المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام
كُرد سوريا... ما لهم وما عليهم

كُرد سوريا... ما لهم وما عليهم

الصحفي آلان حسن - كاتب سوري

تاريخ النشر: 2019/09/14

 

 

أفرزت الحرب السورية الممتدة منذ آذار من العام 2011 صراعات بين أقطاب تشكلت على أسس متناقضة، وتحولت فيها القوى السورية إلى أطراف ثانوية في حرب لم يجنوا فيها سوى الهزائم المتتالية.

 

كُرد سوريا لم يشذوا عن هذه القاعدة، فقد زادت الحرب من استقطاباتهم الموجودة أصلاً منذ بداية نشوء الحركة الكُردية عام 1957، وأصبحوا فِرقاً متخاصمة بعد أن كانوا منقسمين سياسياً وحسب.

ظلت قضية الانتماء إلى سوريا تؤرق السوريين في الداخل حين كانت تطرح القضية الكُردية.. كان السؤال الذي ظل يلازم السوريين في حديثهم عن انتماء الكُرد هو: هل هم سوريون؟ أم كُردستانيون؟

 

ويشكّل هذا التساؤل هاجساً مشتركاً للدول المجاورة لسوريا مِمّن لديهم نفس القضيّة "المشكلة" (أي وجود قضيّة كُرديّة داخل بلدانهم)، أي كُل من العراق، تركيا، وإيران.

لكن الواقع قد يكون بخلاف ذلك كله، فمن نافل القول أنّ الكُرد -بغالبيتهم- منقسمون إلى تيّارين سياسيّين وفكريين رئيسيّين، هما التيار الأوجلانيّ الذي يمثّله حزب الاتحاد الديمقراطي، ويعتبر امتداداً فكرياً لحزب العمال الكُردستانيّ، الذي يخوض صراعاً مع الجيش التركي منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتعتقل تركيا زعيمه عبد الله أوجلان في جزيرة إيمرالي منذ العام 1999

 

وبين التيار البارزانيّ الذي يمثله المجلس الوطنيّ الكُرديّ، وتحديداً الحزب الديمقراطيّ الكُردستانيّ – سوريا. ويرتبط بشكل مباشر بالرئيس السابق لإقليم كُردستان العراق مسعود البارزاني، كما يشكل جزءاً من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الحليف الأول لتركيا، عدوة "العمال الكُردستاني"

 

مع عدم إغفال وجود أحزاب أخرى خارج هذين التيارين، منها مَن يدين بالولاء لحزب الاتحاد الوطنيّ الكُردستانيّ بزعامة الرئيس العراقيّ الراحل جلال الطالباني، ومنها من لديها ارتباطات مع الحكومة السورية.

 

"الأوجلانيون" يرون أنْ لا إمكانية لحل القضية الكُردية على أساس قومي، وأن الحل الواقعيّ  يتمثل بمشروعهم المتمثّل في "الأمّة الديمقراطيّة" و"إخوة الشعوب"، وقد بدأوا بتطبيقه في شمال سوريا، وكذلك في بعض مناطق شنكال/ سنجار في كُردستان العراق.

 

أما أنصار البارزاني فيعتبرون أنفسهم الحامل الوحيد للقضية القومية الكرديّة، وتحقيق حلم الكُرد في إقامة دولة كُردستان، ويأملون بتكرار تجربة إقليم كُردستان العراق الذي ينادي بالاستقلال، على الرغم من الخطاب الرسمي للمجلس الوطنيّ الكُرديّ الذي يدعو للفيدراليّة، ورفض تقسيم سوريا.

 

أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي PYD «الفيدراليّة المجتمعيّة» عام 2015، وذلك عقب سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" على مدينة كوباني/ عين العرب، وبدء التنسيق مع التحالف الدوليّ، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكيّة. وأسس "النظام الاتحاديّ الديمقراطيّ لشمال سوريا"، ونظم انتخابات الكومينات (أصغر وحدة مجتمعيّة) وكذلك انتخابات المجلس المحليّة للبلديّات، ولم يستكمل برنامجه لإقامة الفيدرالية بفعل توازنات القوى الحاصلة على الأرض.

 

النقطة الفاصلة في هذا المشروع كانت سيطرة الجيش التركيّ وحلفائه من المعارضة السوريّة المسلحة على مدينة عفرين في آذار (مارس) من عام 2018 وضرب إسفين في المشروع الفيدراليّ المشكّل من أقاليم الجزيرة والفرات وعفرين، والذي كان يهدف للوصول إلى البحر المتوسط، ليكون كياناً قابلاً للحياة. لكن سقوط عفرين (ثالث أثافي الفيدرالية حينئذ) أدى لانكماش المشروع إلى مناطق النفوذ الأمريكيّة شرق نهر الفرات.

وتراجع هذا المشروع خطوة إلى الوراء، إلى نظام الإدارة الذاتيّة المتّبع منذ عام 2014

 

 الواقع الميداني في سوريا كان  قد جرى رسمه في أيار (مايو) العام 2017 حين اتفقت الولايات المتحدة وروسيا على تقاسم النفوذ في سوريا  عبر اتفاق نصّ على عدم عبور حلفاء موسكو إلى الضفّة الشرقيّة لنهر الفرات، باستثناء الذهاب إلى البوكمال والميادين، بالإضافة إلى تواجد عسكريّ وأمنيّ محدود للحكومة السوريّة في قامشلي والحسكة، مقابل سماح روسيا لحلفاء الولايات المتحدة بالعبور إلى الجانب الغربيّ منه، والسيطرة على مدينة الطبقة وسدّها الاستراتيجيّ ومطارها العسكريّ، إضافة إلى مدينة منبج.

 

يراهن مجلس سوريا الديمقراطية (الممثل السياسي لقوات سوريا الديمقراطية، وكذلك للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا) على طلاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها الأطلسية بفعل تقارب الأخيرة مع  موسكو وطهران، والحلف الحاصل بينهم على قاعدة تفاهمات أستنة التي "شرّعت" الوجود التركي في سوريا - ولو ومؤقتاً- بعد أن دبّت الخلافات في الميدان السوري بين "حلفاء الأمس" تركيا وقطر من جهة، والسعودية من جهة أخرى.

 

أما المجلس الوطني الكُردي فهو الآخر بانتظار أحد حلين مرضيين له، أوله ضغوط أمريكية لإشراكه في السلطة القائمة في شمال وشرق سوريا، أما الثاني فهو أن يحصل تدخل تركي على غرار ما حدث في عفرين، مع فارق أن يكون هو جزءاً من السلطة التي ستحل فيها، كونه جزء من "الائتلاف" المفضل تركياً لإدارة المنطقة.

 

يبقى مصير شرق الفرات، والكُرد بشكل خاص مربوطاً بالتحالفات القائمة، أو التي ستحصل لاحقاً بين تركيا والقطبين الدوليين الولايات المتحدة وروسيا، فأنقرة الآن لم تحدد موقفها بشكل نهائي، وتتعرض لضغوط من واشنطن وموسكو لتبيان موقفها، وعليه فإن الكُرد سيذهبون للطرف الآخر تلقائياً، وحينئذ ستصبح المواجهة الأخيرة في سوريا بين المحورين هذين.

 

مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة

-------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2019

تابعنا على الفيسبوك

القائمة البريدية


تابعنا على تويتر

جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2024