المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام
دراسة الأضرار البيئية الناتجة عن النزاع المسلح في سورية

دراسة الأضرار البيئية الناتجة عن النزاع المسلح في سورية

دراسة الأضرار البيئية الناتجة عن النزاع المسلح في سورية

 

إعداد: فراس حاج يحيى
ماجستير في حقوق البيئة والتخطيط وحقوق التنظيم العمراني٫ جامعة ليموج ٫ فرنسا

تاريخ النشر: 2023/12/15


الفهرس

أولًا : مقدمة نظرية ومنهجية

مشكلة الدراسة

  1. أهمية الدراسة 
  2. أهداف الدراسة
  3. منهج الدراسة

ثانياً: آثار النزاع المسلح في سوريا على النظم البيئية

  1. تلوث الهواء
  2. تلوث المياه
  3. تدهور التربة
  4. فقدان التنوع البيولوجي 
  5. فقدان الغطاء النباتي والحراجي

ثالثاً: الأثار البيئية على الصحة العامة والاقتصاد وعملية السلام 

  1. الآثار على الصحة العامة
  1. الآثار على الاقتصاد

3.      الآثار السلبية للأضرار  البيئية على عملية بناء السلام 

 

رابعاً: الحلول المقترحة للتخفيف من الآثار السلبية للأضرار البيئية في سوريا نتيجة النزاع المسلح

  1. أثناء مرحلة النزاع 
  2. في مرحلة ما بعد النزاع وفي إطار خطة التعافي وبناء السلام

خامساً: الخاتمة

    سادساً: المراجع

 

أولًا : مقدمة نظرية ومنهجية:

 

بعد مضي اثنتي عشر  عامًا على الإنتفاضة الشعبية في سورية والحرب المركبة التي تلتها، وما  أفرزته تلك السنين الطويلة  من  كوارث اقتصادية، اجتماعية،  وبيئية تجاوزت تأثيراتها سورية لتشمل الدول المحيطة بها، و التي لم  تقتصر آثارها الكارثية على سورية  في  الوقت الراهن وإنما ستمتد لعقود وأجيال قادمة.

 ربما يجد بعض الباحثين أن البحث في الآثار البيئية الكارثية نوع من الرفاهية الأكاديمية في ظل استمرار الحرب والتشظي الاجتماعي السوري،  هذا بالإضافة الى مشكلات اللجوء والنزوح، و مئات آلاف الضحايا، المعتقلين والمفقودين، وكذلك دمار العديد من المدن السورية، مما  جعل الأولويات الإنسانية  هي الأكثر الحاحاً وضرورة للمدنيين السوريين،  ومع ذلك لابد من البحث والعمل على البيئة كضحية للحرب الدائرة، مفترضين  أن النزاع المسلح  الدائر أثر ويؤثر مباشرة على الأجيال السورية الحالية، وإن الضرر البيئي سيؤثر على  مستقبل الأجيال الجديدة و رفاهيتهم .

 

خلفت سنوات النزاع المسلح في سوريا كارثة بيئية حقيقية، و آثاراً ضارة و خطيرة بسبب كثرة استخدام الأسلحة المتفجرة، والأسلحة العنقودية والكيماوية، وما تحمله من مواد سامة ،  انتشرت ولوثت التربة والماء والهواء، وكذلك أضرت بالنظم البيئية والتنوع البيولوجي،  والبيئة الطبيعية بشكل عام، هذا بالإضافة للأضرار التي لحقت بمصفاتي تكرير النفط في حمص وبانياس (وما ترتب على ذلك من تلوث التربة، وتلوث البيئة بصورة عامة، وما أعقب ذلك من الاعتماد على مصافي تكرير النفط المؤقتة التي تُسبب درجة عالية من التلوث)، و كذلك سوء إدارة النفايات والمياه، وخاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية  بعد نزوح الملايين و سكنهم في مخيمات عشوائية متفرقة،  وهذا ما يتحمله بالدرجة الأولى نظام بشار الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، الذين يمتلكون الترسانة الأكبر من هذه الأسلحة، التي استخدموها خلال حربهم ضد المدنيين في سوريا،  وبدرجة أقل باقي القوى المسلحة الأخرى الخارجية منها والداخلية.

تضمن تقرير صادر عن البنك الدولي وتم نشره بتاريخ  14 أبريل 2022 بعنوان "آخر التطورات الاقتصادية في سورية: إن الظروف الاجتماعية والاقتصادية تتدهور  بسرعة في سوريا، وتتأثر بمجموعة من الصدمات، بما في ذلك النزاع المسلح المطول، والعقوبات الاقتصادية، ووباء  COVID-19، والجفاف الشديد...الخ، و أن النزاع في سوريا في عامه الحادي عشر يستمر بإلحاق تأثير مدمر على السكان و اقتصادهم، حيث لا يزال أكثر من نصف سكان البلاد قبل النزاع نازحين، بما في ذلك 6.6 مليون نازح داخلياً في سوريا و 5.6 مليون سوري آخر مسجلين كلاجئين في دول الجوار . وتضمن التقرير أن الفقر يؤثر الآن على أكثر من 50 في المائة من السكان،  ولا يزال الاقتصاد يعاني من مضاعفة الآثار المترتبة على الأزمة الصحية، والأحداث المناخية المعاكسة، والهشاشة الإقليمية، وعدم استقرار الاقتصاد الكلي"[1].

وفي قراءة تحليلية لما تضمن هذا التقرير يتبين  أن هذه الحرب تسببت في أضرار بيئية خطيرة، وهي إحدى صور الدمار الذي لا يحظى بقدر كبير من الاهتمام من قبل المنظمات السورية الرسمية وكذلك الدولية، ولكن هذا الضرر البيئي  من شأنه أن يخلف تأثيرات سلبية طويلة الأجل على الصحة العامة والاقتصاد وعملية السلام نفسها، لذا لا بد وأن يكون عنصراً محورياً في أي جهود ترمي إلى الإغاثة أو إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد النزاع والمرحلة الانتقالية.

وهنا   لابد من الإشارة إلى  أنه تم حصر مجال هذه  الدراسة في الأضرار البيئية التي نتجت عن النزاع المسلح[2] التي  تضاعفت آثارها بسبب سوء الحالة البيئة لسوريا نتيجة عقود من حكم حزب البعث لسوريا، أهمل فيها حقوق الانسان  والبيئة معاً،  وبالتالي كان وضع البيئة في سوريا قبل الثورة سيئاً للغاية و تحول لكارثة بعد عام 2011.

 مشكلة الدراسة:

استنادًا الى ما سبق تتكثف مشكلة البحث في السؤال البحثي الرئيس: ماهي الأضرار المباشرة وغير المباشرة على البيئة والنظم البيئية في سوريا نتيجة النزاع المسلح؟!!!

يتفرع عن هذا السؤال البحثي الرئيس الأسئلة الفرعية الآتية:

  • كيف يبدو الواقع البيئي في سورية بعد سنوات من النزاع المسلح؟
  • في مرحلة ما بعد النزاع وفي إطار خطة التعافي وإعادة الإعمار لماذا يتوجب على جميع الجهات السورية الفاعلة منها، والدولية أن يأخذوا البيئة كقضية محورية وخطيرة في الوقت الراهن، وفي أي عملية للحل السياسي واحلال السلام في المستقبل القريب والبعيد؟

 

  1. أهمية الدراسة:

تكمن أهمية هذه الدراسة في تسليط الضوء على الأضرار البيئية الجسيمة الناجمة عن النزاع المسلح في سوريا، والتي تم تجاهلها إلى حد كبير في الخطاب السوري والدولي الرسمي، بالإضافة الى أنها ستوفر رؤى قيمة حول الآثار السلبية طويلة المدى للأضرار البيئية على الصحة العامة والاقتصاد وعملية السلام.

 ستعمل التوصيات المقترحة كدليل للجهات الفاعلة السورية والدولية لإعطاء الأولوية للبيئة في مرحلة ما بعد الصراع وفي إطار خطة التعافي وإعادة الإعمار، ولتخفيف الآثار السلبية طويلة المدى المحتملة للأضرار البيئية.

  1. أهداف الدراسة

تحددت أهداف هذه الدراسة بالآتي:

  • تحديد وتحليل الأضرار البيئية المباشرة وغير المباشرة في سوريا من جراء النزاع المسلح.
  • دراسة الآثار السلبية طويلة المدى للأضرار البيئية على الصحة العامة والاقتصاد وعملية السلام نفسها.
  • إبراز أهمية إعطاء الأولوية للبيئة في مرحلة ما بعد النزاع٫ وفي إطار خطة التعافي وإعادة الإعمار.
  • اقتراح توصيات للجهات السورية والدولية الفاعلة٫ لإعطاء الأولوية للبيئة في مرحلة النزاع و ما بعده، وفي إطار خطة التعافي وإعادة الإعمار.

 

  1. منهج الدراسة:

تعد هذه الدراسة  من الدراسات  المكتبية الوثائقية التي تستخدم المنهج الوصفي التحليلي من خلال الكتب والمراجع والتقارير والدراسات الميدانية لاستنباط أهم المحاور المتعلقة في دراسة  الأضرار البيئية الناتجة عن النزاع المسلح في سوريا، والآثار السلبية طويلة المدى المحتملة للأضرار البيئية على الصحة العامة والاقتصاد وعملية السلام، و قد تم جمع البيانات من مصادر مختلفة، بما في ذلك المجلات الأكاديمية والتقارير والبيانات من المنظمات الدولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، والبنك الدولي (WB)، وباقي المنظمات الدولية الأخرى،  والمراكز البحثية التي عالجت القضايا البيئية في سوريا،  كما  تم تحليل نتائج البحث باستخدام منهج التحليل الموضوعي،  و استندت التوصيات المقترحة إلى نتائج البحث و تم مناقشتها في ضوء السياسات والممارسات الحالية في السياق السوري .

 

ثانياً: آثار النزاع المسلح في سوريا على النظم البيئية

 

بعد فترة قصيرة من انطلاق الثورة 2011  شرع نظام الأسد في استخدام الأسلحة الثقيلة لقمعها، و  سرعان ما بدأ هذا التغيير في التكتيكات يمارس تأثيراً أبعد من التداعيات الإنسانية المباشرة ، حيث لم يمضِ وقت طويل قبل أن يتسبّب النزاع المسلح  بتفاقم المشكلات البيئية وانهيار هيكليات الحوكمة القائمة، والتي كانت تعاني أصلاً من معوقات عديدة بفعل ممارسات نظام البعث لعقود طويلة٫  وبالتالي  تكدّست أكوام من حطام البيوت و  النفايات المنزلية والطبية والصناعية في مدن مثل حمص وحماه ودير الزور وحلب وفي ضواحي دمشق وباقي المحافظات السورية، ويمكننا تلخيص هذه الأضرار في الجوانب التالية:

 

  1. تلوث الهواء

بحسب دراسة نشرتها استقصائيّة مبادرة الإصلاح العربي، في 7 نيسان/ أبريل2021 تحت عنوان "الآثار البيئيّة للصراع السوري: دراسة استقصائيّة أوليّة للمسائل ذات الصلة"[3]،   فإنّ سوريا كانت تعاني أصلًا من مستويات عاليّة من تلوث الهواء بسبب الانبعاثات الصناعيّة وعوادم المركبات وحرق النفايات والتلوث الموسمي، ممّا تسبب بالعديد من الأمراض المزمنة للسوريين. وزاد تلوث الهواء بنسبة هائلة في العام 2015، وتشير الدراسة اعتمادًا على مصدر موقع "بيانات عالمنا[4]"، أنّه برغم انخفاض انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون، فلا تزال أعلى من المُستويات المُوصى بها، وقد وصلت في العام 2019 إلى 26,96 مليون طن، وتذكر الدراسة بأن سوريا قد  حلت في المرتبة 18 بين أكثر الدول تلوثاً في العالم (من بين 92 دولة) عام 2019، وفقاً لتصنيف منظمة الصحة العالمية، إذ بلغ تركيز "الجسيمات الدقيقة"  (PM2.5)  ثلاثة أضعاف مستوى التعرض الموصى به من منظمة الصحة العالمية، و يؤثر مستوى "الجسيمات الدقيقة" تأثيراً مباشراً على الصحة العامة: فقد ازدادت تقديرات الوفيات الناجمة عن الأمراض التي يسببها تلوث الهواء في الأماكن المفتوحة بنسبة 17% بين عامي 2010 و2017، بإجمالي 7,684 شخص؛ وتُشكل حالات الإعاقة الناجمة عن التعرض إلى "الجسيمات الدقيقة" 1,625 لكل 100 ألف شخص في سوريا. فضلاً عن ذلك، فإن معدلات الوفاة والعجز المرتفعة هذه تؤثر أيضاً على تكاليف الرعاية الصحية: إذ يُقدَّر العبء الاقتصادي للأمراض والوفيات المبكرة المرتبطة بتلوث الهواء في سوريا بنحو 0.6% - 1.42% من الناتج المحلي الإجمالي؛ في حين زادت المخاطر البيئية/المهنية التي تؤدي إلى الوفاة والعجز بنسبة 16.5% بين عامي 2007 و2017[5].

 

 

  1. تلوث المياه

تعاني سوريا بشكل كبير من ندرة المياه، وترتب على ذلك من عواقب وخيمة على المواطنين والاقتصاد، قبل اندلاع الانتفاضة منتصف آذار 2011 شهدت البلاد عدة مرات سنوات من الجفاف الشديد (1999-2001 و 2006-2009)، مما أدى إلى نزوح السكان وتقليص إمدادات المياه والصرف الصحي والنظافة، لا سيما في المناطق الريفية[6].

بحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر تسبب الصراع الذي عصف بسوريا لأكثر من عشر سنوات في دمار هائل لشبكات المياه في جميع أنحاء البلاد. ونتيجة لذلك، انخفضت موارد مياه الشرب بنسبة 40٪، مما أعاق وصول ملايين الأشخاص إلى هذه السلعة الحيوية[7].

كما أدى الصراع إلى تلوث شديد للمياه في سوريا. وأدى تدمير الهياكل الأساسية، بما في ذلك محطات معالجة المياه وشبكات الصرف الصحي، إلى تصريف مياه المجارير غير المعالجة والنفايات الصناعية في المسطحات المائية، مما أدى إلى تلويث إمدادات المياه. بالإضافة إلى ذلك، أدى قصف مصافي النفط وخطوط أنابيب النقل إلى انسكابات نفطية في الأنهار والجداول وغيرها من المسطحات المائية، مما زاد من تلويث إمدادات المياه. وقد أدى عدم الحصول على المياه النظيفة إلى زيادة خطر الإصابة بالأمراض المنقولة عن طريق المياه، وتفاقم الوضع بسبب تشريد ملايين الأشخاص والافتقار إلى مرافق الصرف الصحي الكافية في المخيمات  والتجمعات غير الرسمية التي يقيمون فيها[8].

  1. تدهور التربة

 يعد تآكل التربة من بين أكبر الآثار البيئية التي سببها النزاع المسلح  في سوريا ٫ حيث أدى الاستخدام الواسع النطاق للأسلحة الكيماوية وقصف المنشآت الكيماوية إلى إطلاق مواد كيميائية سامة في التربة. كما أدى استخدام الأسلحة الثقيلة والمتفجرات إلى تدمير الأراضي الزراعية وأنظمة الري[9]، مما قلل من إنتاجية المحاصيل وتوافر الغذاء٫ كذلك  تسببت استخدام نظام الأسد لهذه الأسلحة في نزوح 13 مليون شخص  من بينهم قرابة 8 ملايين نازح داخلياً،   وقد سعى العديد من اللاجئين النازحين داخليًا إلى تجنب الصراع من خلال النزوح إلى المنطقة الساحلية في سوريا، التي تحتوي هذه المنطقة الرطبة على أكثر من 90٪ من الغطاء النباتي السوري وهي منطقة تنوع بيولوجي مهمة وتخزين الكربون والأخشاب ونقطة ترفيهية ساخنة في البلاد وبالتالي تضررت بشكل كبير نتيجة الضغط البشري عليها[10].

 وعادة ما يحدث تآكل التربة عندما تزيل الرياح والمياه التربة من منطقة ما[11]، و إذا تمت إزالة التربة السطحية والمغذيات العضوية، ستصبح الأرض صحراوية وسيكون من الصعب دعم الحياة النباتية أو الحيوانية، في عملية تعرف باسم التصحر يشكل تدهور التربة تهديدًا لإنتاجية الأرض لأنه يفقد المادة العضوية التي تسمح للمواد النباتية بالازدهار[12]،  وهذا يشكل خطرًا   ليس فقط على التنوع البيولوجي في سوريا ، ولكن أيضًا على الانتعاش المحتمل للقطاع الزراعي بعد الحرب،  ومن حيث النتيجة أدى الى تغير سريع في الغطاء النباتي ، مما أدى إلى خلق ظروف ساهمت في زيادة التعرية في المنطقة السورية[13]، وكان من نتائجه على سبيل المثال لا الحصر  في عام 2015،  أن ضربت عاصفة ترابية غير مسبوقة سوريا والعراق، و يُعتقد أن سبب هذه العاصفة هو زيادة التعرية في سوريا بسبب الحرب  والجفاف الذي طال أمده،  و قد  أدى هذا الانخفاض في الغطاء النباتي إلى جعل التربة عرضة للتعرية وسمح بجمعها على نطاق واسع ، مما تسبب في حدوث العاصفة الترابية، كما  وأدى القصف المكثف أيضًا إلى تحريك التربة، مما ساهم في تآكل التربة من خلال تسهيل انتقال التربة بواسطة الرياح والمياه[14]، ولا يمكننا تجاهل  أن تشكل ملايين الأطنان من الأنقاض مخاطر كبيرة على البيئة المحلية.

 

  1. فقدان التنوع البيولوجي

كما أدى النزاع إلى فقدان التنوع البيولوجي في سوريا، حيث تم القضاء على مجموعات الحياة البرية بسبب الصيد وتدمير الموائل. كما ازدهر الاتجار غير المشروع بالأحياء البرية خلال النزاع، مما زاد من تعريض الأنواع المهددة بالفعل للخطر[15].

في عام 2019، صادرت الشرطة التركية 2000 طائر من فصيلة “الحسون” المهرّبة من سوريا، وصار لبنان سوقاً للطيور المهربة من سوريا، فيما يُتخذ الأردن كمعبر لتهريب الكائنات النادرة من سوريا إلى أسواق الخليج، ويقع العديد من فصائل الحيوانات البرية والأصناف المحمية فريسة للإتجار، بما في ذلك الحرباويات[16]، وفي حين يصعب الحصول على بيانات تظهر كيف تأثّر بالتحديد التنوع الحيوي في سوريا منذ عام 2011، إلا أنه من المرجح أن تكون بعض الأصناف مهددة بالانقراض، أو أوشكت على الانقراض فعلياً. ويعتبر طائر أبو منجل الأصلع الشمالي، المهدد بالانقراض، تجسيداً رمزياً لما يجري، إذ إن الطيور الثلاثة التي تمثل مجموعة أبو منجل لم يتم رصدها في مواطنها المألوفة التي كانت تعيش بها في تدمر منذ عام 2014.[17]

  1. فقدان الغطاء النباتي والحراجي

شكل النزوح الداخلي ضغطاً هائلاً على الموارد الطبيعية في سوريا، مما تسبب في تدهور الغطاء النباتي و يمكن أن يعزى ارتفاع معدلات تدميره إلى عدة عوامل:
الأول: اندلعت معظم المعارك في مناطق غنية بالوقود الأحفوري ، مما أدى إلى نقص في الطاقة، كانت شبكة الكهرباء السورية أيضًا هدفًا خلال الصراع و في عام 2013، كان أكثر من 30 محطة للطاقة غير نشطة وتعرض 40 ٪ من خطوط الكهرباء في البلاد للهجوم[18] مما اضطر السكان والنازحين إلى قطع الأخشاب كوقود للتدفئة والكهرباء.
الثاني: خلق التدفق الكبير للاجئين الحاجة إلى المزيد من الإسكان وقد أدت هذه الحاجة إلى توسع المناطق الحضرية بشكل عشوائي والتعدي على الغطاء النباتي الكثيف والتسبب في التدهور.
الثالث: بدأت حرائق الغابات في إنتاج الفحم مما أحدثت أشد الخسائر في الغطاء النباتي في المناطق ذات الغطاء النباتي الكثيف[19].

ونتيجة  اندلاع الكثير من القتال بالقرب من مواقع استخراج الوقود الأحفوري، وخاصة مصافي النفط التي  تسببت هذه  الهجمات على مصافي النفط حرائق نفطية تطلق مواد كيميائية ضارة في الهواء، مثل ثاني أكسيد الكبريت وثاني أكسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات و  ترتبط مركبات الكبريت والنيتروجين بالمطر الحمضي الذي يمكن أن يكون له آثار كارثية على الغطاء النباتي ويسبب تحمض التربة. كما تستمر الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات في البيئة لفترات طويلة من الزمن وهي معروفة بأنها مواد مسرطنة، كذلك تستخرج سوريا أيضًا النفط الخام الثقيل، والذي يحتوي عمومًا على نسبة أعلى من المواد الضارة، بما في ذلك المعادن الثقيلة، مما يجعله خطيرًا بشكل خاص عندما تتسرب هذه المواد إلى الأرض[20].

وقد سجلت سوريا متوسط ​​3.64 / 10 على مؤشر سلامة المناظر الطبيعية للغابات في عام 2018، مما جعلها تحتل المرتبة 144 في العالم من بين 172 دولة[21]. و في عام 2010 كان لدى سوريا 116 ألف هكتار من الغطاء الحراجي، أي ما يزيد عن 0.62٪ من مساحة أراضيها. في عام 2021، كان هناك فقدان للغطاء الحرجي بمقدار 2.86 كيلو هكتار[22].

في العموم كان التغيير في الغطاء الحرجي مدفوعًا بمجموعة متنوعة من العوامل المختلفة المتعلقة بالنزاع، وقد كانت الدوافع الرئيسية هي التغييرات في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، والاستغلال الواسع لموارد الغابات ، وحرائق الغابات المتكررة والتي قد يكون بعضها مفتعلاً ، وضعف مؤسسات الدولة في إدارة الموارد الطبيعية والتنمية البيئية، وقد  ارتبط فقدان الغابات أيضًا بتوسع المساحة المزروعة وزيادة السكان والمساحة الحضرية العشوائية،  و يعكس هذا الانخفاض في مساحة الغابات وكثافتها تحولات حادة في البيئة الطبيعية[23].

 

 

ثالثاً: الآثار السلبية للأضرار البيئية على الصحة العامة والاقتصاد وعملية السلام

  1. الآثار على الصحة العامة:

نشرت منظمة السلام الهولندية PAX دراستها المكتبية "وسط الحطام " في أكتوبر عام 2015 والتي أوجزت تأثير الصراع في سوريا على الصحة العامة والبيئة، وحددت الدراسة أربعة مجالات رئيسية للقلق.
الأول: انهيار الإدارة البيئية، الذي أدى إلى مشاكل ضخمة في إدارة النفايات، وعلى سبيل المثال تراكم النفايات المنزلية في الشوارع، مما يؤدي إلى تفشي الأمراض المعدية، كما أن مكبات النفايات تلوث التربة وموارد المياه بشكل أكبر.
الثاني: مع تعرض أكثر من 40٪ من المدن لأضرار جسيمة أدى الى تراكم ملايين الأطنان من الركام. وبعض هذه الأنقاض لا تحتوي فقط على مزيج من المواد الخطرة مثل الأسبستوس والمعادن الثقيلة ومنتجات النفايات الصناعية، ولكنها تحتوي أيضًا على ذخائر غير منفجرة، وبالتالي تشكل خطرًا صحيًا كبيرًا على المدنيين والعمال.
الثالث: في أعقاب الهجمات على المواقع الصناعية، من المحتمل أن تكون البنية التحتية الحيوية (للطاقة) والمنشآت النفطية قد تركت بصمة سامة، بسبب إطلاق مواد خطرة مثل ثنائي الفينيل متعدد الكلور، والمنتجات النفطية ومبيدات الآفات - وهذه تؤثر بشكل مباشر على الصحة العامة وتسمم البيئة من خلال تلوث المياه الجوفية والسطحية والمواقع الزراعية.

أخيرًا: أدى الاستخدام المكثف لمجموعة من الأسلحة إلى تراكم الذخائر والخردة العسكرية في جميع أنحاء البلاد مما قد يؤدي إلى تلوث محلي ومخاطر تعرض المدنيين لها -العديد من الذخائر تحتوي على مواد كيميائية سامة مثل المعادن الثقيلة وغيرها من المواد المسببة للسرطان"[24]-.

هنا على سبيل المثال عندما نتحدث عن سمية السلاح، مثل قذائف الهاون وقذائف المدفعية والبراميل المتفجرة والقنابل الجوية والصواريخ نجد سميتها في الإضرار بالبيئة وصحة السكان، وتحتوي هذه الأسلحة على ذخيرة ذات أجزاء معدنية شائعة تحتوي على الرصاص والنحاس والزئبق والأنتيمون والتنغستن، كما تحتوي القذائف والصواريخ على مواد دافعة صلبة أو سائلة والنيتروجليسرين، والنيتروغوانيدين، والنيتروسيليلوز، و 2،4 ثنائي نيتروتولوين[25].

وبحسب تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الانسان بتاريخ ١٥ اذار/ مارس ٢٠٢٢، تم استخدام   أربعة أنواع من الأسلحة بشكل رئيسي: البراميل المتفجرة، الأسلحة الكيميائية، الذخائر العنقودية، الأسلحة الحارقة، وقال بأن طيران النظام المروحي، الثابت الجناح ألقى ما لا يقل عن 81916 برميلاً متفجراً، وذلك منذ أول استخدام موثق لهذا السلاح في 18/ تموز/ 2012.[26]

وسجل التقرير 222 هجوماً كيميائياً في سوريا، منذ أول هجوم موثق لهذا السلاح في كانون الأول/ 2012، نفَّذ النظام السوري 217 هجوماً، فيما نفَّذ تنظيم داعش 5 هجمات٫ وعلى صعيد الذخائر العنقودية قال التقرير إن النظام السوري وحليفه الروسي قد استخدما هذه الذخائر بشكل مكثف، حيث  سجل 495 هجوماً منذ أول استخدام موثَّق لهذا السلاح في تموز/ 2012، كان 250 هجوماً منها على يد قوات النظام السوري، و237 هجوماً على يد القوات الروسية، إضافة إلى 8 هجمات روسية/ سورية،  وسجل التقرير ما لا يقل عن 171 هجوماً بأسلحة حارقة على مناطق مدنيَّة سكنيّة منذ آذار/ 2011، وقد  كان 41 منها على يد قوات النظام السوري، و125 على يد القوات الروسية، و5 على يد قوات التّحالف الدولي[27].

باختصار، كان للضرر البيئي الناجم عن النزاع المسلح في سوريا آثار سلبية كبيرة على الصحة العامة، و كذلك زيادة مستويات تلوث الهواء والماء، وانعدام الأمن الغذائي، والتعرض للمواد الكيميائية السامة، ومشاكل الصحة العقلية والنفسية لكثير من السوريين مما أدى هذا  الضرر البيئي الناجم عن الصراع إلى زيادة التكاليف الصحية وإرهاق نظام الرعاية الصحية، وكذلك الى تدمير المرافق الطبية[28]، وتشريد أعداد كبيرة من الناس، وانتشار الأمراض نتيجة التدهور البيئي إلى زيادة كبيرة في الطلب على خدمات الرعاية الصحية، مما أدى إلى الضغط على نظام الرعاية الصحية المتعثر بالفعل.

 

  1. الآثار على الاقتصاد:

كان للضرر البيئي الناجم عن النزاع المسلح في سوريا تأثير سلبي كبير على الاقتصاد السوري، فقد أدى تدمير البنية التحتية الحيوية مثل محطات الطاقة ومنشآت معالجة المياه ومصافي النفط، و إلى تعطيل إمدادات الطاقة والمياه في البلاد، مما أدى إلى نقص وتقنين٫ في هذه المواد، مما أثر ذلك سلبًا على العديد من القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك الزراعة والتصنيع والنقل، والتي تعتمد بشكل كبير على الطاقة والمياه٫ ويمكننا إعطاء بعض الجوانب لهذه الآثار:

 

أ‌-       الأضرار التي لحقت بإنتاج النفط

 

سيطر تنظيم الدولة الإسلامية داعش على مصافي النفط في سوريا وبدأ البيع في السوق السوداء بسعر أقل مما يُباع النفط به في العادة، مما شكل شراء النفط من داعش حافزًا اقتصاديًا للمشترين، حتى لو كان ذلك يعني تمويل منظمة إرهابية[29]  منذ سبتمبر 2014، بدأت الولايات المتحدة وحكومة الأسد وروسيا وحلفاء آخرون تفجير مصافي النفط بضربات جوية لقطع مصدر تمويل داعش، وبسبب هذا؛ أصبحت داعش في أمس الحاجة إلى النفط و بدأوا في حفر  الحفر للنفط وعند العثور عليهم أشعلوا الزيت لتكريره[30].

لقد أدّى استهداف المناطق الصناعية مثل مصانع الإسمنت والأحياء الصناعية في حلب وحولها، ومصافي النفط وخطوط الأنابيب النفطية قرب حمص، ومحافظة دير الزور الغنية بالنفط، من قبل جميع الأفرقاء المتناحرين – أدّى إذاً إلى ظهور نقاط تلوّث ساخنة و مكثّفة٫ إلى جانب هذا الاستهداف المباشر لقطاع النفط في سوريا ، أدى تدمير المصافي المحترفة وغياب الرقابة إلى زيادة كبيرة في عدد مصافي النفط التي يتم تشغيلها بشكل مدني وعشوائي بدائي في شرق وشمال  سوريا، وهذا الاستهداف والاستغلال  لقطاع  النفط تأثير عميق على أي انتعاش اقتصادي في المستقبل، حيث أن الاقتصاد السوري كان مبنيًا إلى حد كبير على إنتاج الغاز والنفط و قطاع الأدوية والتكنولوجيا الحيوية٫ هذه القطاعات أصبحت الآن سائبة بكل ما للكل من معنى.

  • الأضرار التي لحقت بالمناطق الصناعية والبنية التحتية

كان للنزاع المسلح  تأثير سلبي على البنية التحتية السورية والمناطق الصناعية مثل حمص وحماة ودمشق وحلب٫  في المناطق الصناعية في كل من عدرا والشيخ نجار وحسيا ودير الزور   أثر  القصف  العشوائي للنظام السوري وحلفائه٫ على كثير من هذه المناطق الصناعية ، و أثر الصراع بين داعش وجيش النظام السوري  على حلب على بنيتها التحتية وكذلك على المناطق الصناعية القريبة مثل الشيخ نجار و منذ اندلاع النزاع ، تم تدمير أو إتلاف 52٪ من البنية التحتية في حلب و كذلك استهدفت قوات الأسد مدينة عدرا الصناعية بالقصف ، و التي تضم منشآت صناعية ثقيلة مثل مصانع الأسمنت والمصانع الكيماوية ومخازن النفط والغاز ومواقع الإنتاج العسكري[31].

 

  • الأضرار التي لحقت بقطاع الزراعة

 تعد سوريا تاريخياً دولة زراعية، حيث تمثل الزراعة جزءًا كبيرًا من ناتجها المحلي الإجمالي وتوفر فرص عمل لنسبة كبيرة من السكان، لذلك أدت الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية وأنظمة الري والبنية التحتية الزراعية الأخرى إلى انخفاض الإنتاج الزراعي، مما قلل من الأمن الغذائي للبلاد وأدى إلى زيادة أسعار المواد الغذائية، كما كان لخسارة الأراضي الزراعية وتدمير المحاصيل والثروة الحيوانية أثر كبير.

وعلى سبيل المثال انخفضت مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي أثناء الصراع، حيث تظهر نتائج دراسة حملت عنوان" تداعيات الأزمة السورية على القطاع الزراعي: دراسة حالة قمح وقطن وزيتون" الآثار الكارثية للصراع السوري على القطاع الزراعي، كما أن تراكم إجمالي الخسائر للقمح والزيتون والقطن بين عامي 2012 و2016 بلغ حوالي 9٪ من الناتج المحلي الإجمالي السوري لعام 2011.

  • الأضرار التي لحقت بقطاع السياحة

تسبب النزاع في أضرار جسيمة لصناعة السياحة في سوريا، من خلال تدمير المواقع التاريخية وغيرها من المواقع الثقافية، فضلاً عن تدهور الوضع الأمني، وإلى تراجع كبير في السياحة وكذلك تعرضت العديد من المواقع التاريخية والأثرية للقصف والتدمير والنهب،  وبعضها مسجل على لوائح اليونسكو مثل بلدة بصرى الشام وفي درعا وغيرها من المواقع الأثرية[32].

 

  • أضرار النزوح على البيئة:

بالإضافة الى الدور الذي لعبه التغير المناخي وتفاقم مشكلة الجفاف في سوريا وما رافقه من أضرار على الموارد الزراعية في البلاد،  تفاقمت مشكلة المياه مع حركة النزوح والهجرة وزادت عليها الضغوط، وأصبحت مناطق عديدة من البلاد تعاني من عدم كفاية امدادات المياه  وتلوث مواردها و تضرر محطات معالجتها  ورافق ذلك انتشار للأمراض وازداد عدد الوفيات[33]،  ومع ملايين النازحين داخلياً واللاجئين في دول الجوار أُنشئت عشرات المخيمات والأحياء العشوائية  و غالباً ما تُبنى هذه المخيمات في ظل ظروف مؤقتة وفي أراضي وممتلكات تعود ملكيتها للدولة أو لأفراد، وتبنى بشكل عشوائي ودون تخطيط حضري،  وهنا تثار أيضاً إشكاليات تتعلق بالملكية والمسؤولية البيئية ، ومع وجود موارد محدودة وضوابط مالية وزمنية ضيقة، و  قد تترك هذه المخيمات آثارا بيئية خطيرة تنعكس تداعياتها على الموارد الطبيعية المحلية مثل المياه، أو قد تخلق تحديات لإدارة النفايات، وفي دول الجوار السوري أيضاَ  نجد العواقب البيئية على المجتمعات المضيفة وعلى المحيط، مثل اجتثاث الغابات ورمي النفايات ونُدرة الموارد المائية، إذ تؤدي جميعها إلى تدهور المياه الجوفية وغيرها من الكوارث البيئية[34].

  1. الآثار السلبية للأضرار البيئية على عملية بناء السلام

ترتبط الآثار السلبية للأضرار البيئية بعملية السلام في سوريا ارتباطًا وثيقًا،  حيث يمكن أن يؤدي التدهور البيئي والدمار إلى تفاقم التوترات والصراعات القائمة ، مما يؤدي إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار،  حيث يمكن أن يحد الضرر البيئي أيضًا من سلطات الأمر الواقع في سوريا حالياً  وأصحاب المصلحة الآخرين على معالجة القضايا المتعلقة بالصراع والسلام،   وبخاصة أن  الصراع المستمر والدمار إلى صعوبة المشاركة في جهود الإدارة البيئية الفعالة والمعالجة٫ بالإضافة إلى ذلك ، أسهمت الأضرار البيئية في تهجير الناس،  وهذا بدوره يمكن أن يؤدي إلى مزيد من الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي، ويمكن أن يزيد من صعوبة تحقيق السلام والاستقرار٫ وهذا الضرر البيئي  قد يقوض قدرة المجتمعات على التعافي من الصراع وإعادة بناء حياتهم. وهذا يمكن أن يطيل أمد الصراعات ويجعل من الصعب تحقيق السلام الدائم.[35]

لكل ما سبق فإن معالجة الضرر البيئي الناجم عن الصراع في سوريا هو جانب مهم من عملية السلام، حيث يمكن أن يساعد في تقليل التوترات، وتعزيز الاستقرار، وخلق الظروف لسلام دائم، و يعد إعطاء الأولوية للبيئة في سوريا أثناء النزاع وفي مرحلة ما بعد النزاع أمرًا ضروريًا لحماية رفاهية الشعب السوري، ومنع المزيد من الصراع والنزوح، ودعم الانتعاش الاقتصادي للبلاد، والمساهمة في الجهود العالمية لحماية البيئة.

 

 

رابعاً: الحلول المقترحة للتخفيف من الآثار السلبية للأضرار البيئية في سوريا نتيجة النزاع المسلح

 

تسبب النزاع المستمر في سوريا بأضرار بيئية كبيرة، مما يجعل السوريين أمام تحديات عديدة للتخفيف من آثاره السلبية٫ فيما يلي بعض الحلول المحتملة لمعالجة الضرر البيئي والتي يمكن تقسمها الى مرحلتين:

  1. أثناء مرحلة النزاع:
  • تعزيز الاستخدام المستدام للموارد: يمكن أن يساعد تشجيع الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية والحد من استغلالها في التخفيف من الأضرار البيئية أثناء النزاع، وهذا يشمل تنفيذ ممارسات الحراجة المستدامة، واستخدام مصادر الطاقة المتجددة، والحد من التلوث.
  • دعم المراقبة البيئية: تساعد مراقبة الأضرار البيئية في تحديد المناطق التي تحتاج إلى الحماية وتقييم فعالية جهود التخفيف، ومن الضروري وجود نظام مراقبة موثوق به لتتبع التغيرات في البيئة وتحديد المخاطر التي يتعرض لها السكان.
  • السيطرة على المواد الخطرة: خلق الصراع في سوريا وضعاً حيث تم إطلاق مواد خطرة، بما في ذلك المواد الكيميائية والنفايات، في البيئة. يمكن أن يساعد تنفيذ التدابير للسيطرة على هذه المواد في التخفيف من تأثيرها السلبي على البيئة وحماية الصحة العامة.
  • تعزيز الوعي البيئي: تثقيف الجمهور حول أهمية حماية البيئة وتزويدهم بالمعرفة للمشاركة في جهود الحفظ يمكن أن يقطع شوطًا طويلاً في التخفيف من الآثار السلبية للأضرار البيئية، ويساعد رفع مستوى الوعي أيضًا في تقليل أخطار حدوث المزيد من الأضرار البيئية أثناء النزاع.
  • الدعم الدولي: بما في ذلك المساعدة المالية والتقنية، قد يساعد سوريا (بمختلف مناطق توزع السيطرة) على تنفيذ الحلول التي تخفف من الأضرار البيئية، ويمكن للمنظمات الدولية والمجتمع الدولي توفير الموارد والخبرة اللازمة لمواجهة التحديات البيئية أثناء النزاع.
  1. في مرحلة ما بعد النزاع وفي إطار خطة التعافي وبناء السلام

هناك العديد من الحلول الممكنة التي يمكن أن تساعد في التخفيف من الآثار السلبية للأضرار البيئية في سوريا خلال مرحلة ما بعد النزاع، والانتقال السياسي، والتعافي المبكر وبناء السلام، وبعضها:

  • اجراء تقييم بيئي شامل لمعرفة الواقع البيئي في سوريا بعد كل سنوات الصراع الطويلة.
  • تنفيذ الممارسات المستدامة والصديقة للبيئة: في مرحلة ما بعد الصراع، من المهم إعطاء الأولوية للممارسات المستدامة وجهود الحفاظ على البيئة. يمكن أن يشمل ذلك إعادة التحريج، والحفاظ على المياه، وتعزيز مصادر الطاقة المتجددة.
  • دمج القضايا البيئية مع القضايا الحضرية في مرحلة ما بعد الصراع: يساعد دمج القضايا البيئية مع القضايا الحضرية في إطار خطة إعادة إعمار شاملة على تعزيز مدن مستدامة ومرنة في سوريا ما بعد الصراع. فيما يلي بعض الاستراتيجيات المحتملة التي يمكن أخذها في الاعتبار: دمج البنية التحتية الخضراء، تعزيز النقل المستدام، تشجيع الاستخدام المستدام للطاقة، دعم إدارة النفايات، تعزيز المشاركة المجتمعية.
  • حث منظمات المجتمع المدني السورية على العمل في مجال البيئة حيث قد تعلب دوراً حاسماً في مواجهة التحديات البيئية عبر المساعدة في زيادة الوعي حول أهمية حماية البيئة، والدعوة إلى سياسات حماية البيئة، وتقديم خدمات مهمة مثل إدارة النفايات وجهود التنظيف، ويمكن لهم تسهيل الحوار والتعاون بين مختلف أصحاب المصلحة، بما في ذلك الحكومة والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية. ويمكنها أيضا أن تساعد على ضمان مراعاة احتياجات وأولويات المجتمعات المحلية في عمليات صنع القرار المتعلقة بحماية البيئة والتنمية المستدامة.
  • حوكمة الإدارة البيئية: يجب تقوية هياكل الإدارة البيئية لتعزيز وإنفاذ القوانين واللوائح البيئية ودراستها ووضع تشريعات بيئية تراعي الواقع البيئي في سوريا بعد النزاع، مثل اللوائح المتعلقة بإدارة المياه والتخلص من النفايات.
  • دعم المجتمعات المحلية: يعد دعم المجتمعات المحلية، وخاصة الأكثر تضررًا من النزاع، أمرًا ضروريًا للتعافي بعد الصراع٫ وهذا بدوره يساعد في توفير الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل المياه والصرف الصحي والكهرباء أيضًا في التخفيف من الأضرار البيئية.
  • المشاركة مع المنظمات الدولية: يمكن للمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية أن تلعب دورًا حاسمًا في تعزيز حماية البيئة في مرحلة ما بعد الصراع وهذه المنظمات تستطيع تقديم الخبرة الفنية والموارد المالية لدعم المبادرات البيئية.
  • تعزيز التعاون الإقليمي: القضايا البيئية لا تعرف الحدود، وبالتالي فإن التعاون الإقليمي ضروري لحماية البيئة بشكل فعال، ويمكن أن يساعد إنشاء منظمة بيئية إقليمية في تعزيز التعاون والتنسيق بشأن القضايا البيئية في الشرق الأوسط.

 

 

خامساً: الخاتمة

بناء على كل ما سبق نجد أن  النزاع المسلح في سوريا  تسبب  بأضرار بيئية كبيرة، وبالتالي  سيكون له آثار سلبية على عملية السلام ومرحلة التعافي،  وعليه  يجب معالجة القضايا البيئية كأولوية في جهود إعادة الإعمار وبناء السلام،  و يجب أن تدمج خطة إعادة الإعمار الشاملة القضايا البيئية مع التخطيط الحضري ، بما في ذلك التنمية المستدامة وإدارة النفايات وإدارة المياه٫ لمنظمات المجتمع المدني السوري دور حاسم في هذه العملية من خلال تعبئة وتمكين المجتمعات المحلية للمشاركة في عملية صنع القرار والتأكد من مراعاة احتياجاتهم ومصالحهم.

وللتخفيف من الآثار السلبية للأضرار البيئية في سوريا خلال مرحلة النزاع، تشمل الحلول المحتملة تعزيز الممارسات المستدامة، والحد من النفايات والتلوث، ودعم المبادرات المحلية. وفي مرحلة ما بعد النزاع، والانتقال السياسي، والتعافي المبكر، وبناء السلام المستدام، تشمل الحلول المحتملة تنفيذ خطة التعافي الأخضر، واستعادة النظم البيئية والتنوع البيولوجي، وتطوير البنية التحتية المستدامة.

في الختام لا يعد إعطاء الأولوية للبيئة في سوريا أمرًا حاسمًا لرفاهية المجتمعات المحلية وحسب، ولكنه أيضًا ضروري لعملية السلام واستقرار البلاد على المدى الطويل، و لمستقبل الأجيال القادمة، ويمكننا الوصول  لذلك  من خلال دمج القضايا البيئية في خطة إعادة الإعمار الشاملة وإشراك منظمات المجتمع المدني، وهذا كله لا يتم بدون أن يقوم المجتمع الدولي بدعم الشعب السوري في بناء مستقبل أكثر استدامة.

 

 

سادساً : المراجع

أبرز المراجع التي تم الاستناد اليها وردت في البحث:

  • الضعف البيئي في سوريا: تحليل أولي للنزاع والتغير البيئي، بقلم ريتشارد توتويلر وماركو جيه.هاينسجن ، المجلة الدولية للبحوث البيئية والصحة العامة (2018(.
  • الصراع والتغير البيئي في سوريا: الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية والهجرة القسرية، بقلم إي.أ.كيلي ومحمد مهتدي وم.أ.كان، المراجعة السنوية للبيئة والموارد (2015(.
  • المياه والصراع والتعاون: دروس من حوض نهر الأردن، بقلم منذر ج.حدادين وهليل شوفال وحسن دويك ، جامعة الأمم المتحدة (2016( .
  • ندرة المياه والصراع العنيف في سوريا، بقلم آرون وولف، المناخ والأمن (2014(.
  • سوريا: تغير المناخ والجفاف والاضطراب الاجتماعي، بقلم فرانشيسكا دي شاتيل، معهد لاهاي للعدالة العالمية (2014(.
  • الحوكمة البيئية في سوريا ما بعد الصراع، بقلم محمد العيسى ولمى الخوري، الاستدامة (2019(.
  • إعادة الإعمار في سوريا بعد الصراع: إطار عمل لتقييم الآثار البيئية، بقلم ريتشارد توتويلر وماركو جيه.هاينسجين، العلوم والسياسات البيئية (2020(.
  • فراس حاج يحيى، الآثار البيئية للنزاع المسلح: دراسة حالة سورية ، 2022.
  • البنك الدولي، المرصد الاقتصادي السوري، جيل ضائع من السوريين 2022.
  • إلهامندو درسومة وميشال أندريه بوشار، "النزاعات المسلحة والبيئة" 2006.
  • بيتر جليك، المياه والجفاف وتغير المناخ والصراع في سوريا، 2014.



[1]تقرير للبنك الدولي٫ المرصد الاقتصادي السوري، جيل ضائع من السوريين تم الوصول اليه بتاريخ 27 /10/2022 عبر الرابط التالي - https://bit.ly/3BjXaiw

[2] - هذه الدراسة مقتطعة من رسالة ماجستير في جامعة ليموج بفرنسا تم الدفاع عنها في عام  شهر أيلول٢٠٢٢٫ للاطلاع على الدراسة كاملة باللغة الفرنسية ٫ يمكنك العودة الى الرابط التالي:   فراس حاج يحيى، الآثار البيئة للنزاع المسلح: دراسة حالة سوريا، 2022، موقع اكاديميا: https://www.academia.edu/94444512/Impacts_environnementaux_des_conflits_arm%C3%A9s_une_%C3%A9tude_de_cas_sur_la_Syrie

[3] ربا جعفر، الآثار البيئيّة للصراع السوري، مبادرة الإصلاح العربي٫ 2021، متوفرة على الرابط : https://www.arab-reform.net/ar/people/%D8%B1%D8%A8%D8%A7-%D8%AC%D8%B9%D9%81%D8%B1/

[4] موقع بيانات عالمنا٫ مرجع باللغة الإنكليزية، by Hannah Ritchie and Max Roser,Syria: CO2 Country Profile,2021 https://bit.ly/3AVp2tp

[5] مرجع سابق ربا جعفر٫ مبادرة الإصلاح العربي.

[6] معهد الجامعة الأوروبية مرجع باللغة الإنكليزية By:Joseph Daher, Water Scarcity, Mismanagement

and Pollution in Syria٫ متوفر على الرابط : https://cadmus.eui.eu/bitstream/handle/1814/74678/QM-09-22-308-EN-N.pdf?sequence=1&isAllowed=y

[7]تقرير منشور على موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر٫ باللغة الفرنسية ٫ Crise de l’eau en Syrie : 40% d’eau potable en moins en dix ans,2021 ٫متوفر على الرابط :  https://bit.ly/3o4rBBI

[8] دراسة بعنوان وسط الحطام ٫  مرجع باللغة الإنكليزية Wim Zwijnenburg, Kristine te Pas, Amidst the

debris.٫ متوفرة على الرابط: https://paxforpeace.nl/media/download/pax-report-amidst-the-debris-syria-web.pdf

[9] موقع منظمة الهجرة الدولية مرجع باللغة الإنكليزيةFrank Laczko and Christine Aghazarm, Migration,

Environment and Climate Change: ASSESSING THE EVIDENCE 2016, متوفر على الرابط: https://publications.iom.int/system/files/pdf/migration_and_environment.pdf

[10] مرجع باللغة الإنكليزية ٫Hazem Ghassan Abdo, Impacts of war in Syria on vegetation dynamics and erosion risks in Safita area, Tartous, Syria 2018, https://link.springer.com/article/10.1007/s10113-018-1280-3

[11] دراسة منشورة على موقع وزارة الزارعة الفرنسية، مرجع باللغة الفرنسية، Prévenir l'érosion des sols pour protéger leurs ressources et leur biodiversité 2021,   https://bit.ly/3aPcVDj

[12] حازم سلوم، "التقييم المكاني لانجراف التربة في حوض القرداحة (سوريا)". نمذجة أنظمة الأرض والبيئة" جولييت 2017. متوفر على الرابط التالي: https://bit.ly/3aPcVDjZ

[13] الباحٍث العلمي جوجل٫ مرجع باللغة الإنكليزية Gleick, P. H. (2014). Water, drought, climate change, and conflict in Syria. Weather, climate, and society6(3), 331-340..

[14]رامي منصور٫ موقع عرب48 ٫  لعاصفة الرملية الأخيرة سببها الحرب السورية٫ 2015٫ متوفر على الرابط : https://www.arab48.com/%D8%B5%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%B5%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%A9-!

 

 

[15]ليز موفة٫ عقد من الحرب: عشاق الطبيعة السورية يستذكرون بيئتها ويندبون تدهورها٫ موقع سوريا على طول 2021 ٫ متوفر على الرابط التالي: https://syriadirect.org/syrias-nature-lovers-lament-ecological-losses-after-a-decade-of-war/

[16] المرجع السابق٫ ليز موفة.

[17] المرجع السابق ليز موفة.

[18] مرجع سابق، وسط الحطام.

[19] مرجع باللغة الإنكليزية،Hazem Ghassan Abdo, Impacts of war in Syria on vegetation dynamics and erosion risks in Safita area, Tartous, Syria 2018,متوفر على الرابط https://link.springer.com/article/10.1007/s10113-018-1280-3

[20] PAX (2015 مرجع سابق، وسط الحطام.

[21] مرجع باللغة الإنكليزية٫ H. S. Grantham,et al, Anthropogenic modification of forests means only 40% of remaining forests have high ecosystem integrity,2020. متوفر على الرابط https://bit.ly/3PtJbL2

[22] موقع مراقبة الغابات العالمية https://bit.ly/3PwpwtR

[23] محمد علي محمد٫ تقييم لتغير الغطاء الحرجي وقواه الدافعة في منطقة الساحل السوري خلال فترة الصراع من  2010 إلى 2020 منشور عام 2021٫ يمكن الوصول لها عبر الرابط https://bit.ly/3cfrdh0

[24]  وسط الحطام، مرجع سابق.

[25] مرجع باللغة الإنكليزية Wim Zwijnenburg & Annica WaleijFire and Oil: The Collateral Environmental Damage of Airstrikes on ISIS Oil Facilities, 2016. متوفر على الرابط https://bit.ly/3uScyyT

[26]تقرير صادر عن الشبكة  السورية لحقوق الانسان٫2022٫ متوفر على الرابط: https://snhr.org/wp-content/uploads/2023/01/R221213A.pdf

[27] المرجع السابق نفسه.

[28] المرجع السابق نفسه.

[29] "مرجع باللغة الإنكليزية Tony Cartalucci, L'Etat islamique est approvisionné depuis la Turquie 2014. متوفر على الرابط https://bit.ly/3Pw4zPU

 

[30] مرجع باللغة الإنكليزية Wim Zwijnenburg & Annica WaleijFire and Oil: The Collateral Environmental Damage of Airstrikes on ISIS Oil Facilities, 2016. متوفر على الرابط https://bit.ly/3uScyyT

[31] المرجع السابق نفسه.

[32]فراس العلي ،  نهب وتدمير آثار سوريا٫ موقع مع العدالة 2020 متوفر على الرابط التالي: https://pro-justice.org/ar/uncategorized/news_views/reports/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%86%D9%87%D8%A8-%D9%88%D8%AA%D8%AF%D9%85%D9%8A%D8%B1-%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%83%D8%A7.html

[33] مرجع باللغة الإنكليزية ٫ Batoul Ibrahim,Vojtech Novotny, Planning for sustainable development and environmental protection in post-conflict phase - case study: Syria, 2018   متوفر على الرابط https://bit.ly/3cjrboa

[34] إيميه جنكس و فيم زفيننبيرغ ، النزوح  والبيئة٫ موقع حكاية ما انحكت 2018 ٫ متوفر على الرابط  https://bit.ly/3PdPume

[35] مرجع باللغة الإنكليزية Tobias Ide  and al ,The past and future(s) of environmental peacebuilding, 2021 ٫ متوفر على الرابط التالي: https://academic.oup.com/ia/article/97/1/1/6041492

 

738.55 كيلوبايت

تابعنا على الفيسبوك

القائمة البريدية


تابعنا على تويتر

جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2024