العنف السوري في ميزان التحليل

العنف السوري في ميزان التحليل
قراءة في كتاب الدكتور محمد خير الوزير
«في عنف السلطة وعنف المجتمع: الحالة السورية نموذجاً»
تمهيد:
لم يكن بوسع القارئ العربي، في أيٍّ من مراحل التاريخ الحديث، أن يجد نفسه أحوج إلى كتابٍ من أمثال هذا، مما صدر للدكتور محمد خير الوزير بعنوان «في عنف السلطة وعنف المجتمع: الحالة السورية نموذجاً». فقد جاء هذا المؤلَّف الرصين في لحظة فارقة من تاريخ سوريا والمنطقة العربية: لحظة انهيار منظومة الاستبداد وبزوغ فجر مرحلة انتقالية تنتظر مثل هذه الدراسات مرجعاً فكرياً ووجدانياً في آنٍ معاً؛ إذ سقط نظام الأسد وباتت الحكومة الانتقالية تواجه إرث عقود من القمع والعنف المنظَّم، بما يستدعي قراءةً متأنيةً في جذور الظاهرة قبل الانطلاق نحو المستقبل.
لقد كان الصراع السوري مختبراً بشعاً للعنف بأشكاله الأكثر وحشيةً وتعقيداً؛ عنف السلطة، وقد تجرّد من كل رداء شرعي، وعنف المجتمع، وقد انفجر ردَّ فعلٍ، وانتهى به الأمر أحياناً إلى إعادة إنتاج ما ثار عليه. ومن هنا تأتي قيمة هذا الكتاب الذي يُضيء الظاهرة من الداخل، قبل أن يكتفيَ بوصف مشاهدها الخارجية.
رؤية تحليلية في عمق الجرح السوري:
يتميّز الدكتور الوزير في هذا المؤلف بأسلوبٍ أكاديمي متين لا يُجافي الوضوح، يُغري القارئَ المتخصص والمثقفَ العام على حدٍّ سواء. فهو لا يكتفي بالسرد التاريخي للوقائع، بل يتجاوزه إلى تشريح المفاهيم تشريحًا دقيقًا؛ إذ يُعيد بناء الإطار الدلالي لمصطلحي «العنف المشروع» و«العنف غير المشروع»، ويطرح إشكاليات فلسفية وسياسية راسخة تتعلق بمعايير الشرعية ومنظومة القيم التي تتحكم في توظيف العنف وتبريره.
ويتوغّل الكتاب في تحليل العلاقة الجدليّة المعقّدة بين السلطة والمجتمع والعنف؛ فالدولة، بوصفها صاحبة الاحتكار المشروع لاستخدام القوة وفق التعريف الفيبيري الكلاسيكي، تحوّلت في الحالة السورية إلى منظومة قمع وإرهاب ممنهج موجَّه ضد مواطنيها أنفسهم، وهو ما أفضى حتماً إلى تفجّر العنف المضاد وتصاعد وتيرة الاحتراب الداخلي وانهيار مؤسسات الدولة.
خارطة الكتاب: رحلة في سبعة فصول
يُنظَّم الكتاب في سبعة فصول متسلسلة تتضافر في بناء رؤية تحليلية شاملة:
يُرسي الفصل الأول الإطار النظري للعنف، مستعرضًا أشكاله ومستوياته ودوافعه البنيوية والظرفية، ومُقدِّمًا مقارنة كاشفة بين أنظمة الحكم الشمولية عبر التاريخ، مع استحضار دائم للحالة السورية باعتبارها نموذجًا جامعًا.
ويأتي الفصل الثاني قلبَ الكتاب ومحوره؛ إذ يُخصَّص للحالة السورية بامتياز، متتبِّعاً مسار العنف منذ بداية الحراك الشعبي عام 2011، وكاشفاً الاستراتيجيات التي انتهجها النظام في مواجهة الحراك والمجتمع، من الاحتكار الأمني إلى التوظيف الطائفي وصولاً إلى الحرب الكاملة.
أما الفصول من الثالث إلى الخامس فتُعنى بالبُنى التحتية للأزمة، محلِّلةً مفاهيم السلطة والمجتمع والدولة، وكيف عمل النظام على تآكل هذه المفاهيم وتشويهها بما يخدم استمراره، حتى باتت الدولة ذاتها مصادرة لصالح النظام.
ويختتم الفصلان السادس والسابع المسيرة التحليلية بالتوقف عند أشكال العنف السياسي والاجتماعي وتجلياتهما في سوريا، مُظهِرَيْن كيف أسهم الصراع السياسي في تفكيك النسيج المجتمعي وتدمير رأس المال الاجتماعي الذي استغرق بناؤه قرونًا.
ملاحظة نقدية: العنف والدين — الباب الذي بقي موارَباً
على فائض القيمة الذي يحمله هذا الكتاب، لا تملك القارئة المتمعِّنة — وهي تحمل في الوقت ذاته لقب ابنة المؤلِّف — إلا أن تُسجِّل ملاحظة نقدية صريحة، تفرضها الأمانة الفكرية قبل كل شيء: لقد بقي باب «العنف والدين» موارباً في هذا المؤلَّف على نحوٍ يُثير الاستغراب وشيئاً من الأسى. فبينما نبّه المؤلِّف في مواضع متفرقة إلى حضور الديني في تبرير العنف وتوظيفه، لم يَلِجْ إلى هذا الميدان الخصب لولوجٍ معمَّقٍ ومنهجيٍ.
والمُدهِش في الأمر أن الدكتور الوزير يُعد من المرجعيات الأكاديمية العربية الراسخة في حقل الدراسات الإسلامية والفقه المقارن، وهو ميدان لا يُبارَى فيه. فلمَ آثر التحفُّظ والإجمال حين تناول توظيف النظام للخطاب الديني أداةً للترهيب والتحشيد والإقصاء؟ ولمَ لم يُشرِح عالِمٌ متخصصٌ من قامته العلاقةَ البنيوية بين منظومات الاستبداد والفقه الديني الرسمي الذي أضفى عليها الشرعية؟ ولمَ لم يُحلِّل الصراع على التأويل الديني بوصفه ميداناً موازياً للصراع السياسي والعسكري في الحالة السورية؟
إن هذا الغياب لا يُقلِّل من قيمة الكتاب، بل ربما يكشف عن مساحة بحثية يُقرّها صاحبها في قرارة نفسه للمرحلة القادمة. ولعلّ القراء يطالبون المؤلِّف علناً بأن يَفيَ هذا الجانب حقَّه في مؤلَّف مستقل أو في طبعة موسَّعة؛ فهو أَجدر الناس بملء هذا الفراغ.
خاتمة: دعوة إلى عقد اجتماعي جديد
يخلص الدكتور محمد خير الوزير، في ختام رحلته التحليلية، إلى قناعة راسخة مفادها أن معالجة ظاهرة العنف في سوريا لا يمكن أن تكون أمنيةً أو عسكريةً بحتة. فالأزمة السورية في جوهرها أزمة تعاقدٍ مجتمعيٍ منْهار، وإعادة البناء الحقيقية تستلزم إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية شاملة، تُفضي إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد يرتكز على المواطنة المتساوية وسيادة القانون والعدالة الانتقالية وتكريس حقوق الإنسان.
وفي ضوء اللحظة الراهنة، حيث تسعى الحكومة السورية الانتقالية الجديدة إلى بناء مؤسسات الدولة من تحت الأنقاض، يغدو هذا الكتاب مرجعاً استراتيجياً لا تزيينياً؛ فهو يُقدِّم للصانع السياسي والمثقف والناشط خارطةً لفهم الحطام قبل البناء عليه، ويُذكِّر بأن العنف لا يموت بسقوط نظامه، بل يحتاج إلى علاج بنيوي طويل النفس. وبذلك يضع المؤلف إسهاماً جديّاً في مكتبة العقل العربي التجديدي، الباحث عن مسالك للخروج من دوامة العنف إلى فضاء الكرامة والبناء.
بقلم: زلفى بنت محمد خير الوزير؛ صحفية سورية.
مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة
-------------------------------------------------------------------------------------
الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2026