حين يكون لصوتك أثرٌ في قرار دولة

حين يكون لصوتك أثرٌ في قرار دولة
تأمّلٌ في حرّية التعبير، بدءًا من صندوق سويسريّ ووصولًا إلى حلمٍ سوريّ
أ.د. محمد خير الوزير
في صباح الرابع عشر من حزيران/يونيو 2026، توجَّه السويسريّون إلى صناديق الاقتراع كما يفعلون مرّاتٍ في كلّ عام، لا ليختاروا حاكمًا، بل ليُقرّروا بأنفسهم وجهًا من وجوه مستقبل بلادهم. كان السؤال هذه المرّة جسيمًا: هل يُوضَع سقفٌ لعدد سكّان البلاد عند عشرة ملايين نسمة بحلول عام 2050؟ مبادرةٌ طرحها حزب الشعب السويسريّ اليمينيّ تحت شعار «لا لسويسرا بعشرة ملايين»، فكانت محلّ سجالٍ حادّ شُبِّه باستفتاء بريطانيا على الخروج من الاتّحاد الأوروبيّ.
وحين أُغلقت الصناديق، جاء الجواب واضحًا: نحو خمسةٍ وخمسين في المئة قالوا «لا»، في مقابل خمسةٍ وأربعين قالوا «نعم». رفض الناخبون المقترح، مؤثرين الاستقرار الاقتصاديّ وصِلتهم بالاتّحاد الأوروبيّ على مخاوفهم من ضغط الهجرة على المساكن والخدمات. وفي اقتراعٍ موازٍ في اليوم نفسه، أقرّ المواطنون بنسبةٍ تناهز الثلاثة والخمسين في المئة تشديدَ شروط الإعفاء من الخدمة العسكريّة لمصلحة الخدمة المدنيّة.
ليست العبرة هنا في مَن رَبِح ومَن خَسِر. العبرة في الفعل ذاته: أنّ مواطنًا عاديًّا، لا يملك سلطةً ولا جاهًا، وضع ورقةً صغيرة في صندوق، فكان لتلك الورقة وزنٌ في توجيه دولةٍ بأكملها. هذه هي نشوة أن يكون لك صوتٌ مسموع: لا صراخٌ في فراغ، بل كلمةٌ تُحصى وتُحترَم وتُترجَم إلى قرار.
حين تتحوّل الكلمة إلى قرار
ما يميّز التجربة السويسريّة ليس مجرّد وجود صندوق اقتراع، فالصناديق كثيرةٌ في العالم وكثيرٌ منها أجوف. ما يميّزها أنّ الصوت فيها مصونٌ بمنظومةٍ تجعل منه قوّةً فاعلة: حرّيةٌ في التعبير تسبق الاقتراع، ونقاشٌ عامٌّ مفتوح تتصارع فيه الحُجج لا الأشخاص، ثمّ احترامٌ للنتيجة مهما كانت. الناخب الذي خَسِر اليوم يعرف أنّه قد يَكسب غدًا، فلا يلجأ إلى العنف، ولا يخشى السجن لأنّه عبّر عن رأيه.
لاحظوا دقّة المشهد: المدن صوّتت في اتّجاه، والأرياف في اتّجاهٍ آخر، فكان أن «رجّحت المدن الكفّة»، كما قال رئيس الحزب صاحب المبادرة معترفًا بالنتيجة لا طاعنًا فيها. هذا الاعتراف الهادئ بالهزيمة هو، في تقديري، أنبل ثمار الحرّية: أن تقبل أن يكون صوت الآخر مساويًا لصوتك، وأن تطمئنّ إلى أنّ الخلاف لا يُلغي أحدًا.
نشوةٌ يعرفها مَن ذاقها… ومرارةٌ يعرفها مَن حُرِمها
لمن عاش في بلادٍ صودِر فيها الصوت عقودًا، تبدو هذه المشاهد أقربَ إلى الخيال. أن يكتب المرء رأيه فلا يَطرق بابَه ليلٌ ثقيل؛ أن يختلف مع السلطة فلا يُحسَب الاختلاف خيانة؛ أن يُحصى صوته فلا يُسرَق ولا يُزوَّر — هذه بديهيّاتٌ هناك، وأحلامٌ عندنا.
نحن، أبناءَ سوريا خاصّةً، نعرف الوجه الآخر من العملة معرفةَ مَن اكتوى به. عرفنا عقودًا كان فيها الصوت الواحد هو الصوت المسموح، والرأي الواحد هو الرأي «الصائب»، وما عداه إمّا صمتٌ مفروض أو ثمنٌ يُدفَع في الزنازين والمنافي. خرج السوريّون عام 2011 لا يطلبون المستحيل، بل يطلبون أبسط ما طلبه السويسريّ في صندوقه: أن يكون لكلمتهم وزن، وأن يكونوا شركاء في تقرير مصيرهم.
متى يصبح صوتنا مسموعًا؟
السؤال الذي يلحّ على كلّ سوريٍّ صادق: متى يصير لصوتنا في بلادنا ما لصوت السويسريّ في بلاده؟ والجواب، في ظنّي، لا يبدأ من الصندوق، بل ممّا قبله. فالاقتراع ثمرةٌ لا بذرة؛ تسبقه ثقافةٌ تحترم الاختلاف، ومؤسّساتٌ تحمي الكلمة، وقانونٌ يعلو على الأشخاص، وإعلامٌ حرٌّ يفسح للحُجج أن تتصارع علنًا.
إنّ صوتًا يُسمَع لا يُمنَح هبةً من حاكم، بل يُبنى لبنةً لبنة: حين نتمرّن على الإصغاء لمن يخالفنا، وحين نقبل أن نَخسر اليوم لنُحاجج غدًا، وحين نُعلّم أبناءنا أنّ الرأي الآخر شريكٌ لا عدوّ. سوريا الجديدة، إن أرادت أن يكون لأبنائها صوتٌ مؤثّر، فعليها أن تزرع هذه التربة أوّلًا، ثمّ يأتي الصندوق طبيعيًّا كما يأتي الثمر بعد الغرس.
ما رأيناه في سويسرا ليس استعراضًا لتفوّق أمّةٍ على أمّة، بل دليلٌ على أنّ الإنسان، أينما كان، جديرٌ بأن يكون صوته مسموعًا. والمسافة بيننا وبينهم ليست في الجوهر، بل في الزمن والمِران والإرادة. فلنُؤمن أنّ يومًا سيأتي يُدلي فيه السوريّ بصوته فيُحصى ويُحترَم ويُترجَم إلى قرار، فيذوق تلك النشوة النبيلة: نشوة أن تكون له كلمةٌ في وطنه، وأن يكون الوطن أكبر من أن يُختزَل في صوتٍ واحد.
رابط نتائج التصويت:
والله الموفّق،
مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة
-------------------------------------------------------------------------------------
الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2026