المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام
الكراهية كعقبة أمام إعادة بناء سوريا: نحو قانون وطني مستند للشرعة الدولية لحقوق الانسان

الكراهية كعقبة أمام إعادة بناء سوريا: نحو قانون وطني مستند للشرعة الدولية لحقوق الانسان

الكراهية كعقبة أمام إعادة بناء سوريا: نحو قانون وطني مستند للشرعة الدولية لحقوق الانسان

 

المحامي فراس حاج يحيى ٫ باحث في المؤسسة السورية للدراسات و أبحاث الرأي العام

 

  • الملخص التنفيذي:

تتناول هذه الورقة الكيفية التي يُسهم فيها تصاعد خطاب الكراهية في إضعاف استقرار المجتمع السوري وعرقلة جهود بناء الدولة بعد سنوات من الصراع. من خلال تحليل نقدي للواقع القانوني في سوريا ومقارنته مع نماذج عربية، مثل القانون الجزائري والإماراتي، تقترح الدراسة إطارًا قانونيًا سوريًا مستقبليًا يُراعي المعايير الدولية لحقوق الإنسان. وتوضح النتائج أن غياب القوانين الرادعة ضد خطاب الكراهية يعمّق الانقسامات المجتمعية، ويهدد فرص التنمية والتعايش السلمي. وتُختتم الدراسة بجملة من التوصيات القانونية والعملية التي يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر تماسكًا وانفتاحًا في سوريا.

  • المقدمة:

على مدار أكثر من عقد، عاشت سوريا صراعًا عميقًا ترك أثرًا بالغًا في بنيتها المجتمعية والسياسية. ومع أن البلاد كانت دائمًا معروفة بتنوعها الطائفي والإثني، إلا أن هذا التنوع أصبح في السنوات الأخيرة مادة خام لخطابات كراهية تتغذى على الانقسام وتُذكي العداء بين فئات المجتمع. هذه الخطابات، التي تتكاثر بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي وفي التصريحات السياسية، لا تعكس فقط توترات آنية، بل تُهدد بإعادة إنتاج الصراع من بوابة الهوية والانتماء.

في هذا السياق، تبرز إشكالية جوهرية: ما الدور الذي يمكن أن يلعبه تشريع وطني، يستند إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان، في الحد من خطاب الكراهية وخلق أرضية قانونية تُسهم في بناء دولة أكثر تماسكًا وعدالة؟

  1. الإطار المفاهيمي: كيف يُعرَّف خطاب الكراهية في القانون الدولي؟

في سعي المجتمع الدولي لمواجهة الانقسامات والعنف القائم على الهوية، جاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ليضع تعريفًا واضحًا لخطاب الكراهية، خاصة في المادة 20، والتي تنص على أن أي دعوة للكراهية على أساس قومي أو عرقي أو ديني تُعتبر تحريضًا يستوجب الرد القانوني، خاصة إذا كانت تؤدي إلى التمييز أو العداء أو العنف.

وبمرور الوقت، أدركت المؤسسات الحقوقية الدولية أن الخطاب العدائي لا يمكن معالجته جميعه عبر العقاب. لذلك، جاءت خطة عمل الرباط (2012) التابعة للأمم المتحدة لتضع تصنيفًا أكثر توازنًا، يُميز بين الخطاب الذي يستدعي تجريمًا قانونيًا لأنه يهدد الأمن العام، وبين التعبيرات المسيئة التي يمكن مواجهتها بوسائل أخرى، مثل الحوار أو حملات التوعية.

في الحالة السورية، نرى بوضوح أن جزءًا كبيرًا من الخطاب الطائفي لا يقف عند حدود الرأي، بل يتحوّل إلى تحريض ممنهج على الإقصاء والتمييز ضد فئات محددة من المجتمع، خصوصًا حين تُستخدم منصات دينية أو إعلامية أو حتى مسلحة لتبرير العنف أو نزع الشرعية عن مجموعات بعينها. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك، خطابات بعض الجماعات المسلحة التي كانت تتبع لحكومة الأسد التي تُنكر على فئات معينة حق العودة لمجرد انتمائها الطائفي أو العرقي قبل سقوط نظام الأسد٫ والخطاب المضاد الذي نتج عن سقوطه استهدف شريحة واسعة من مؤيديه قبل سقوطه.

  1. كيف يتجلى خطاب الكراهية في سوريا؟ تصنيف الممارسات المُجرَّمة

لفهم عمق المشكلة في السياق السوري، لا يكفي الحديث عن خطاب الكراهية بشكل عام، بل من الضروري تفصيل أنواعه وتجلياته الواقعية. استنادًا إلى تقارير حديثة صادرة عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان (2023(، يمكن تقسيم هذه الممارسات إلى ثلاث فئات رئيسية:

أ. التعبيرات اللفظية والكتابية:

  • التحريض المباشر على العنف:

مثل التصريحات التي تُطلقها قيادات مسلحة وتهدد فيها بإبادة جماعية أو "تطهير عرقي".

  • نشر الصور النمطية السلبية:
    كمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تَصِم طائفة معينة بالخيانة أو العنف أو الانفصال، ما يرسّخ الانقسام ويغذي الشكوك المتبادلة.
  • التعليم المُسيَّس طائفيًا:
    مناهج دراسية تُقدّم روايات تاريخية مزورة تُكرّس نظرة دونية تجاه مجموعات بعينها.

ب. الأفعال الرمزية والسلوكية:

  • استهداف الرموز الدينية:
    مثل حرق دور العبادة أو تدنيسها، كما جرى في حادثة استهداف كنيسة في حلب عام 2022، والتي خلفت أثرًا بالغًا في نفوس الأهالي.
  • التمييز في المؤسسات:
    نحن نتحدث هنا عن حالات رفضت فيها جهات العمل أو التوظيف طلبات لأشخاص ٫ أو حالات فصل تعسفي من العمل بعد سقوط نظام بشار الأسد فقط بسبب انتماءاتهم العرقية أو الطائفية.
  • التجنيد القائم على الهوية:
    حيث تُستخدم مشاعر الكراهية والانتماء الضيق لتحفيز الشباب على الالتحاق بجبهات القتال، بدلًا من الدفع نحو المصالحة.

ج. الممارسات الرقمية: وفي الحالة السورية تعتبر هذه الأخطر والأوسع انتشاراً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024

  • نشر الشائعات عبر حسابات وهمية:
    مثل الادعاءات الكاذبة حول "تسميم الآبار" في إدلب عام 2021، والتي أثارت حالة من الذعر والاحتقان٫ نشر أخبار متمثلة بصور وفيديوهات كاذبة ومفبركة عن حدوث مجازر بحق الأقليات في سوريا منذ اليوم التالي لسقوط نظام بشار الأسد.
  • خرائط ديموغرافية عنصرية:
    كالحملات التي تُطالب بإقصاء مكوّنات مجتمعية من مناطق معينة، مثل حملة "سوريا للعرب فقط" التي انتشرت على تويتر في 2020٫ وبعد سقوط نظام الأسد خرائط تنشر لمناطق من سوريا تظهرها مقسمة لدول بحسب الطوائف او الأعراق.

3.    تأثير خطاب الكراهية على بناء الدولة: تحليل من ثلاث زوايا

خطاب الكراهية لا يقتصر فقط على كونه مشكلة اجتماعية أو أخلاقية، بل هو تهديد مباشر لأي محاولة لإعادة بناء الدولة السورية على أسس مستقرة وعادلة. يمكن تحليل هذا التأثير من ثلاث زوايا رئيسية:

 

 أولًا: زعزعة السلم الأهلي

تشير تقارير منظمات حقوقية، مثل هيومن رايتس ووتش (2023(، إلى أن نحو 60%  من النزاعات المحلية التي حدثت في سوريا خلال عام 2022 كان المحرك الأساسي لها خطابات طائفية وعدائية. هذه الخطابات تزيد من الشك وانعدام الثقة بين المجتمعات المختلفة، وتُعيد إنتاج الانقسام حتى بعد توقف القتال٫ وانتصار الثورة السورية٫ وما تبعها من دعوات انفصالية في مناطق عدة من سوريا٫ وساهم تأخر الحكومة السورية المؤقتة في إطلاق مسار واضح للعدالة الانتقالية في زيادة هذه الانقسامات وزيادة حدة خطاب الكراهية.

 

 ثانيًا: إضعاف المؤسسات والتنمية المحلية

عندما يشعر المواطن بأن الدولة لا تحميه من التمييز أو الإقصاء، تنخفض رغبته في المشاركة بأي مشروع تنموي أو خدمة عامة. في المناطق التي شهدت مستويات عالية من خطاب الكراهية، رصد البنك الدولي تراجعًا بنسبة 40% في المشاركة المجتمعية بالمبادرات التنموية المحلية. ببساطة، لا يمكن بناء مؤسسات فاعلة في بيئة يسودها الخوف والانقسام.

 

 ثالثًا: تأبيد الصراع بدل حله

بعض الخطابات العدائية يمكنها أن تتحول لفرصة تفرض من خلالها ما سلطات اجتماعية أو دينية أو مجموعات عسكرية متمردة ضد الحكومة السورية الجديدة أجندتها و يمكن لخطاب الكراهية أن يخلق "دولة داخل الدولة"، ويُبقي النار مشتعلة تحت الرماد٫ وكذلك تُستخدم لتجنيد الأطفال والشباب في أعمال عنف.

4.    تشريعات عربية لمكافحة خطاب الكراهية: دروس يمكن الاستفادة منها

رغم أن ظاهرة خطاب الكراهية ليست حكرًا على سوريا، إلا أن بعض الدول العربية بدأت مبكرًا في وضع أطر قانونية لمواجهتها، واستفادت من تجاربها في تقليص مظاهر التحريض والانقسام. فيما يلي عرض مختصر لتجربتين عربيتين يُمكن لسوريا أن تستلهم منهما عند إعداد تشريعها الخاص.

 أ. التجربة الجزائرية – القانون رقم 20-05 لعام 2020

أصدرت الجزائر في أبريل 2020 القانون رقم 20-05 المتعلق بالوقاية من خطاب الكراهية والتمييز ومكافحتهما. يُعد هذا القانون من أوائل المبادرات العربية التي تعاملت مع خطاب الكراهية بوصفه تهديدًا للأمن المجتمعي. يقدّم القانون تعريفات واضحة لمصطلحي "التمييز" و"خطاب الكراهية"، ويُجرّم التحريض عليهما، خاصة في الفضاء الإلكتروني.

كما نص القانون على إنشاء مرصد وطني خاص يُعنى برصد وتحليل هذه الخطابات، ويقترح حلولًا للحد من انتشارها.

النتائج:
بحسب تقرير مركز الجزائر للدراسات (2023)، ساهم القانون في تقليص جرائم الكراهية بنسبة تُقدّر بـ 35%، خاصة تلك المرتبطة بمنشورات التواصل الاجتماعي، ما يشير إلى دور القانون في الحد من التصعيد والانقسام.

 

ب. التجربة الإماراتية – القانون الاتحادي رقم 2 لعام 2015

يركز هذا القانون على حماية الهوية الوطنية والتعدد الثقافي، ويُجرّم أي إساءة للانتماءات الدينية أو العرقية ضمن المجتمع الإماراتي المتنوع. يضع القانون معايير واضحة للفصل بين حرية التعبير والتحريض الضار.

النتائج:
أشار تقرير الإمارات للتسامح (2022( إلى أن القانون لعب دورًا محوريًا في تعزيز التعايش داخل مجتمع متعدد الجنسيات والثقافات، وخلق بيئة قانونية حامية للتنوع.

اذاً كلا النموذجين يُبرزان أهمية وجود قانون واضح وشامل يواجه خطاب الكراهية من جذوره، وليس فقط من خلال العقوبات، بل أيضًا عبر حماية التعدد والانفتاح. وبالنسبة لسوريا، فإن دراسة هذه التجارب يُمكن أن تشكّل قاعدة صلبة لبناء تشريع وطني فاعل.

5.    نحو قانون سوري لمكافحة خطاب الكراهية: مسودة مقترحة

بناءً على التجارب الإقليمية والدروس المستخلصة من السياق السوري، تقترح هذه الورقة مسودة أولية لقانون وطني يهدف إلى مكافحة خطاب الكراهية وتعزيز التماسك الاجتماعي، مع الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

المادة 1: التعاريف

  • خطاب الكراهية:
    كل تعبير، سواء كان لفظيًا أو كتابيًا أو مرئيًا، يحرّض على العداء أو التمييز أو العنف ضد فرد أو جماعة بسبب انتمائهم الديني أو الطائفي أو العرقي أو القومي.
  • العنف الطائفي:
    أي فعل مادي أو معنوي يُمارس بهدف إقصاء أو إيذاء مجموعة ما بناءً على هويتها الجماعية.

المادة 2: الأفعال المُجرَّمة

  • التحريض المباشر أو غير المباشر على ارتكاب أعمال عنف ضد جماعة معينة.
  • تمويل أو إدارة منصات إلكترونية تُروّج للكراهية أو العنصرية أو الطائفية.
  • استخدام المنابر الدينية أو الثقافية أو الإعلامية لنشر خطاب يُقسّم المجتمع على أساس الهوية.

المادة 3: العقوبات

  • السجن من 3 إلى 10 سنوات في حال أدى خطاب الكراهية إلى عنف مادي أو نزوح جماعي.
  • غرامة مالية تصل إلى 50 مليون ليرة سورية تُفرض على الأفراد أو الكيانات التي تنشر أو تُمكّن نشر هذا الخطاب.
  • حل الجمعيات أو الكيانات التي يُثبت تورطها في تغذية الكراهية الطائفية أو العنصرية.

المادة 4: آليات الوقاية والحماية

  • إنشاء هيئة وطنية لمكافحة التطرف وخطاب الكراهية، تكون مستقلة وتضم ممثلين عن المجتمع المدني، مهمتها مراقبة الخطاب العام، وتقديم التقارير والتوصيات.
  • برامج تدريبية للأئمة والخطباء والإعلاميين لتعزيز الخطاب التعددي.
  • حماية الشهود والمبلّغين في القضايا الحساسة المتعلقة بالكراهية.
  • إلزام المنصات الرقمية المحلية والدولية بحذف المحتوى المحرّض خلال 24 ساعة من التبليغ، تحت طائلة المسؤولية.

المادة 5: الاستثناءات

لا يُعد خطاب كراهية:

  • النقد السياسي أو الاجتماعي الذي لا يتضمّن تحريضًا.
  • الأعمال الفنية أو الأدبية التي لا تستهدف الإضرار بجماعة بعينها.
  • المناقشات الفكرية أو الدينية التي تتم ضمن حدود احترام الآخر.

6.    توصيات لبناء قانون فعّال ومتوازن

حتى لا يتحول القانون إلى مجرد نص جامد أو أداة للرقابة، تقترح هذه الورقة عددًا من الخطوات العملية لضمان فعالية القانون وتحقيق أهدافه:

1.     إصلاح القضاء وتعزيز استقلاليته

يجب أن يُطبّق هذا القانون من خلال جهاز قضائي نزيه ومستقل، حتى لا يُساء استخدامه كأداة سياسية لقمع الرأي أو المعارضة.

2.     حملات توعية مجتمعية

نجاح القانون مرتبط بمدى فهم الناس له. من الضروري إطلاق حملات إعلامية توضّح مفاهيم خطاب الكراهية، وما الفرق بينه وبين حرية التعبير، مع التركيز على التوعية في المدارس والجامعات والمنابر الدينية.

 

3.     تعاون إقليمي ودولي

بعض أشكال خطاب الكراهية تنتقل عبر الحدود، سواء من خلال التمويل أو المحتوى الرقمي. لذلك، يُستحسن التعاون مع الدول المجاورة والمنظمات الدولية لرصد ومنع هذه التدفقات.

 

الخاتمة:

بعد انتصار الثورة السورية ٫ ونتيجة لما أفرزته سنوات الصراع الطويلة من انقسام جغرافي ومجتمعي وفكري وتعليمي في مختلف المناطق السورية، تُعد مواجهة خطاب الكراهية اليوم أكثر من مجرد خيار تشريعي، بل أولوية و ضرورة أخلاقية ووطنية لكل من يسعى لبناء سوريا جديدة، تقوم على قيم المواطنة والتنوع والتعايش.

إن اعتماد قانون وطني متوازن، يحترم الحريات لكنه لا يتساهل مع التحريض، قد يشكل خطوة جوهرية على طريق إعادة بناء العقد الاجتماعي في البلاد. لكن هذا القانون، مهما كان متقدمًا في صياغته، سيظل بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية، ومجتمع مدني يقظ، ومؤسسات تؤمن بالتعدد لا بالإقصاء.

 

قائمة المراجع:

  • UN Human Rights Council. (2023). Report on Hate Speech in Conflict Zones.
  • Syrian Justice and Accountability Center. (2021). Documenting Sectarian Violence.
  • South African Truth and Reconciliation Commission. (1998). Guidelines on Countering Hate Speech.
  • Algerian Studies Center. (2023). Impact of Law 20-05 on Online Hate Speech.
  • UAE Ministry of Tolerance. (2022). National Report on Coexistence and Diversity.
  • World Bank. (2021). Local Development and Citizen Participation in Syria.

 

 

مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة

-------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2025

762.23 كيلوبايت

تابعنا على الفيسبوك

القائمة البريدية


تابعنا على تويتر

جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2025