القدسُ في قصيدةٍ… وسوريا في مرآتها

«ولا يُجيبُ سِوى صَداها»
القدسُ في قصيدةٍ… وسوريا في مرآتها
بقلم: زلفى محمد خير الوزير
صحفية سورية
تركيا — تموز/يوليو 2026
أبدأ بما تُوجبه أمانةُ المهنة من إفصاحٍ لا مواربةَ فيه: ناظمُ الأبيات التي أتناولها في هذا المقال هو والدي، الأستاذ الدكتور محمد خير الوزير. وقد كان هذا القربُ وحدَه كافيًا لأن أعدل عن الكتابة؛ فالصحافة التي تعلّمتُها لا تحتمل المجاملة، والقرابةُ مظنّتُها الأولى. غير أنّي لا أكتب اليوم مديحًا لقصيدة، ولا احتفاءً بصاحبها، وما كنتُ لأفعل؛ إنما أكتب لأنّ الأبيات جاءت في لحظةٍ يَعسُر تجاهلُ دلالتها: ففي جنيف، حيث تنعقد هذه الأيام الدورةُ الثانية والستون لمجلس حقوق الإنسان، تتعاقب على المنابر البياناتُ والقراراتُ والفعالياتُ الموازية، ثم لا يخرج من ذلك كلِّه — إذا وُزن بميزان القدس — لا يرقى لأن يكون صدى صوتها، فضلًا عن أن يكون جوابًا عنه.
يقول الشاعر:
تنوحُ مآذنُ الأقصى الجريحِ وتغسلُ بالدموعِ أسًى ثَراها
وتسألُ ليلَها عن كلِّ فجرٍ أضاعَ على مسالكِهِ سَناها
وتحملُ في الحنايا ألفَ آهٍ وتكتمُ في المدى شكوى جَواها
تَظَلُّ القُدْسُ مُثْخَنَةً تُنَادِي وَلَكِنْ لا يُجِيبُ سِوَى صَدَاهَا
أيا قُدساهُ لا ينسى فؤادي دموعَكِ حينَ ضاقَ بها مَداها
فإن طالَ الظلامُ فكلُّ صبحٍ سيطلعُ من جراحِكِ لا سِواها
وتبقى في الضمائرِ ألفُ وعدٍ إذا ماتتْ قلوبٌ ما نَساها
تقوم القصيدة كلُّها على ثنائيةِ النداء والصدى. فالمآذن «تنوح»، والمدينة «تسأل ليلها»، و«تحمل في الحنايا ألف آهٍ» ثم «تكتم شكواها»؛ أفعالٌ كلُّها صادرةٌ عن القدس، لا واردةٌ إليها. وحين يبلغ النداءُ ذروته في البيت الذي هو قلبُ القصيدة ومركزُ ثقلها — «تظلّ القدسُ مثخنةً تنادي، ولكنْ لا يجيب سوى صداها» — تكتمل المفارقة: مدينةٌ تتكلّم فلا يجيبها إلا صوتُها مرتدًّا عن جدران العالم. وليس في العربية صورةٌ أقسى في وصف الخذلان من أن يكون الصدى هو المجيبَ الوحيد؛ لأنّ الصدى ليس جوابًا، بل هو الدليلُ على خُلوِّ المكان ممّن يجيب.
على أنّ القصيدة لا تستسلم لهذه العتمة. ففي بيتيها الأخيرين ينقلب الاتجاه: «فإن طال الظلامُ فكلُّ صبحٍ سيطلعُ من جراحِكِ لا سواها»، ثم «وتبقى في الضمائرِ ألفُ وعدٍ إذا ماتت قلوبٌ ما نساها». هنا يتحوّل الجرحُ نفسُه إلى مَطلعٍ للفجر، وتنتقل عُهدةُ القدس من المؤسسات إلى «الضمائر»؛ أي من الهيئات التي تجتمع وتُصدر البيانات، إلى الشعوب والأفراد الذين يحفظون الوعد وإن ماتت من حولهم قلوب.
وهذا تحديدًا ما يمنح القصيدةَ راهنيّتَها، ويبرّر — في تقديري — الكتابةَ عنها. فأنا أخطّ هذه السطور والدورةُ الثانية والستون لمجلس حقوق الإنسان منعقدةٌ في جنيف: قاعاتٌ تكتظّ بالوفود، وتقاريرُ للمقرّرين الخاصّين، وفعالياتٌ جانبية عن التعذيب والقمع العابر للحدود وحقوق الأسرى، وكلماتٌ بليغة تتلوها كلماتٌ أبلغ. ولستُ ممّن يبخس هذا الجهدَ قيمتَه؛ فالتوثيق ضرورة، والمساءلة فريضة، وحفظُ الشهادات دَينٌ للضحايا. لكنّ الصدق المهنيّ يقتضي القولَ إنّ كلَّ ما أُنتج ويُنتَج في هذه الدورة، إذا قيس بحجم ما تكابده القدس وأهلُها، لا يرقى لأن يكون صدى صوتها؛ حتى الصدى — وهو أضعفُ صور الاستجابة في القصيدة وأشدُّها مرارة — يبدو اليوم مطمحًا بعيدًا في أروقة المنظومة الدولية.
ومن جنيف يمتدّ الخيطُ إلى دمشق. فسوريا الخارجةُ من حربٍ دامت أربعة عشر عامًا تقف اليوم بحكومةٍ جديدة مهيضةِ الجناح، مثقلةٍ بإعادة إعمار بلدٍ منهَك، وبملفّات المفقودين والمهجَّرين، واقتصادٍ منهارٍ، ومؤسساتِ دولةٍ تُرمَّم حجرًا حجرًا؛ حكومةٍ لا تملك أن تقدّم للقدس جيوشًا ولا موازناتٍ ولا أوراقَ ضغطٍ سياسية. والشعب السوري الذي دفع من دمه وعمرانه وأجياله ما دفع، لا يجد اليوم بين يديه من وسائل نصرة القضية الفلسطينية إلا الدعاءَ الصادق، ودعمَ صمود أهلها معنويًا، وكلمةَ حقٍّ تُقال، ودمعةَ تضامنٍ لا تُشترى ولا تُباع.
وقد يظنّ ظانٌّ أنّ هذا قليل. وأنا أزعم أنه عينُ ما قصدت إليه القصيدةُ في خاتمتها: فـ«ألفُ الوعد» الباقيةُ في الضمائر لا تحفظها الحكومات — مهيضةً كانت أم مقتدرة — بل تحفظها الشعوبُ التي جرّبت القهرَ فعرفت قيمةَ ألّا يُترك المقهورُ وحده. والسوريُّ الذي نادى أربعة عشر عامًا فلم يُجبه في كثيرٍ من الأحيان إلا صداه، هو أقدرُ الناس على فهم البيت المركزيّ في هذه القصيدة، وأصدقُهم حين يعاهد ألّا يكون للقدس مجرّدَ صدًى، بل جوابًا؛ ولو لم يملك من الجواب إلا قلبَه ولسانَه ويديه المرفوعتين بالدعاء.
لهذا كتبتُ عن هذه الأبيات؛ لا لأنّ قائلها أبي — فتلك في عُرف المهنة تهمةٌ لا شفاعة — بل لأنها قالت في سبعة أبياتٍ ما عجزت عنه مجلّداتُ البيانات: إنّ القدس ما تزال تنادي، وإنّ العالم الرسميّ ما يزال يكتفي بترجيع الصدى، وإنّ الرهان الأخير — كما كان دائمًا — على الضمائر التي لا تنسى. فإن طال الظلام، فكلُّ صبحٍ سيطلع من الجراح: من جراح القدس أولًا، ولعلّه يمرّ في طريقه إليها بجراح دمشق.
مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة
-------------------------------------------------------------------------------------
الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2026