المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام
الديموقراطية السورية.. رحلة في تاريخ سوريا الحديث

الديموقراطية السورية.. رحلة في تاريخ سوريا الحديث

الكاتب: سامي محمد عادل 

تاريخ النشر: 2022/08/05



لطالما كانت الديموقراطية هي الموضوع الذي تمحور حوله أي تغيير في منطقتنا العربية، وكانت سوريا من أولى الدول العربية التي تمتعت الحياة السياسية فيها بجو ديموقراطي حيث يتمتع البرلمان بسلطة رقابية، والرئيس والوزراء يخضعون له، والصحافة تتمتع بحرية لمناقشة كل ما يدور في دهاليز السياسة، والأحزاب السياسية تزاول أعمالها وتدخل اللعبة السياسية بكل حرية، ثم دخلت البلاد في دوامة الانقلابات التي انتهت بأن أصبحت سوريا ترزح تحت أكثر أنظمة المنطقة شمولية، واستبداداً، فكيف انتقلت سوريا من حالتها الأولى إلى هذا الحال؟

 

جذور المشكلة زمن الانتداب

عندما دخلت فرنسا إلى سوريا وأنهت الحكم الملكي الفيصلي أنشأت حكماً جمهورياً في سوريا بعد أن فشل مشروعها في تقسيم سوريا، ولكنها أيضاً زرعت بذور أزمات ستتفجر لاحقاً وتقضي على هذا النظام نهائياً، كما أن فرنسا لم تهتم بمعالجة أي من المشاكل الاجتماعية في البلاد بل غذّتها، حيث زرعت بذور الطائفية وشجعت الطوائف والأقليات على الانغلاق والتقوقع على نفسها، وحركت نزعات الكراهية فيما بينها، كما أنها أسست جيشاً فاسداً ضعيفاً.

 

ما بعد الانتداب

مع انتهاء الانتداب وحصول سوريا على الاستقلال، بدأت المرحلة التي يراها الكثير من السوريين مرحلة يوتيوبية في تاريخ سوريا الحديث، ولكنها انتهت بسرعة بسبب مشاكل كثيرة تركها الانتداب، فكان الحزبان الرئيسيان هما الحزب الوطني وحزب الشعب، وهما حزبان مكونان من كبار العائلات الأرستقراطية وملاك الأراضي، ولكن كان الفساد يستشري في جسد الدولة وفي جسد المؤسسات التي تركتها فرنسا، وخصوصاً الجيش.

 

حرب فلسطين ودوامة الانقلابات

فجرت حرب فلسطين الصراع بين النخب السياسية المتصارعة وبين الجيش، وخصوصاً مع محاولات الرئيس شكري القوتلي لتمديد حكمه لفترة أخرى. وحمّلت النخب السياسية الجيش مسؤولية الهزيمة وتعالت الدعوات لحملات تفتيش وإعادة هيكلة للجيش، ومحاسبة ضباطه.

وهذا ما دفع رئيس هيئة الأركان حسني الزعيم إلى القيام بأول انقلاب عسكري في المنطقة، بدعم أميركي (لإبعاد سوريا عن المجال السوفييتي)، وهو ما شكل نقطة فارقة في تاريخ سوريا، وأضعف المؤسسات السياسية السورية أكثر، وفتح الباب لتدخل الجيش في السياسة، وهو ما حصل فعلاً فقبل أن يكمل انقلاب الزعيم عامه الأول حصل انقلاب جديد، تلاه انقلاب ثالث ورابع حتى وصلنا للوحدة.

 

أزمات فترة الانقلابات

خلال هذه الفترة كانت لا تزال سوريا تتمتع بحريات سياسية، صحيح أن الانقلابات كانت تحارب الحريات والصحف، ولكن كانت الصحف والأحزاب السياسية لا تزال تتمتع بهامش من الحرية، وتزاول أعمالها رغم المضايقات. كما أن هذه الفترة شهدت ظهور عدة مشكلات في جسد الجيش والأحزاب السياسية ساهمت كثيراً فيما سيحصل لاحقاً.

فقد نشأت أحزاب يسارية وتقدمية صغيرة كحزب البعث والحزب السوري القومي الاجتماعي، وهذه الأحزاب كانت ضعيفة الشعبية في الشارع فلجأت إلى الجيش، واستقطبت الضباط الصغار في الجيش إليها، لمساعدتها في تدعيم نفوذها السياسي، ومع هؤلاء الضباط بدأ أبناء الأقليات بالانضمام للجيش وللأحزاب السياسية سالفة الذكر، كوسيلة للتخلص من التهميش والأوضاع السيئة التي يعانون منها في قراهم، وبدأوا بتشكيل تكتلات على أساس طائفي.

وهذا كله ساهم بقوة في إضعاف سلطة الدولة وعودة كل فئة من فئات الشعب إلى بوتقتها الطائفية أو العرقية، وتراجع بشكل كبير إيمان الشعب بالدولة التي أضعفتها الطائفية والانقلابات.

 

الوحدة والنظام السلطوي

مع اضطراب الأوضاع السياسية وتأزم الصراعات بين الضباط، قرر الضباط السوريون حل نزاعاتهم بالخضوع لجمال عبد الناصر، والتوحد مع مصر، وكان عبد الناصر معارضاً للفكرة وقدم شروطاً تعجيزية تتضمن إنهاء الحريات السياسية في سوريا وتحولها للنموذج المصري الناصري الخالي من أي تعددية أو حريات سياسة، وهو ما وافق عليه الضباط لأنهم لا يمتلكون أي حل أخر، فتم الاتفاق على الوحدة دون حتى إبلاغ رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء اللذان تفاجئا بإبلاغهما بالاتفاق، ولكن لا يوجد ما يمكن عمله فالانقلابات جعلت من المؤسسات السيادية السورية مؤسسات صورية لا تمتلك أي قوة حقيقية بينما يسيطر الضباط على كل شيء.

تمت الوحدة وتم حل الأحزاب السياسية، وأسس عبد الناصر بمساعدة عبد الحميد السراج أجهزة أمنية قمعية قضت على ما تبقى من الحريات. وحظرت وسائل الإعلام المعارضة، وللحق فإن عبد الناصر تمتع بشعبية كبيرة رغم كل هذا، ولكن سياسات القيادات المصرية في سوريا من تأميم وقمع وسلطوية وتسلط للقوى الأمنية أدى للانفصال عام 1961م.

 

ما بعد الانفصال

عادت سوريا بعد الانفصال إلى ما كانت عليه فلم تعالج الوحدة أيًّا من المشاكل التي كانت موجودة في جسد الدولة بل أزّمتها، وخلقت أزمات جديدة بفعل سياسات عبد الحكيم عامر وعبد الحميد السراج التي حرضت الجميع ضد الوحدة، وعادت الأحزاب القديمة إلى التنافس على السلطة، ولكن بقوة أكبر، فالضباط الذين زرعتهم هذه القوى في الجيش أصبحوا هم المسيطرين الفعليين، وهؤلاء الضباط كانت لديهم أجندات منفصلة تماماً عن أجندات القيادات السياسية لهذه الأحزاب.

وعانت سوريا بعد الانفصال من آثار جسيمة على مستوى تراجع الحريات السياسية، وتسلط أجهزة الأمن. وعادت البلاد بسرعة بعد سيطرة البعث على السلطة إلى القمع والاستبداد والقبضة الأمنية المرعبة التي خلفها السراج في سوريا بمباركة من عبد الناصر، وعادت سوريا لصراع العسكريين على السلطة ولكن في إطار البعث، حتى أنهى حافظ الأسد هذا الصراع بسيطرته المطلقة على الحكم.

 

عهد الأسد

دعم حافظ الأسد السلطة القمعية وقضى على الديموقراطية بشكل شبه كامل، وعزز سلطة الحزب الواحد وأصبحت أي انتخابات على أي مستوى مسرحية هزلية تحدد المخابرات الفائزين فيها، وهذا جاء بعد عدة أحداث مهمة ساهمت بتدعيم قبضة الأسد وأهمها أحداث حماة في عام 1982م والتي بررت للأسد استخدام العنف المفرط، ومع وفاة الأسد الأب حاول ابنه التغيير قليلاً، ولكنه عاد عن قراراته سريعاً وقمع ربيع دمشق.

 

الديموقراطية لدى الشعب السوري

إذا نظرنا للترتيب التاريخي للأحداث فإن آخر عهد السوريين بالديموقراطية كان في منتصف القرن الماضي، وآخر عهدهم بالحريات السياسية كان في الستينات من ذات القعد، وهذا يعني أن من وعى هذه الفترة هم الآن بين ال70 وال80 من أعمارهم، وهذا يوصلنا لأن الغالبية العظمى من الشعب السوري لا تعرف شيئاً عن دولة القانون والمؤسسات، ولا تعرف شيئاً عن حرية التعبير، وحرية الصحافة، والديموقراطية في هذه الظروف أمر صعب التطبيق في أوساط شعب لم يعرف إلا الديكتاتورية والعنف، وقد ظهر هذا الأمر بوضوح خلال الثورة السورية، حيث عجزت المؤسسات الثورية عن تطبيق ديموقراطية حقيقية داخلها.

 

من المخطئ؟

لا يمكن أن نلوم أحداً على ضعف الديموقراطية في سوريا غير الأنظمة الاستبدادية التي قوضتها والقوى الدولية والإقليمية التي دعمت هذه الأنظمة، وخلقت مشاكلاً أكبر يتضاءل أمامها تطبيق الديموقراطية كمهمة مرحلية لاستقرار سوريا، لأن الحصول على المستوى المطلوب لتحقيق الاستقرار في البلاد يحتاج أن تمر البلاد بالكثير من المراحل الانتقالية، والتدرج شيئاً فشيئاً، ليدرك الجميع أهمية التشاركية في السلطة، وفشل الأنظمة الاستبدادية في قيادة البلاد، فقد اعتاد السوريون على الاستبداد حتى تأثرت به الكثير من المؤسسات الناشئة في رحم ثورتهم ضد الاستبداد.

 

التدخل الخارجي

لقد لعبت الدول الأخرى دوراً سلبياً بامتياز في تقويض الديموقراطية في سوريا وتشجيع الانقلابات فيها، فكانت سوريا مسرحاً للكثير من الصراعات الإقليمية والدولية منذ نشأتها، فبعد الاستقلال كانت سوريا مسرحاً للصراع بين الهاشميين في الأردن والعراق وبين السعوديين وأبناء محمد علي في مصر، ثم كانت مسرحاً للصراع بين الملكيين واليساريين، وفوق هذا كله كانت مسرحاً من مسارح الحرب الباردة بين السوفييت والأمريكيين، وهذا ما يستمر حتى الآن ويجعل أي تطبيق للديموقراطية أمراً عسيراً، فقد أثبتت الأعوام الماضية أن الدول الإقليمية كانت ولا زالت تمول القوى الداخلية لتحقيق مصالحها، على حساب سوريا ومؤسساتها وشعبها.

 

إن لسوريا معاناة طويلة مع الاستبداد وتسلط العسكر على السلطة، وقد عاش معظم أبناء الشعب تحت سلطتها ولم يألفوا غيرها، وهذا ما يشكل تحدياً كبيراً لهم ليتمكنوا من تأسيس نظام سياسي قائم على التشاركية يضمن فصل السلطات والحريات السياسية في ظل ظروف دولية وإقليمية عاصفة، والنجاح هنا يتطلب تكاتفاً من الجميع مبنياً على قناعة تامة بأهمية هذا الهدف وخطورة التشرذم العرقي والطائفي.

 

 

 

مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة

-------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2022

تابعنا على الفيسبوك

القائمة البريدية


تابعنا على تويتر

جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2024