل "الثورة السورية" بعد سقوط الغوطة الشرقية؛ الأول مغلق بشكل كامل والثاني مختلط وجاءت النتائج على النحو الآتي:

 

  • السؤال الأول: هل تعتقد أنّ "الثورة" السورية انتهت بعد سقوط الغوطة الشرقية بيد "النظام" وحليفه الروسي؟

                                                                          

 

أجاب /84/ في المئة من العينة المستهدفة بـ"لا"، ونحو /16/ في المئة فقط أجاب بـ"نعم"، وقد أتت هذه النتيجة من قبل عينة نخبوية تمثل الشريحة الأكثر قراءة ودراية للواقع السوري عبر اختصاصهم، لتؤكد الفرضية التي قامت عليها الدراسة والرؤية الكيفية التي توصلت إليها بالنقاش، وهي أنّ الثورة السورية وإن لم تربح وتحقق أهدافها فإنها لم ولن تُـهْزَم.

 

  • السؤال الثاني: إذا أجبت بـ "لا" فلماذا؟


لقد عزا /58.1/ في المئة ممن أجابوا بـ"لا" أي ممن يرون بأن الثورة السورية لم تنتهِ بسقوط الغوطة الشرقية إجابتهم إلى أربعة أسباب وهي:

  1. لأن "الثورة" فكر وقيم وهي بهذا المعنى لابد أن تنتصر في النهاية
  2. لأن النظام سقط فعليا منذ أمد، والروس والإيرانيون هم من يدير المشهد السوري بشكل فعلي
  3. ما يزال لدى الثورة أوراق قانونية وثقافية وإعلامية كثيرة تعمل عليها
  4. دون حل سياسي عادل لا يمكن للروس كدولة عظمى إعادة الأمن والاستقرار لسورية وإن انتصرت عسكريا بشكل نهائي

في حين أن/16/ في المئة منهم أجاب بـ"لا" لأنه يرى بأنّ النظام سقط فعليا وأن الروس والإيرانيين هم من يدير المشهد السوري بشكل فعلي، و/11.6/ في المئة أجاب بـ"لا" لأنه يرى أن الثورة قيم وفكر وهي بهذا المعنى لابد أن تنتصر في النهاية، وقرابة /5/ في المئة أجاب بـ"لا" لأنه يرى أنّه دون حل سياسي عادل لا يمكن للروس كدولة عظمى إعادة الأمن والاستقرار إلى سورية وإن انتصرت عسكريا بشكل نهائي، بينما أعطى الباقون إجابات متفرقة لا تتجاوز نسبة الإجابة الواحدة منها 2.5 في المئة.

 

خلاصة:

رغم سيطرة " النظام" وحلفائه على آخر معقل لـ" قوى الثورة والمعارضة" في خاصرة العاصمة دمشق ومن قبلها على أحياء حلب الشرقية، إلا أنّ ذلك لا يعني أنّ المسار العسكري في سورية قد انتهى، لابل إن المستقبل ينبئ بازدياد العنف والعسكرة في سورية، ولكن مع اختلاف في الأسلوب العسكري فيما بعد سقوط الغوطة الشرقية، التي يمكن القول أنها كانت المنطقة الوحيدة في سورية لجهة "الثورة والمعارضة" تمتلك جزءا كبيرا من قرارها.

 

وهذا الأسلوب المختلف سيقوم على تحالفات عسكرية مباشرة للفصائل - كل الفصائل- في سورية ومن جميع الأطراف تحت إشراف دولي كل فصيل من حليفه، تماما كما يشرف الروس والإيرانيون بشكل مباشر على جميع العمليات العسكرية لـ"النظام"، وإن الجغرافية العسكرية الحالية تؤكد ذلك.

 

كما أنّ هناك عدة أسباب تُعزِّز احتمال اندلاع حربٍ إقليمية أو دولية في المدى القريب لفضّ الاشتباك الحاصل بين جميع الأطراف المتنازعة في سورية وعليها، ورسم الخرائط شبه النهائية لملامح الشرق الأوسط الجديد، وأهمها:

 

  1. شِقاقٌ خليجي محكمٌ وبدء تشكل محوريين إقليميين "سنيّين" تزداد حدة العداء بينهما بشكل مضطرد يوما بعد يوم، وهذان المحوران هما؛ محور سعودي إماراتي مصري، ومحور قطري تركي.
  2. تفاقم الخلافات بين أوروبا وأميركا من جهة، وروسيا من جهة ثانية من خلال ما بات يعرف بأزمة "سكريبال"[19]، وبين أميركا وإيران أيضا وذلك يبدو من خلال التغييرات التي أحدثها الرئيس الأميركي "ترامب" في إدارته حيث عينّ اثنين في منصبين حساسين (الأمن القومي ووزارة الخارجية) من أشد المعادين لإيران وللاتفاق النووي الذي وقعته مع أوروبا وأميركا بنسخته النهائية عام2015.

وبغض النظر عن جميع السيناريوهات المحتملة يبقى الخطر الأكبر على الشعب السوري ومستقبل أبنائه ومستقبل "ثورته" ليس عدم سقوط "النظام" أو تأخر سقوطه فحسب!، وإنما فشل التحول الديمقراطي والمدني الحقيقي في سورية، كما حدث في مصر بعد سقوط نظام "مبارك" أو عودة نمو التيارات الدينية "المتشددة" أكثر مما كانت عليه في السابق، نتيجة الظلم والقهر الواقع على السوريين من النظام الدولي العالمي وحكومته المسماة بمجلس الأمن الدولي.


 

المراجع:

 

[1] -سورية ما تزال تُحكم بالمادة 8 من دستور 1973

https://geroun.net/archives/80373

[2] - هجوم عنيف من كاتب سوري موال للأسد على نظامه وإيران

http://cutt.us/hQxGT

[3] - شارك في مجموعة النقاش المركزة أربعة باحثين على جلستين طلب اثنان منهما عدم ذكر أسمائهما لأسباب خاصة، وأما الآخران فهما؛ النقيب رشيد حوراني باحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، ومحمد المصطفى باحث في الشؤون السياسية.

[4] - جذور الخلاف تشمل التمثيل السياسي والتوجهات الإيديولوجية: النظام هو الرابح الوحيد من اقتتال فصائل المعارضة المختلفة في الغوطة الشرقية http://www.alquds.co.uk/?p=715280

- استمرار التصعيد بين فصائل المعارضة بالغوطة الشرقية.. اشتباكات واتهامات متبادلة ومعارضون ينددون بالاقتتال

http://cutt.us/hAk5k

[5] - أبو لؤي عذب شابا وكتب اسمه على ظهره بالسكين https://www.zamanalwsl.net/news/article/79570

- تجمع ثوار سوريا: اعتقال "جيش الإسلام" للناشط أنس الخولي عمل انتقامي مدان http://cutt.us/06zut

[6] - /40/ في المئة من أهالي الغوطة الشرقية: بعض الفصائل والتجار يساهمون في حصار الغوطة مع النظام http://cutt.us/abBiO

[7] - هذه قصة "عميل الأسد" الذي سلّم مناطق في الغوطة للنظام (فيديو) http://cutt.us/IfsqT

 [8] - ما الذي يجري في سورية؟ / تلفزيون الجزيرة / الواقع العربي - ضيف الحلقة الدكتور برهان غليون رئيس المجلس الوطني السوري الأسبق -24/10/2015

http://cutt.us/L4JYr

[9] - الاتفاق النووي الإيراني وتداعياته الاستراتيجية/ المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط/3/12/2013

http://ncmes.org/ar/events/169

[10] - اتفاق كيري لافروف حول سورية: تخلّ أميركي وملامح تقسيم/ العربي الجديد-  15/9/2016

http://cutt.us/FKIN4

[11] - أربعة أسباب وراء توتر علاقات قطر مع جيرانها http://www.bbc.com/arabic/middleeast-40164799

[12] - اتفاق نهائي على إجلاء مقاتلين ومدنيين من دوما في الغوطة الشرقية، وجيش الإسلام ما يزال ينفي 01/04/2018 / ا.ف.ب/

https://www.afp.com/ar/news/27/doc-13j2382

 

[13]- مخاوف من "دعم الإرهاب" تعيق تحويلات مالية من الداعمين / مرصد الشمال السوري/02/01/2018

http://cutt.us/AZBTH

[14] - نفس المصدر

[15] - انظر مقابلة المعارض السوري" ميشيل كيلو" على السورية نت في 10/02/2016  http://cutt.us/fPJjF

[16] - قتلى في جمعة "المجلس الوطني يمثلني" بسوريا/ الجزيرة نت /7/10/2011 http://cutt.us/WBXF8

[17] - خطاب " الأسد" الأول بعد اندلاع شرارة الأحداث في سورية على مدرج جامعة دمشق 20/حزيران/2011 http://www.discover-syria.com/news/11645

[18]- زوجها يقاتل في الغوطة و(غرانديزر) يشبّح عليها في حمص https://alfayha.net/?p=54202

[19] - سيرغي سكريبال هو كولونيل سابق في الاستخبارات العسكرية الروسية قد تعرض لعملية تسميم في جنوب بريطانيا وحالته "حرجة"، وقد اتهمت بريطانيا روسيا بهذه العملية والتي نتج عنها إلى هذه اللحظة قيام كل من أميركا وبريطانيا وعدد من الدول الأوروبية الأخرى بطرد معظم الدبلوماسيين الروس من بلادهم وهددت روسيا بالمثل.

- انظر مقال بعنوان " أمريكا و14 دولة أوروبية تطرد دبلوماسيين روس.. وموسكو تعلق" /26/3/2018

http://cutt.us/2KNSN

 

____________________________________________________________________

(للاطلاع على الدراسة كملف pdf يُرجى تحميل الملف المُرفق أعلى الصفحة)

---------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2018

301.26 كيلوبايت

تابعنا على الفيسبوك

القائمة البريدية


تابعنا على تويتر

2015 © جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام, تنفيذ وتطوير شركة SkyIn