المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام
عوائق قضايا 'الإصلاح الديني المعاصرة' في سورية وآليات تجاوزها

عوائق قضايا 'الإصلاح الديني المعاصرة' في سورية وآليات تجاوزها

الكاتب: د. محمد خير الوزير

تاريخ النشر: 2018/04/17

 

رغم أنّه لم يخلُ زمان على مدار تاريخ المسلمين من تناول مسألة الإصلاح والتجديد الديني في الإسلام بالبحث والنقاش والتدقيق، إلا أنّ هذه المسألة تعتبر من المسائل القديمة المتجددة، نظرا لاختلاف القضايا التي يتم تناولها في هذا الشأن من عصر لآخر، فضلا عن اختلاف أساليب البحث والنقاش وأدواته المتغيرة بتغير الزمان والمكان أيضا.

 

فعلى مستوى القضايا الجديدة في هذا المضمار يمكن القول إن مسألتي "التطرف والإرهاب"، وعلاقة الدين بالدولة (العلمانية) تأتي في مقدمة هذه القضايا، ويلي ذلك قضايا قديمة متجددة كقضايا المرأة والانقسام الطائفي والمذهبي بين المسلمين وما ينتج عنه اليوم من اقتتال وحروب طاحنة، تُهلك الحرث والنسل تدميرا وتشريدا، فضلا عن قضايا كثيرة أخرى أقل أهمية.

 

وهنا لابد من الإشارة إلى أن المسلمين اليوم في عصر الاتصال الجماهيري يواجهون كل هذه القضايا أو الكثير منها جملة واحدة، في حين أنها كانت تأتيهم فرادى في الأزمان والعصور السابقة، وهذا اختلاف جديد طرأ على هذه المسألة أيضا، (مسألة الإصلاح والتجديد الديني)، ينبغي أخذه بعين الاعتبار، وذلك لناحية ترتيب أولويات الإصلاح وتطوير الأساليب المتبعة بذلك.

 

وبناء على ذلك سنعرض في هذا المبحث الصغير لمسألة الإصلاح والتجديد الديني في الإسلام وقضاياه المعاصرة ضمن محددات ثلاثة، وهي:

  1. الثوابت والمتغيرات في الإسلام
  2. المكان المعني بالمسألة (سورية)
  3. آليات الطرح، حيث يأتي طرح هذه المسألة من منظور سياسي واجتماعي، وليس من منظور ديني بحت، فالقضايا المُثارة كلها تنبع من مضمار الحاجة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولكن كونها ترتبط اقترابا وبعدا من الدين بشكل أو بآخر، فكان لزاما تحرير هذه المسألة وتوضيحها.

 

أولا-  مفهوم الإصلاح والتجديد الديني في الإسلام

في البداية لابد من القول إنّه لا يمكن لبشر أن يتناول "الإسلام" بإصلاح أو تهذيب لأن ما وضّحه الله وأكمله يكون في قمة الإصلاح وكمال التهذيب.

قال الله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"[1]

وبهذا المعنى فإنّ الذي يحتاج إلى إصلاح أو تجديد هو الخطاب الإسلامي وليس الدين الإسلامي؛ فالدين ثابت أما خطاب المسلمين وفهمهم للدين فقد شابه كثيرٌ من العوالق والفهم الخاطئ للنصوص عبر التاريخ الطويل، وذلك لأسباب مختلفة منها ما يعود إلى الجهل وأكثرها يتعلق بالمصلحة السياسية أو الاقتصادية ..الخ.

ومن هنا يأتي الاعتبار، بأنه لابد من النظر إلى هذه المسألة، (الإصلاح الديني في الإسلام) من المنظار السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالدرجة الأولى، فالكثير من القضايا المستحدثة إنما تخضع للأهواء والمصالح وليس للدين دخل بها لا من قريب ولا من بعيد.

 

وبالمعنى السابق فإننا بحاجة إلى إصلاح ديني يبشر بخطاب إسلامي مستنير يتّسق مع العقل ويُرسي منهج الإسلام الوسطي المعتدل حيث لا إفراط ولا تفريط.

وبالتالي فإن الخطاب الإسلامي في الواقع فيه كثير من الاختلاف عن حقيقة الدين الإسلامي، فعلى سبيل المثال فإن الدين لا يُعادي المرأة ولا ينتقص من قدرها، فقد قال رسول الله (ﷺ): "النساء شقائق الرجال"[2]، وفي هذا الباب هناك الكثير من الآيات والأحاديث القطعية التي تنص على احترام المرأة وحقوقها في الإسلام.

 

 كما أنّ الدين لا يتعارض مع العلم بل يحض عليه ويبين فضل العلماء والمتعلمين في عشرات المواضع من القرآن والسنة، ويكفي القول في هذا المضمار إن أول أية نزلت على قلب النبي محمد (ﷺ)، هي :"اقرأ باسم ربك الذي خلق"[3]، فضلا عن قوله تعالى:" قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ"[4]

 

وأما القضية الأخطر والتي بات يربطها أهل الأهواء والمصالح من الدول والأفراد بالإسلام زورا وبهتانا، إنما هي ظاهرة العنف والإرهاب، وإنّ المتتبع لنصوص القرآن الكريم ولأحاديث النبي محمد (ﷺ) الصحيحة لا يجد فيها إلا الحضَّ على التسامح والرحمة ومكارم الأخلاق.

 

وإن الآيات القرآنية التي تحض على التسامح ونبذ العنف مع غير المسلمين فضلا عن المسلمين تفوق 120 آيةً وكذلك فإن هناك عشرات الأحاديث النبوية في هذا الباب، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

قال الله تعالى :"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"[5]، وقال أيضا:" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين".[6]

كما قال أيضا :" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله، لا يحب المعتدين"[7]

وقال النبي (ﷺ) :" المسلم من سلم الناس من يده ولسانه".[8]

وقال أيضا:" أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للناس"[9]

وزبدة القول في هذه القضية أنّ الله قد شرع القتال في الإسلام في أحوال محدودة وضمن شروط كثيرة وذلك دفاعا عن النفس وحماية حرية المعتقد "الدين"، وهذا حق مشروع لم يكفله الإسلام فقط، وإنما كفلته كل الأديان السماوية والشرائع الأرضية ومنها القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني[10]

وكما جاء الحديث في أول الكلام حيث أنّ معظم القضايا والإشكاليات التي يربطها منتقدو الإسلام بالدين الإسلامي، فهي إما لفهم خاطئ يعود إلى ربط العمل الخاطئ بدين صاحب العمل وليس بصاحبه سواء كان فردا أو جماعة، أو لتحقيق أهواء ومصالح اقتصادية وسياسية لجماعات أو دول على حساب جماعات أو دول أخرى.

 

وفي هذا المقام لابد من التأكيد على أمرين:

1- الأمر الأول: إن الإصلاح الديني مطلوبٌ في كل عصرٍ وحين، وهو لا يعني تهذيب الدين أو تعديل نصوصه القطعية وثوابته، وإنما هو تهذيب للخطاب الإسلامي مما شابهُ من عوالقَ وبدعٍ ومن فهم خاطئ للنصوص على مدار التاريخ الطويل.

 

2- الأمر الثاني: الإسلام دين ينبذ العنف ويدعو إلى التسامح والعدل ومكارم الأخلاق وحرية الاعتقاد واحترام المرأة وحقوقها، ولا يجوز ربط الأعمال المشينة أو غير المقبولة بالإسلام لأن من قام بها من المسلمين أو يدّعي أنه منهم.

 

ثانياً- أهداف الإصلاح الديني في الإسلام

للإصلاح الديني هدفان رئيسان تنبثق عنهما أهداف أخرى كثيرة، وهذان الهدفان هما:

1- محاربة الغلو والتشدد (الإفراط)، وهو يعني إخضاع المتحركات في الدين للثوابت فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان ولو بقي الحكم في المتحركات على ما كان عليه للزم منه المشقّة والضّرر بالناس، وهذا يخالف مقاصد الإسلام وقواعده القائمة على التخفيف ورفع الضرر كما يقول ابن عابدين الفقيه الحنفي[11].


أما الفقيه الحنبلي "ابن عقيل" فيقول في هذا الصدد أيضا" السياسة ما كان فعلا يكون الناس به أقرب للصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يفعله الرسول ولا نزل بوحي[12].
وإن الآيات والأحاديث الشريفة التي تشير إلى أن هذا الدين يسر، وأنه جاء لدفع الضرر عن الناس وجلب المصلحة لهم كثيرة نذكر منها قول الله تعالى :"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"[13]، وقوله أيضا:" وما جعل عليكم في الدين من حرج"[14] وقول الرسول (ﷺ)" إِنَّ الدين يسر، وَلَنْ يُشادّ الدّين أَحَدٌ إِلاَّ غلبهُ"[15]

 

2- التصدي للتساهل والتراخي في ثوابت الدين القطعية (التفريط)، هذا الأمر يقوم على إعطاء العقل ومنحه صلاحية ووصاية على غيبيات تفوق مداركه.
وبالتالي فإن الإصلاح الديني المطلوب هو ما يتجاوز الإفراط بإبعاد العقل وتقزيم دوره، وهو ما لا يجوز، حيث يقول ابن القرطبي:" والصحيح الذي يعوّل عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يعرف الله ويفهم كلامه.


وفي الوقت نفسه فإن الإصلاح الديني المنشود يتجاوز قضية التفريط والاعتماد على العقل بشكل مطلق وكامل، فلو كان العقل كاملا وقادرا بمفرده على إدراك وفهم جميع الظواهر والمشاكل البشرية وإيجاد الحلول لها جميعا، لما أرسل الله الرسل والكتب لهداية الناس إلى الطريق القويم، وهو ما يقوله القرطبي أيضا في نفس الموضع: "ولما لم ينهض العقل بكل المراد من العبد أرسل الله الكتب والرسل"[16].

 

ثالثاً – عوائق الإصلاح والتجديد الديني

 

بناء على ما تقدّم يمكن الوصول إلى تصور عام عن أهم الأسباب التي تقف عائقا اليوم أمام الإصلاح الديني، بشكل عام وفي سورية خاصة وهي:

  1. الخلط بين ثوابت الدين القطعية ونصوصه المحكمة واجتهادات المفسرين ورواة الأحاديث وغيرهم.
  2. التحدث باسم الله تعالى أو النبي (ﷺ) وهو ما لا يجوز لأحد، بل إن كل أحد يقدم اجتهاداته منسوبة إليه، مقدما لها الشواهد من قول الله تعالى أو نبيه الكريم (ﷺ)، وكذلك إضفاء القدسية على كلام الأشخاص دون دليل أو حجة قطعية، قال الإمام مالك:" كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر"[17]- المقصود بصاحب القبر هو النبي (ﷺ)-.
  3. ادعاء الولاء لفرقة إسلامية واحدة والبراء من الآخرين وهو غير مشروع، فكل أهل القبلة الناطقين بالشهادتين يرجى لهم النجاة وحسابهم على الله، كما قال النبي الأكرم (ﷺ):" مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ"[18]
  4. التقسيم القديم للعالم بين دار إسلام ودار حرب، وهو مالم يعد مشروعا اليوم، فعالمنا كلّه اليوم دار عهد واحدة ملزمة لأطرافه.
  5. لا مشروعية لوصف فئة بأنهم رجال دين، فالتكليف عام ولجميع الناس والتمييز يكون بين عالم وجاهل.
  6. لا مشروعية لنشر الدين بالقوة بين الناس إذ" لا إكراه في الدين"
  7. ليس اختلاف الدين أو المذهب هو علّة للقتال وإنما العلّة هي الدفاع عن النفس وحرية المعتقد.

 

رابعاً- قضايا الإصلاح الديني الراهنة

كثيرة هي القضايا والمسائل المستقرة في خطابنا الإسلامي وواقعنا السوري المعاش بأنماط معينة، والتي باتت تحتاج اليوم إلى إصلاح أكثر من أي وقت مضى وإعادة قراءة جديدة وفقا لمعيار الثابت والمتحرك في الإسلام وميزان جلب المصالح المختلفة لأهلنا ووطننا ودرء المفاسد عنهم، وهي مقدمة على جلب المصالح وفقا للقاعدة الفقيه المعروفة" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".[19]

 

وسنعرض في هذا المبحث الصغير كما تم الإشارة في المقدمة إلى أربعة قضايا رئيسة ينبغي اليوم أن تخضع للبحث وإعادة القراءة وفقا للمحددات التي تمّ التطرق إليها في المقدمة أيضا.

وهذه القضايا الأربعة كلها مطروحة على الساحة السورية اليوم وحربها المستمرة منذ سنوات، وهي بالترتيب حسب الأهمية:

  1. التطرف والإرهاب
  2. الانقسام الشيعي السني والحرب الطائفية
  3. مسألة الدين والدولة (العلمانية والإسلام)
  4. قضايا المرأة

وسنتناولها هنا من الأقل أهمية من وجهة نظرنا إلى الأهم.

 

أولا- قضايا المرأة في ميزان الإصلاح والتجديد الديني

عندما يفتح السوريون أي حوار داخلي بينهم سواء كانوا مسلمين من مختلف الطوائف، أو كانوا مسلمين ومسيحيين، أو أي حوار خارجي مع غير السوريين، فإنه مباشرة يقفز إليك أحد المحاورين المسلمين سواء كان متخصصا في الشرع أو في أي مجال آخر ويقول:" الإسلام أنصف المرأة وأعطاها حقوقها كاملة"، ثمّ يضيف "لا يوجد دين آخر كرّم المرأة كما كرمها الإسلام".

 

وهذا يدفعنا إلى السؤال الآتي، إذا لماذا تحرمونها (كثير من مسلمي سورية، وليس كلهم) حقها في الميراث مثلا أو تأكلون منه بغير وجه حق؟ وهنا يرد آخر بالقول:" إن هذا وغيره من الإساءات للمرأة ليست من الإسلام في شيء"، والأمثلة كثيرة في هذا الباب ومنها ما هو لا يجوز بحق المرأة كما في المثال المذكور، ومنها ما فيه أقوال مختلفة بين تشديد وتيسير كعمل المرأة ومشاركاتها الاجتماعية ومعاملاتها المالية والاقتصادية وبعض مسائل الترويح والترفيه والرياضة.  

والواقع أنّه لابد من التبيان والاعتراف بالحقيقة، وهي أن هناك اختلافاً جليّاً وواضحاً بين المرأة في القرآن والنصوص القطعية، وبين المرأة الموجودة في فقه الجمهور؛ ففقه الجمهور سكتَ عن حقوق كثيرة للمرأة، لابد إلى العودة لبحثها من جديد وإعطائها للمرأة بما يضمن حريتها وكرامتها المنصوص عليها في القرآن وفي الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة.

 

وبالتالي فإننا كسوريين "مسلمين" اليوم أمام استحقاقين مهمين في هذا المجال، الأول نظري والثاني عملي:

 

1- الاستحقاق النظري: ويُبنى هذا الاستحقاق على تبيان الحقائق الدينية من القرآن والنصوص القطعية التي ساوت بين المرأة والرجل في كثير من المجالات، وأن الشارع ميّز بينهما في بعض المواضع تمييزا إيجابيا لا سلبيا، كما لابد من أن يكون هذا التبيان منزّلا على الواقع ومتلائما معه، ملائمة يقبله النص القطعي أو لا ينكره.
وتقع هذه المهمة على كاهل القائمين على المدارس الشرعية والهيئات الإسلامية السورية الكثيرة المنتشرة في الداخل والخارج.


2- الاستحقاق العملي: ويقوم هذا الاستحقاق على مهمة البحث عن الآليات التنفيذية الملزمة لإعطاء ما للمرأة من حقوق واحترام إرادتها وحريتها دون إفراط أو تفريط.

ويقوم بهذا الاستحقاق رجال القانون والإعلام والباحثون والمفكرون عبر ندوات وحوارات التوعية والتثقيف والأنشطة العملية يدا بيد مع المختصين في المجال الشرعي.

 

"رأي ونتيجة"

لابد من الإشارة إلى نقطة غاية في الأهمية، وهي ما تمّ الإشارة إليه سابقا في قول الفقيه الحنفي ابن عابدين، بأن "الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان ولو بقي الحكم في المتحركات على ما كان عليه للزم منه المشقة والضرر بالناس، وهذا يخالف مقاصد الإسلام وقواعده القائمة على التخفيف ورفع الضرر".

 ومقتضى هذا الكلام أّنّ للمكان (سورية)، خصوصية في الكثير من الأحكام ومنها أحكام المرأة وهي تختلف عن أماكن أخرى، فضلا عن الظروف التي تمر على السوريين اليوم ولا تمر على غيرهم، وهي مما لابد أن يؤخذ بعين الاعتبار.

 

ومما سبق أميل للاستنتاج بأن ذلك ينطبق أيضا على الأشخاص، فقول أهل العلم السوريين مقدم في مسائل المرأة وغيرها عموما على قول أهل العلم من غير السوريين.

 

ثانيا- مسألة الدين والدولة (العلمانية والإسلام)

مما لا شك فيه فإن هذه القضية شكلت وماتزال جدلا واسعا منذ انتهاء الدولة العثمانية قبل نحو مئة عام، ومما لا شك فيه أيضا أنّ هناك فروقا تستدعي الوقوف عليها بين مفهوم الدولة ومن وجهة النظر الإسلامية ومفهوم الدولة من وجهة نظر العلمانيين، حيث يُعبِّرون عن مفهوم الدولة برأيهم بالدولة الحديثة.

ولابد أن نشير هنا إلى أمرين في التجربة الأوروبية التي أوصلتهم إلى تبني العلمانية كنظام حكم يقوم على فصل الدين عن الدولة، وهذان الأمران هما:

  1. مؤسسة كنسيّة تحكم بتفويض إلهي كل شيء في الحياة
  2. رجال دين وقساوسة يقومون بدورهم بهذه الصفة في الحياة العامة والخاصة للناس ويفرضون سلطانا على الجميع.[20]

وهذا الواقع الاستبدادي لسلطة الكنيسة ورجال الدين قاد إلى التمرد ضده تحت عنوان" العلمانية".

أما في الإسلام فلا وجود لهذا الأمر (إلا في ولاية الفقيه عند الشيعة)، بمعنى أنه لا سلطان للأشخاص على المجتمع وأفراده باسم الدين وبالتالي فإن الظروف التي أدت إلى العلمانية في أوروبا والعالم المسيحي خصوصا غير متوفرة في المجتمعات الإسلامية.[21] 

 

ولكن بالمقابل فإنّه ينبغي الاعتراف أيضا بأن مصطلح الدولة الإسلامية اليوم قد تم تشويهه بشكل كبير في نفوس السوريين، مسلمهم قبل غيره، وذلك بعد ظهور نماذج كـ "داعش" وغيرها تدعي أنها تحكم وفقا للنظام الإسلامي، وباسم الله مقتربة بذلك مما كانت عليه أوروبا في العصور الوسطى.

وبالتالي فإن ذلك ما جعل حتى المسلمين اليوم في سورية ينظرون على أنّ الديكتاتورية أهون عليهم من هكذا نظام يُستخدم فيه الدين كأداة للاستبداد والديكتاتورية والاضطهاد معا وهو بعكس ما جاءت تدعو إليه الرسالة الخاتمة، حيث قال الله تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".

 

"رأي ونتيجة"

إن الحوار المتواصل والمفتوح هو أحوج ما يكون إليه السوريون اليوم بالنسبة لهذه القضية، وذلك على مستوى النخب والمتخصصين وقادة الرأي، من مختلف المكونات الثقافية والانتماءات الفكرية للوصول إلى توافقات عامة مبنية على أساس الحل والخلاص لجميع السوريين من معانتهم، وليس على أساس الصواب التام من وجه نظر كل فئة منهم، ومبنية أيضا على ثقافة القبول والاحترام وليس على ثقافة النفي والإقصاء.

 

ورغم صعوبة المسألة في ظل ما يجري من دماء في سورية وحروب بالوكالة، إلا أنّ هذه الظروف الصعبة هي ما ينبغي أن تدفعنا كسوريين للحوار الجدي بعيدا عن أي سلطة، لنصل إلى حلٍّ أو حلولٍ مقبولةٍ لهذه القضية الشائكة بعيدا عن التصور العلمانيّ المعادي للدين وعن شبح الدولة الإسلامية الذي أصبح يتمثل بـ "داعش" نموذجا سيء المعنى والمبنى.

 

ثالثا-الانقسام الطائفي والمذهبي والحرب السنية الشيعية في سورية

لا يشك أحد بأنّ من أهم عوائق انتصار ثورة الشعب السوري وتحقيق أهدافه في الحرية والكرامة وفي التغيير السلمي للوصول إلى دولة العدل والقانون هو الخطاب الطائفي والتكفيري المزدوج الذي دُس في صفوف السوريين، ثورةً وموالاةً، من قبل النظام السوري المستبدّ الرافض لأي تغيير، وقوى خارجية أخرى كثيرة رأت مما يحدث في سورية فرصة لتحقيق مكاسب جيوسياسية واقتصادية.

 

وفي مقدمة هذه الدول أكبر دولة تدّعي وتزعُم دعم ثورة السوريين في تحقيق أهدافهم المحقة، إنها الولايات المتحدة الأميركية، وليس أدل على ذلك من اتهام "دونالد ترامب" رئيسها الحالي لسلفه " أوباما" ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون بصناعة "تنظيم داعش"، وخلق الفوضى في الشرق الأوسط.[22]

وهي نفسها الولايات المتحدة من رفضت ومنعت أي دولة من تزويد ما تسميه هي فصائل الثورة والمعارضة المعتدلة بمضادات طيران بسيطة ومحمولة على الكتف لحماية المدنيين والآمنين في سورية من غارات النظام وحلفائه، بحجة وقوعها بالأيادي الخطأ، تلك الأيادي التي صنعتها هي كما يقول "ترامب.[23]

هذا الخطاب الطائفي والتكفيري المزدوج، والذي أفاد منه الجميع سوى سورية الشعب والوطن هو ما ينبغي مواجهته وإخضاعه للإصلاح الديني، فالسوريون اليوم لا ينبغي أن يتم خداعهم من أحد بأنهم يقاتلون الشيعة أو العلويين لأنهم كفار ومرتدين، فهذا مخالف لقول رسول الله (ﷺ) الذي تمّ الإشارة له في السابق:" مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ".

 

"رأي ونتيجة"

ينبغي اليوم العودة في سورية علانية وبشكل واضح إلى أصل تشريع القتال في الإسلام وهو الدفاع عن النفس وحرية المعتقد كحق مكفول في جميع الشرائع السماوية والأرضية، وبالتالي فإن هذا الانقسام الطائفي في سورية وجعله سببا للاقتتال هو أمر مرفوض شرعا ومنطقا، وهو أمر لا يضر إلا بالسوريين ووطنهم من جميع طوائفهم ومذاهبهم.

 

وبناء عليه نجد أنّه لا أصل في الإسلام للاقتتال المذهبي والطائفي، تعصّبا لطائفة أو لمذهب، ومعنى ذلك أنه رغم الاختلاف فلا مشكلة من العيش المشترك بين جميع طوائف المسلمين في سورية بناء على سيادة القانون واحترام الخصوصيات.

 

رابعا- التطرف والإرهاب

هناك هجمة شرسة على الإسلام ووصمه بالإرهاب، وقد انتشر مؤخرا مفهوم" الإسلام فوبيا" بعد أحداث أيلول 2001 في أميركا واشتدت مع ظهور تنظيم "داعش" في سورية بعد عام 2013، حتى بات السوريون" السُّنّة" في الداخل وفي بلدان الشتات يُعانون أشد المعاناة من ذلك.

ويحاول دُعاة هذا المفهوم إلصاق تهمة الإرهاب والعنف بالإسلام والمسلمين، وهو غير صحيح طبعا، ففي تغريدة لإمبراطور الإعلام الاسترالي "روبرت مردوخ" أحد الأعلام البارزين والذي يملك العديد من الصحف الغربية واسعة الانتشار على حسابه في تويتر بتاريخ 10/1/2015 يقول : "ربما أغلب المسلمين مسالمون، ولكن إلى أن يعترفوا بسرطان الجهاديين الذي يتنامى ثم يقومون بتدميره يجب تحميلهم المسؤولية".

 

وفي هذا الشأن أيضا يتساءل الكاتب السياسي ونائب رئيس الاستخبارات الأميركية الأسبق  "غراهام فولر" في كتابه "عالم بلا إسلام"، ماذا لو أن المنطقة المعنية خلت من الإسلام؟ ليُجيب بأن السياسات التي تم تطبيقها من قبل بلاده وإسرائيل من احتلال واغتصاب ستجعل سكان تلك المنطقة يتطرفون كما نشهد اليوم".

 

ولابد من القول إن التطرف والإرهاب كظاهرة حدثت في كل المجتمعات وفي ظروف تاريخية معينة وقد شهدت التجربة الأوروبية والغربية أكثر أنواع التطرف والإرهاب الديني عنفا في مرحلة تاريخية معينة.

والسؤال الذي ينبغي الإجابة عليه في هذا المقام، هل الإسلام دين تطرف وإرهاب، وإن لم يكن فماهي الأسباب الحقيقية وراء التطرف والإرهاب في بلادنا وما هو العلاج؟

أما بالنسبة للشق الأول من السؤال فقد تمت الإجابة عليه في أول المبحث وتمّ سوق العديد من الشواهد الدالة على أن الإسلام ينبذ العنف والتطرف، وأنّه ما شرّع القتال إلا دفاعا عن النفس وحرية المعتقد، ووفق ضوابط كثيرة وهذا ما تجيزه كل الأعراف والقوانين السماوية والأرضية.

 

كما تمّت الإجابة عليه أيضا، من خلال ما تمّ ذكره على ألسنة بعض كبار المفكرين والشخصيات المسيحية الغربية.

أما عنّ الشق الثاني من السؤال والمتعلق بالأسباب الدافعة للعنف والإرهاب في منطقة الشرق الأوسط عموما وسوريا بشكل خاص فإنه بناء على كل ما تقدم، يمكن القول إن هناك عاملان رئيسان وراء هذه الظاهرة هما:

 

1- العامل الخارجي
يعتبر هذا العامل من أخطر وأهم الأسباب المحرضة على العنف والإرهاب في سورية ومنطقة الشرق الأوسط وهذه الأسباب لخصها وذكرها "غراهام فولر" في كتابه "عالم بلا إسلام" حيث اعتبر أنّ الظلم والعنف الواقع على المسلمين نتيجة للسياسات الغربية والإسرائيلية، هو السبب الرئيس لانتشار العنف والإرهاب في المنطقة كردة فعل طبيعية على تلك السياسات.


وهذا الظلم يظهر اليوم جليا في سورية بعجز المجتمع الدولي ليس فقط عن إيقاف القتل وسفك دم السوريين وأطفالهم ونسائهم من قبل آلة الحرب العسكرية التي يستخدمها نظام ظالم ضد شعبه، وإنما بالعجز حتى عن إمدادهم بالدواء والغذاء حيث يحاصرهم النظام.


كما تجاوز الأمر حدّ العجز من قبل المجتمع الدولي أيضا إلى حدٍّ آخر أخطر وأفظع، ألا وهو مشاركة دول كبرى كروسيا عبر تدخلها المباشر ومشاركتها النظام في قتل السوريين، وكأميركا عبر سكوتها وتغاضيها طوال السنين الثمانية الماضية عن المجزرة التي يتعرض لها السوريون.
 
وبدل أن تقوم الدولتان المذكورتان بأداء واجبهما في المنظومة الدولية بحفظ الأمن وتطبيق القوانين الدولية التي تحقق ذلك وتكفل حقوق الإنسان التي تتبناها المنظمة، فإنهما تقومان بمشاركة النظام القتل سواء روسيا أو حتى أميركا مؤخرا التي باتت تسيطر على ثلث سورية كدولة احتلال، وبالتركيز على ردّة فعل الضحية الذي يكون متطرفا في بعض الأحيان وتنسيان أو تتناسيان بالأصح الفعل الإجرامي الرئيس الذي أدى إلى ردة الفعل المتطرفة.
 
وكنتيجة اليوم لسياسات الدول الكبرى روسيا وأميركا كممثلين للنظام الدولي القائمة على دعم من قتل وشرد الملايين من قبل روسيا، وتغاضي الاثنتين عن دعم القوى السياسية المعتدلة في سورية للوصول إلى تسوية سياسية تضمن وقف العنف والتغيير السلمي الذي يستحقه السوريون بعد كل هذه السنين، وفقا لقيم القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني الضامن لهذه الحقوق، فإن المجتمع الدولي يتحمل الجزء الأكبر من العنف والإرهاب الذي يجري في سورية.
فلو طُبِّقت القرارات الدولية المتفق عليها بإجماع دول مجلس الأمن، السياسية منها والإنسانية، لقُضِيَ على أكثر من 99 بالمئة من العنف والإرهاب الذي يسمونه "إسلاميا"،  ولكن (أميركا وروسيا)، لا يريدان ذلك لتحقيق مصالحهما الاستراتيجية في المنطقة.
 
2- العامل الداخلي

ويشمل هذا الجانب عدم الفهم الصحيح لنصوص القرآن المحكمة وأحاديث النبي الصحيحة والاعتماد على نصوص متشابهة في أمور مصيرية وترك المحكم منها، كالاعتماد على حديث "جئناكم بالذبح" على إطلاقه رغم وقوع الاختلاف فيه بين من ضعفه وبين من صححه ولكنه ربطه بحادثة مخصوصة وأشخاص محدودين من قريش، ولا شك أنّ هناك نصوص قطعية الدلالة والثبوت تتنافى مع هذا القول بإطلاق مضمونه وإن صحّ، ومن هذه النصوص قول الله تعالى:" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"[24]، وقوله (ﷺ): "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"[25]، وقد جاء هذا الحديث بعض أن ضربه قومه وأدموا وجهه الشريف.

وكم هي كثيرة تلك النصوص القطعية التي تذم وتنهى عن التطرف والعنف والإرهاب سواء بحق المسلمين فيما بينهم أو بحق غير المسلمين.

 

خلاصة:

لابد أنّ نعترف أنّ هناك أزمة ثقة كبيرة اليوم بين السوريين، معارضةً وموالاةً وثوّاراً، إسلاميين وعلمانيين وقوميين ..إلخ، وهذه الأزمة تمنع الحوار بينهم وتجعل كل فريقٍ منهم متمسكاً برأيه وأفكاره خشية من الطرف الآخر، ولا يمكن أن تُحلَّ هذه الأزمة إلا بالحوار؛ الحوار الذي تقوم به مجموعات الضغط المجتمعية التي باتت تعرف اليوم بمنظمات المجتمع المدني للتوصل إلى محددات عامة يتفق عليها السوريون ويتم الضغط بها على جميع الأطراف.

 

وباعتقادي أنّه آن الأوان لنا كسوريين أكثر من أي وقت مضى الإقرار بحتمية إصلاح الخطاب والنظرة التقليدية الإسلامية والدينية في سورية، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الرئيسة التي تم عرضها، والإقرار أيضا بحتمية التغيير في سورية على أساس الحريات وحقوق الإنسان والتعددية وعدم عودة الاستبداد.

لأن استقواء الأطراف السورية بقوى خارجية وبمنظومة المجتمع الدولي التي أثبتت أنها غير مؤتمنة على حفظ الأمن والسلام وإحقاق الحق في سورية، لن يؤدي إلا إلى مضاعفة الخسائر السورية من كل الأطراف، ثمّ لن يكون الحل في النهاية إلا بالحوار والإقرار بحتمية ما تم الإشارة إليه.


 

 

المراجع:

 

[1] - سورة المائدة، الآية رقم 3

[2] -رواه أبوداود والترمذي

[3] - سورة العلق آية1

[4] سورة الزمر، الآية9

[5] - سورة الأنبياء الآية 107

[6] - سورة الممتحنة أية8

[7] - سورة البقرة الآية 190

[8] - رواه أحمد في مسنده والنسائي في سننه

[9] -الصحيح الجامع

[10] -  يمكن مراجعة المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة ونصوص كثيرة في القانون الدولي الإنساني متعلقة بهذا المجال

[11] - محمد أمين ابن عابدين - مجموعة الرسائل، د،ط،د،ت (2/125)

[12] - الطرق الحكمية/13

[13] - سورة البقرة ، الآية 158

[14] سورة الحج، الآية 78

[15] - رواه البخاري (39) ومسلم (2816)

[16] - الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي(10/190-191)

[17] - السخاوي – المقاصد الحسنة

[18] - رواه البخاري

[19] - انظر الأشباه والنظائر للسيوطي(1/87)، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام(1/98)

[20] - انظر المسيحية لأحمد شلبي ص256-257

[21] - انظر كتاب الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية، للدكتور محمد عمارة ص50-60

[22] - ترامب يتهم أوباما وكلينتون بتأسيس تنظيم الدولة- الجزيرة نت -11/8/2016

goo.gl/fqfY2u

[23] - كيري يتعهد دعم المعارضة السورية مستبعدا تسليحها - جريد الرأي الكويتية الالكترونية- 1/1/2013

goo.gl/Dz8Egh

[24] - سبق الإشارة اليه

[25] - رواه البخاري

 

____________________________________________________________________

(للاطلاع على الدراسة كملف pdf يُرجى تحميل الملف المُرفق أعلى الصفحة)

---------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2018

433.46 كيلوبايت

تابعنا على الفيسبوك

القائمة البريدية


تابعنا على تويتر

جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2024