المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام
صنمُ التصنيفات الجامعية يتهاوى... فمتى نفيق من غفلتنا؟

صنمُ التصنيفات الجامعية يتهاوى... فمتى نفيق من غفلتنا؟

صنمُ التصنيفات الجامعية يتهاوى...
فمتى نفيق من غفلتنا؟

بقلم: أ. د. محمد خير الوزير

جنيف ــ يوليو 2026

 

مشهدٌ جديرٌ بطول التأمل: في اللحظة التي تُدير فيها كبرياتُ جامعات العالم ظهرَها للتصنيفات الدولية، وتعلن انسحابَها منها غيرَ آسفة، تتدافع على أبوابها جامعاتٌ ــ أو ما تُسمّي نفسَها جامعات ــ تستجدي مقعدًا في ذيل القوائم، فإذا ظفرت به أقامت الأفراح ونصبت الزينات وملأت الدنيا ضجيجًا، وكأنها فتحت فتحًا مبينًا. مفارقةٌ واحدة تختصر مأساةً تعليميةً كاملة: الكبار يغادرون المعبد، والصغار يتزاحمون على عتباته.

 

زيورخ تنسحب... والصنم يتصدّع

في مارس 2024 أعلنت جامعة زيورخ، إحدى أعرق الجامعات الأوروبية وأكبر جامعات سويسرا، انسحابَها من تصنيف «التايمز للتعليم العالي» وتوقُّفَها عن تزويده بأي بيانات. ولم تتلعثم في بيان السبب: هذه التصنيفات تخلق «حوافز زائفة»؛ لأنها تركّز على المخرجات القابلة للقياس، فتدفع الجامعات إلى تكديس أعداد المنشورات على حساب جودة مضمونها، وتوهم الناس أنها تقيس قياسًا شاملًا منجزاتِ الجامعة المتنوعة في البحث والتدريس، وهو ادعاءٌ لا تملك أدواته.

والمفارقة أن زيورخ كانت تحتل المرتبة الثمانين عالميًّا في آخر نسخة شاركت فيها؛ فهي لم تنسحب لأنها أخفقت، بل لأنها رأت أن التصنيف نفسه يحطّ من قدرها ولا يرقى إلى معاييرها. جامعةٌ تتجاوز رسومُ بعض برامجها التنفيذية خمسةً وخمسين ألف فرنك سويسري ــ أي ما يعادل نحو ثمانيةٍ وستين ألف دولار أمريكي بأسعار الصرف اليوم ــ بل تبلغ رسوم برنامجها للماجستير التنفيذي في إدارة الأعمال خمسةً وسبعين ألف فرنك (نحو ثلاثةٍ وتسعين ألف دولار)، ومع ذلك لا ترى في شارة الترتيب ما يستحق أن تنحني له؛ لأن قيمتها في مختبراتها وقاعاتها وخريجيها، لا في خانةٍ رقمية تمنحها إياها مجلةٌ تجارية.

ولم تكن زيورخ بِدعًا في ذلك: فقد سبقتها جامعة أوترخت الهولندية في سبتمبر 2023 واصفةً بياناتِ التصنيف ومنهجياتِه بأنها موضع شكٍّ بالغ؛ وتبرأت كلياتُ القانون والطب في هارفارد وييل وبيركلي من تصنيف «يو إس نيوز» عام 2022؛ وانسحبت جامعاتٌ صينية كبرى ــ نانجينغ ورنمين ولانتشو ــ في العام نفسه. بل إن المنصة الرسمية السويسرية المعنية بالتصنيفات، التابعة لأمانة الدولة للتعليم والبحث، حذّرت من أن تصنيفات الشركات الإعلامية تُؤثِر «لعبة الترتيب» الدرامية، بفائزيها وخاسريها، على حساب الدقة، وتقدّم دقةً زائفة قد تدرّ أرباحًا على المجلة الناشرة، لكنها تُلحق بالجامعات أضرارًا جسيمة.

 

ماذا تقيس هذه التصنيفات حقًّا؟

الحقيقة المُرّة أن هذه القوائم لا تقيس جودة التعليم، ولا تسأل عن مصير الخريجين. إنها تقيس سمعةً تُستطلع، واستشهاداتٍ تُعَدّ عدًّا، ونسبَ «تدويلٍ» تُحتسب حسابًا؛ وكلها مؤشرات قابلة للتلاعب والتزيين، بل للشراء. واتحاد الجامعات الأوروبية نفسه يقرّ بأن الإغراء المالي للمراتب العليا يدفع بعض المؤسسات إلى سلوك أي وسيلة، مشروعةً كانت أو غير مشروعة، للتسلّق في القوائم. وهكذا نشأت حول هذا الصنم سوقٌ كاملة: مؤتمراتٌ وشاراتٌ مدفوعة، واستشاراتٌ تُلقّن الجامعات فنون التجميل الرقمي، واستئجارُ انتسابات الباحثين كثيري الاستشهاد، وتحالفاتُ استشهادٍ متبادل تُنفَخ بها الأرقام نفخًا.

وآيةُ تهافُت هذه التصنيفات أن ترتيب الجامعة الواحدة يتأرجح تأرجحًا عجيبًا بين قائمة وأخرى لاختلاف المعايير؛ فأيُّ «علمٍ» هذا الذي تتبدل فيه الحقيقة بتبدّل المُصنِّف؟ إنه صنمٌ أكل عليه الدهر وشرب: وُلد مع تصنيف شنغهاي عام 2003، وشاخ قبل أن يكتمل له عقدان، وبدأ العالم الرصين يودّعه بابًا بابًا... بينما نستقبله نحن بالطبول والمزامير.

بيتُ القصيد أن يجد الخريجُ مكانَه في مجتمعه، لا أن تحمل جامعتُه رقمًا في قائمة.

 

الدرس السويسري: الجودة أولًا ولو خالفت الأرقام

وفي سويسرا ذاتها درسٌ أبلغ: فجامعاتها التي تتصدر القوائم من غير أن تلهث خلفها تتصرف بعكس منطق التصنيفات تمامًا. فحين شعرت المدرسة الفدرالية للتقنية في لوزان بأن التضخم المتسارع في أعداد طلبتها ــ ونحو ثلثي طلبة الماجستير فيها وافدون من الخارج ــ بات يضغط على جودة التعليم، لم تفتح الأبواب على مصاريعها لتحسّن مؤشر «التدويل» في القوائم، بل درست وضعَ سقفٍ لعدد المقبولين في السنة الأولى مع أولويةٍ لأبناء البلد. وجامعة سانت غالن تفرض منذ عام 1963 حصةً قصوى للطلبة الأجانب لا تتجاوز ربع المقاعد، حفاظًا على الانتقائية والجودة. هذه مؤسسات تضحّي بمؤشرات التصنيف عامدةً متعمدة متى تعارضت مع رسالتها؛ وتلخّص المدرسة الفدرالية في لوزان الفلسفة كلها بلا مواربة: التصنيفات مجرد نظرة خارجية طريفة، وليس لها أي تأثير في استراتيجيتنا وخياراتنا الإدارية.

أما نصيحة زيورخ للطلبة وذويهم فأثمن من كل قائمة: قارِنوا مضامين البرامج وبنيتها، واسألوا عن ثقافة البحث وظروف العمل في الجامعة؛ فذلك أهم من أي تصنيف.

 

وعندنا... جامعاتٌ تركض خلف السراب

هنا يبدأ الوجع. في فضائنا العربي ــ ومعه أطرافٌ واسعة من عالم الجنوب ــ انقلبت الآية: صار الترتيبُ غايةً والتعليمُ وسيلة. جامعاتٌ تنفق على استشارات التصنيف والاحتفاء به ما لا تنفقه على مختبراتها ومكتباتها؛ وتلاحق الباحثَ كثير الاستشهادات لتستأجر انتسابه لا لتبني به مدرسةً علمية؛ وتُغرق أساتذتها بمطالب النشر الكمّي في مجلاتٍ لا يقرؤها أحد، وتحاسبهم بعدد الأوراق لا بأثرها؛ ثم تشتري صفحات الإعلانات لتزفّ إلى الناس أنها «ضمن أفضل خمسمئة جامعة»... في أي شيء؟ وبأي معيار؟ لا أحد يسأل.

وبينما تُرفَع اللافتات وتُقَصّ الشرائط، يقف الخريج على باب سوق العمل خاليَ الوفاض: مناهجُ متكلّسة لم تمسّها يد التحديث منذ عقود، ومهاراتٌ لا يطلبها أحد، وبحثٌ علمي أُنتج لأغراض الترقية لا لخدمة مجتمع. أوَليس عجبًا أن تحتفل جامعةٌ بقفزةٍ في ترتيبها، وأفواجٌ من خريجيها بين عاطلٍ عن العمل وعاملٍ في غير تخصصه؟

ولنا في محنة خريجينا السوريين في دول اللجوء عبرةٌ تقطر مرارة: شبابٌ انتزعوا شهاداتهم من فم المستحيل، درسوا وقلوبُهم معلّقة بأهلٍ تحت القصف، وعملوا ليلًا ليموّلوا محاضرات النهار، ثم وجد كثيرون منهم أنفسهم ــ كما وثّقت المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام ــ مهندسَ معلوماتية في ورشة خياطة، وخريجَ إدارة أعمال في مصنع نسيج، وماجستير في الهندسة الكيميائية عامل في ورشة بناء ومضيف في فنادق المناطق السياحية في المواسم السياحية؛ يسألون بحرقة: ما جدوى سهر الليالي إذا كانت هذه هي النهاية؟ لم يسألهم أحدٌ قط عن ترتيب جامعاتهم؛ سألتهم الحياة عمّا يحسنون، وسألتهم القوانين عمّا يُسمح لهم به. فالشهادة ــ مهما علا شأن مانحها ــ لا تكتمل قيمتها إلا حين تجد طريقها إلى مكانٍ في المجتمع؛ وهذا بالضبط ما لا تقيسه التصنيفات ولا تعبأ به.

 

بيت القصيد

إن بيت القصيد ليس أن تكون الجامعة ضمن أفضل مئة أو خمسمئة، بل أن يجد خريجُها مكانَه في المجتمع: عملًا يليق بعلمه، ومهارةً يحتاجها سوقُه، وأثرًا يتركه في عمران بلده. بهذا المعيار ينبغي أن تُحاسَب الجامعات: بنسب توظيف خريجيها ومساراتهم بعد التخرج، وبجودة برامجها واعتمادها الأكاديمي الرصين، وبصلة بحثها بحاجات الناس، وبشراكاتها الحقيقية مع سوق العمل والمجتمع؛ لا بموقعها في قائمةٍ تبيعها مجلة.

فمتى ننتبه من غفلتنا؟ متى تتحول أسئلة الأهل والطلبة من «كم ترتيبُها؟» إلى «ماذا سيُحسن ابني حين يتخرج فيها؟ ومن وظّف خريجيها؟ وأين هم اليوم؟». ومتى تكفّ وزاراتُ التعليم وهيئاتُ الاعتماد عندنا عن مجاراة هذا السباق المحموم، فتضع معاييرَ وطنيةً صارمة للجودة والتوظيف والأثر، تحاسِب بها الجامعات على رؤوس الأشهاد؟

لقد أسقطت زيورخ الصنم في عقر داره، وقالتها بلسان الحال قبل المقال: نحن أكبر من أن يختصرنا رقم. فمتى تقولها جامعاتُنا ــ لا كِبرًا وخُيلاء، بل ثقةً بجودةٍ تصنعها بالفعل لا بالدعاية؟ إن أمة «اقرأ» أولى الأمم بأن تتتبع الحقيقة لا الأرقام، وأن تبني الإنسان لا اللافتات؛ وما لم نفعل، فسنبقى نحتفل بترتيبٍ ورقي تصدره مجلات الآخرين، بينما تتقدم الأمم بخريجين يجدون أماكنهم في مجتمعاتهم. وذلك ــ لا سواه ــ هو الفوز المبين.

أكاديمي وباحث سوري ــ سويسري؛ رئيس مجلس إدارة أكاديمية جنيف للقانون والعلوم الدبلوماسية (GADDS).

 

مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة

-------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2026

513.40 كيلوبايت

تابعنا على الفيسبوك

القائمة البريدية


تابعنا على تويتر

جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2026