المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام
خمس سنوات على تهجير أهالي حمص القديمة: أين هم المُهَجَّرون؟

خمس سنوات على تهجير أهالي حمص القديمة: أين هم المُهَجَّرون؟

المهندس صفوان الجندلي- حمص

عضو مجلس أمناء الرابطة السورية لكرامة المواطن, عضو الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة.

تاريخ النشر: 2019/05/16

 

في شهر أيار من عام 2014م ( أي قبل خمس سنوات تماماً) خرج آخر المدنيين من حمص القديمة، من 13 حياً في قلب ومحيط المدينة القديمة، بعد حصار دام نحو ثلاث سنوات، عجز فيها النظام عن اقتحام هذه الأحياء بالقوة.

 

لم يتأخر النظام في تصوير الأمر على أنه بداية عودة "الحياة الطبيعية" إلى ماكانت عليه, وكان قبل أقل من عام قد استرجع مدينة القصير، وقرى الزارة وقلعة الحصن، وحاصر حي الوعر تمهيداً لإخراج من تبقى من معارضين داخله, واليوم بعد مرور كل هذا الوقت، وخاصة مع الذكرى السنوية، يتساءل المرء: أين المهجرون الذين خرجوا من مدينتهم بسبب ما أسماه النظام "بالإرهاب"؟، وما حقيقة عودة الحياة إلى "طبيعتها" وما كانت عليه قبل الثورة؟

 

في منتصف العام الماضي 2018م استطاع عضو قيادة شعبة حزب البعث العربي الاشتراكي "فهمي الطالب" وعضو مجلس الشعب السوري السابق "عبد القادر الجاعور" أن يحصلا على استثناء للعودة لمنزليهما في قلب مدينة القصير, وكان هذا الاستثناء قد كلفهما استثمارَ جزءٍ مهمّ من علاقاتهما مع ضباط الأسد ليحصلا عليه بعد فترة وجيزة من طلبه,

وبالفعل قاما بدخول المدينة مصطحبين معهما ورشات لتنظيف وصيانة المنزلين الخاصين بهما، وقد استمر العمل قرابة عشرين يوماً لترتيب وضع هذه المنازل وجعلها صالحة للسكن, وبعد يوم واحد من مغادرة ورش العمل للمكان تم إحراق المنزلين من قبل مجهولين!

لقد استطاع هذان المسؤولان بالفعل أن يحصلا على إذن العودة لمنزليهما في مدينة القصير، ولكن من الناحية العملية لم يتم الأمر, فيما لم يفلح آلاف الراغبين من أبناء المدينة والموجودين في مناطق النظام أو عند الحدود اللبنانية السورية في مخيمات عرسال من الحصول على إذن كهذا، وذلك بسبب منع مليشيا حزب الله لأي أسرة بالعودة إلى المدينة ومحيطها.

 

في الوقت نفسه حافظت أعداد قليلة من الأسر المسنة، والتي تُعدُّ على أصابع اليد، على تواجدها في قلب مدينة القصير، إلا أنه لا يُسمح لها بالتجول في الشوارع إلا في ساعات محددة.

 

القصير تُعدُّ منطقة عسكرية حصريّة لمليشيا حزب الله اللبناني الذي يعمل على تغيير تركيبتها الديمغرافية، وحتى مؤيدو النظام لا يُسمح لهم بالعودة إلى منازلهم حتى لو حصلوا على إذن من سلطات النظام نفسه.

 

أحياء البياضة والخالدية والقصور والقرابيص، ومنطقة جورة الشياح، هي مساحات واسعة ممتدة من شرق المدينة حتى غربها، وكانت تضم كتلة سكانية تزيد عن مائتي ألف شخص, منازلها حتى هذه اللحظة مدمرة ولا توجد فيها خدمات صرف صحي أو مياه أو كهرباء، باستثناء بعض الأطراف منها, وقد عادت إليها عشرات الأسر في حالة من إثبات الوجود الشكلي وليس بغرض السكن, ويستطيع الشخص الذي يسير ليلاً بين هذه الأحياء أن يدرك بسهولة أنه يعيش في مدينة أشباح، لا يشاركه فيها العيش سوى جرذان منتشرة بسبب انتشار القمامة والأنقاض في المنطقة.

 

أما قرية الزارة في الريف الغربي لحمص فمنازلها لا تزال مدمرة، والأمر الوحيد المستجد على القرية منذ أكثر من خمس سنوات هو بناء "مزار الشجرة" من قبل رجال دين شيعة إيرانيين تمهيداً لتغيير ديمغرافي في المنطقة.

 

أما قلب المدينة فلاتزال أسواقه الرئيسية مغلقة, فعلى الرغم من الجهود الذي بذلتها السلطات المحلية من ترميم للشوارع والأسواق الرئيسية وعلى الرغم من قيام منظمات دولية بطريقة غير قانونية أو أخلاقية (مثل "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي") فإن سوق الناعورة أكبر أسواق المدينة القديمة لا يزال مغلقاً بشكل كامل، فيما تم افتتاح نحو عشرة إلى عشرين محلاً تجارياً من أصل مئات المحلات التي كانت بالأصل في السوق المسقوف القديم.

 

ويستطيع الشخص الذي يتجول في أحياء حمص القديمة أن يرى أن معظم الركام داخل المدينة لم يتم تحريكه بعد، وأنّ ما نسبته تسعة من أصل عشرة بيوت لا تزال على وضعها القديم منذ تركها أهلها قبل سنوات مع ملامح الدمار الذي حل بها.

 

وقبل عدة أيام استطاعت السلطات المحلية أن تقيم مهرجاناً لإحياء الذكرى الخامسة "لتحرير المدينة القديمة" شارك فيه قرابة خمسة وعشرين دراجاً  للتجول في قلب الأحياء القديمة بدراجاتهم الهوائية (في ظل فشل النظام بإحضار وسيلة أخرى تعتمد على الطاقة نظراً لمشاكل الوقود والأزمة الاقتصادية التي يعانيها) إلا أن الدراجين واجهوا مشاكل في التنقل بين الأحياء، بسبب تراكم الردم في معظم الشوارع، مما اضطرهم لحمل دراجاتهم بأيديهم في بعض الحالات, وقد واجهت شابة من المشاركين مشكلة بسبب ثقب إطار دراجتها ببقايا شظايا الصواريخ التي قُصِفَت بها المدينة لسنوات قبل تهجير سكانها عام 2014م، ولكنها لم تجد في كل حمص القديمة مُصلِّح دراجات واحد "بسكليتاتي"، بحسب رواية القلة التي تقطن المدينة، مما جعلها تعود أدراجها نحو المنزل دون إتمام المشاركة في بقية فقرات المهرجان.

 

المدينة تعاني اليوم من أعلى درجات الفساد والأزمات الاقتصادية والخدمية القاتلة، فضلا عن ارتفاع ظاهرة الابتزاز المالي للمدنيين من قبل أجهزة النظام الأمنية والعصابات المرتبطة بها، وحلقات الإذلال التي يجب أن يمر بها المواطن السوري هناك لقضاء أموره اليومية.

 

النظام السوري عاجز عن تقديم أية حلول على الرغم من الدعم الإيراني الذي يتم توظيفه بالدرجة الأولى للتغيير الديموغرافي في المدينة وفي سائر سوريا، فالمدينة تعاني من تراجع هائل في نسبة الشباب واليد العاملة الحرفية، وهذا متوقف جدا بعد تهجير حوالي ٦٠-٧٠٪ من أهالي المدينة الأصليين، والذين كانوا يشكلون جل الطبقة المتوسطة والعاملة التي هي المحرك الحقيقي لاقتصاد المدينة ومجتمعها.

 

حمص تمثل نموذجا لمستقبل المناطق التي يسيطر عليها النظام: تشويه ديموغرافي، استيلاء على الممتلكات، ابتزاز مالي، تجنيد قسري، شلل خدمي وضعف اقتصادي، وانعدام الأفق لأهل المدينة ولا سيما شبابها.

 

إن العودة إلى حمص هي مطلب أهالي حمص ولكن الشروط التي يفرضها النظام والقبضة الأمنية التي تمسك المدينة هي ما يمنع المهجرين من العودة, وإن أهالي مدينة حمص الذين لم يعودوا طيلة السنوات الماضية رغم الظروف الصعبة التي مرّت بهم في أماكن التهجير، ورغم تهجيرهم أكثر من مرة، لا يمكن أن يعودوا مالم تتحقق شروطهم، وهذه الشروط يجب أن يتم العمل على تحقيقها من قبل أصحاب المصلحة أنفسهم: أهل حمص، حتى نعود إلى حمص كمجتمع لا كأفراد.

 

مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة

 

---------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2019 

تابعنا على الفيسبوك

القائمة البريدية


تابعنا على تويتر

جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2024