دراسة في تأسيس القضاء الدستوري خلال المرحلة الانتقالية في ضوء الفقه الدستوري والتجارب الدستورية المقارنة

المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية
دراسة في تأسيس القضاء الدستوري خلال المرحلة الانتقالية
في ضوء الفقه الدستوري والتجارب الدستورية المقارنة
المحامي فراس حاج يحيى: باحث قانوني وسياسي
بحث قانوني تحليلي مقارن يتناول المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية بوصفها إحدى مؤسسات المرحلة الانتقالية، ويحلل دورها في حماية الشرعية الدستورية، وضبط العلاقة بين السلطات، والإسهام في بناء النظام الدستوري الدائم، مع تقديم نموذج مقارن ومبادئ تشريعية استرشادية للقانون المنظم للمحكمة الدستورية العليا
الملخص التنفيذي
تتناول هذه الدراسة المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية بوصفها إحدى أهم المؤسسات الدستورية التي أنشأها الإعلان الدستوري خلال المرحلة الانتقالية، وتسعى إلى تحليل دورها في تأسيس القضاء الدستوري وترسيخ الشرعية الدستورية، بعيداً عن الاقتصار على دراسة تنظيمها القانوني أو اختصاصاتها التقليدية.
وتنطلق الدراسة من فرضية رئيسة مؤداها أن إنشاء المحكمة الدستورية العليا لا يعني، في حد ذاته، اكتمال بناء القضاء الدستوري، وإنما يمثل الخطوة الأولى في تأسيس مؤسسة دستورية يتوقف نجاحها على جودة تنظيمها التشريعي، وضمانات استقلالها، وطبيعة اختصاصاتها، والاجتهاد القضائي الذي ستطوره في مواجهة الإشكاليات الدستورية التي تفرضها المرحلة الانتقالية.
واعتمدت الدراسة المنهج التحليلي المقارن، من خلال تحليل نصوص الإعلان الدستوري والمرسوم المنظم لإنشاء المحكمة، والاستفادة من الفقه الدستوري المقارن، ولا سيما التجارب المصرية والفرنسية والألمانية، بقصد استخلاص المبادئ التي يمكن الإفادة منها في بناء نموذج وطني للقضاء الدستوري يراعي خصوصية الحالة السورية، دون الاكتفاء باستنساخ أي نموذج أجنبي.
وقد خلصت الدراسة إلى أن المحكمة الدستورية العليا لا تمثل مجرد جهة للرقابة على دستورية القوانين، وإنما تعد إحدى المؤسسات المؤسسة للمرحلة الانتقالية، لما تضطلع به من دور في ضمان استمرار الشرعية الدستورية، وضبط العلاقة بين السلطات العامة، وحماية الحقوق والحريات، ومنع الفراغ الدستوري، والمساهمة في تهيئة البيئة القانونية اللازمة للانتقال إلى النظام الدستوري الدائم.
كما انتهت الدراسة، في ضوء المقارنة بين النماذج السورية والمصرية والفرنسية والألمانية، إلى أن النموذج الأنسب للحالة السورية لا يتمثل في تبني أي من هذه النماذج بصورة كاملة، وإنما في بناء نموذج دستوري سوري مختلط، يستفيد من الطبيعة القضائية المركزية للنموذج المصري، ومن توازن نظام التعيين والرقابة السابقة في النموذج الفرنسي، ومن ضمانات الاستقلال وقوة الأحكام في النموذج الألماني، مع إعادة تكييف هذه العناصر بما يتفق مع خصوصية المرحلة الانتقالية السورية.
واختتمت الدراسة بمجموعة من النتائج والتوصيات التشريعية، فضلاً عن اقتراح مبادئ أساسية يمكن أن يسترشد بها المشرع عند إعداد القانون المنظم للمحكمة الدستورية العليا، بما يسهم في بناء قضاء دستوري مستقل وفعال، قادر على حماية الإعلان الدستوري، وترسيخ سيادة القانون، والمساهمة في تأسيس النظام الدستوري الدائم في الجمهورية العربية السورية.
المقدمة
يشكل إنشاء المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية أحد أهم التطورات التي شهدها البناء الدستوري للدولة خلال المرحلة الانتقالية، ليس لأنه أضاف مؤسسة جديدة إلى الهيكل الدستوري للدولة فحسب، وإنما لأنه أرسى الأساس الأول لتأسيس القضاء الدستوري بوصفه أحد الضمانات الرئيسة لحماية الشرعية الدستورية، وضبط العلاقة بين السلطات العامة، وترسيخ مبدأ سيادة القانون.
وتكتسب المحكمة الدستورية العليا أهمية استثنائية في السياق السوري، لأنها لم تنشأ في ظل نظام دستوري مستقر، وإنما في مرحلة انتقالية تتسم بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإعادة تنظيم العلاقة بين السلطات، وإعداد البيئة القانونية والدستورية اللازمة للانتقال إلى نظام دستوري دائم. وفي مثل هذه المراحل، لا يقتصر دور المحكمة على الفصل في المنازعات الدستورية، وإنما يمتد إلى الإسهام في حماية الوثيقة الدستورية، ومنع الفراغ الدستوري، وضمان استمرار الشرعية الدستورية، بما يعزز الثقة بالمؤسسات العامة ويحد من مخاطر تضارب الاختصاصات أو تغول إحدى السلطات على الأخرى.
ورغم الأهمية البالغة التي تكتسبها المحكمة الدستورية العليا في هذه المرحلة، فإن معظم الكتابات التي تناولتها انصرفت إلى تحليل النصوص المنشئة لها أو مناقشة الجوانب السياسية المرتبطة بتشكيلها، في حين لم تحظ بالدراسة الكافية بوصفها إحدى مؤسسات المرحلة الانتقالية، أو من زاوية دورها في تأسيس القضاء الدستوري السوري، أو في ضوء المقارنة المنهجية مع النماذج الدستورية المقارنة.
ومن هنا، لا تقتصر هذه الدراسة على تحليل الأحكام الواردة في الإعلان الدستوري أو بيان اختصاصات المحكمة، وإنما تسعى إلى بحث الإطار النظري والمؤسسي للقضاء الدستوري في الجمهورية العربية السورية، وتحليل طبيعة المحكمة الدستورية العليا وموقعها الدستوري، وبيان حدود اختصاصاتها وضمانات استقلالها، مع استجلاء الدور الذي يمكن أن تؤديه في حماية الشرعية الدستورية خلال المرحلة الانتقالية.
كما تتجاوز الدراسة حدود التحليل الوصفي للنصوص، من خلال إجراء مقارنة منهجية بين النموذج السوري والنماذج المصرية والفرنسية والألمانية، بهدف استخلاص العناصر الأكثر ملاءمة لبناء محكمة دستورية مستقلة وفعالة تراعي خصوصية الحالة السورية، وتستفيد في الوقت ذاته من الخبرات الدستورية المقارنة، دون نقلها بصورة آلية أو استنساخها.
ولا تهدف الدراسة إلى تقييم الأشخاص الذين يتولون عضوية المحكمة أو الحكم على خيارات السلطة التأسيسية في تشكيلها، وإنما تنطلق من فرضية علمية مؤداها أن نجاح المحكمة الدستورية العليا لن يتحدد بطريقة إنشائها وحدها، بل بالمنظومة التشريعية التي تنظم عملها، وبالضمانات المقررة لاستقلالها، وبالاجتهاد القضائي الذي ستؤسسه، وبقدرتها على ممارسة رقابة دستورية فعالة تحقق التوازن بين حماية الحقوق والحريات واحترام اختصاصات السلطات العامة.
كما تواكب الدراسة مرحلة مهمة من مراحل تطور القضاء الدستوري السوري، تتمثل في العمل على إعداد القانون المنظم للمحكمة الدستورية العليا ونظامها الداخلي، الأمر الذي يمنح نتائجها وتوصياتها بعداً عملياً، ويجعلها قابلة للإفادة منها عند استكمال البناء التشريعي والمؤسسي للمحكمة.
وانطلاقاً من ذلك، تعتمد الدراسة المنهج التحليلي المقارن، وتنتهي إلى استخلاص نموذج دستوري مقترح للمحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية، مستند إلى خصوصية المرحلة الانتقالية، ومسترشد بأفضل ما استقرت عليه التجارب الدستورية المقارنة، وصولاً إلى تقديم مبادئ تشريعية يمكن أن تسهم في بناء قضاء دستوري حديث يشكل أحد أهم مرتكزات النظام الدستوري الدائم.
أهمية الدراسة
تكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تتناول إحدى أهم المؤسسات التي استحدثها الإعلان الدستوري في الجمهورية العربية السورية خلال المرحلة الانتقالية، وهي المحكمة الدستورية العليا، بوصفها مؤسسة دستورية تضطلع بدور يتجاوز الرقابة على دستورية القوانين إلى الإسهام في حماية الشرعية الدستورية، وضبط العلاقة بين السلطات العامة، وترسيخ سيادة القانون في مرحلة تشهد إعادة بناء مؤسسات الدولة.
وتزداد أهمية الدراسة بالنظر إلى حداثة التجربة الدستورية السورية في هذا المجال، وإلى أن المحكمة الدستورية العليا ما تزال في مرحلة التأسيس، في الوقت الذي يجري فيه إعداد القانون المنظم لها ونظامها الداخلي، الأمر الذي يجعل البحث في طبيعتها القانونية، وضمانات استقلالها، واختصاصاتها، وآليات عملها، مسألة ذات أهمية علمية وعملية في آن واحد.
كما تتمثل أهمية الدراسة في أنها لا تقتصر على تحليل نصوص الإعلان الدستوري والمرسوم المنشئ للمحكمة، وإنما تتناول المحكمة باعتبارها إحدى مؤسسات المرحلة الانتقالية، وتبحث في الدور الذي يمكن أن تؤديه في ضمان استمرارية الشرعية الدستورية، ومنع الفراغ الدستوري، وحماية الحقوق والحريات، والإسهام في بناء النظام الدستوري الدائم.
وتنبع أهمية الدراسة كذلك من اعتمادها المنهج المقارن، إذ لا تكتفي بعرض التجارب الدستورية المقارنة، وإنما تجري مقارنة منهجية بين النموذج السوري والنماذج المصرية والفرنسية والألمانية، بهدف استخلاص المبادئ الأكثر ملاءمة لبناء قضاء دستوري سوري حديث، مع مراعاة خصوصية البيئة الدستورية السورية ومتطلبات المرحلة الانتقالية.
وتكتسب الدراسة بعداً عملياً إضافياً لأنها لا تنتهي بعرض النتائج فحسب، وإنما تقدم تصوراً للنموذج المقارن الأنسب للحالة السورية، وتقترح مجموعة من المبادئ التشريعية التي يمكن الاستفادة منها عند إعداد القانون المنظم للمحكمة الدستورية العليا، بما يجعلها مرجعاً علمياً يمكن الإفادة منه في النقاشات التشريعية والدستورية المتعلقة باستكمال بناء القضاء الدستوري في الجمهورية العربية السورية.
أهداف الدراسة
تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف العلمية والعملية، يتمثل أهمها فيما يأتي:
- بيان الإطار الدستوري الذي أنشئت في ظله المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية، وتحليل فلسفة الإعلان الدستوري في تنظيمها.
- تحديد الطبيعة القانونية للمحكمة الدستورية العليا، وبيان مركزها الدستوري، وضمانات استقلالها، وموقعها ضمن البناء الدستوري للدولة.
- تحليل اختصاصات المحكمة الدستورية العليا وحدود ممارستها، وبيان دورها في الرقابة على دستورية القوانين، وتفسير نصوص الإعلان الدستوري، والفصل في المنازعات الدستورية.
- دراسة الدور الذي يمكن أن تؤديه المحكمة الدستورية العليا بوصفها إحدى مؤسسات المرحلة الانتقالية، وأثرها في حماية الشرعية الدستورية، وضبط العلاقة بين السلطات العامة، والإسهام في بناء النظام الدستوري الدائم.
- إجراء دراسة مقارنة بين النموذج السوري والنماذج المصرية والفرنسية والألمانية، وتحليل أوجه التشابه والاختلاف بينها، واستخلاص المبادئ التي يمكن الإفادة منها في بناء المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية.
- الوصول إلى تصور علمي للنموذج المقارن الأنسب لتنظيم المحكمة الدستورية العليا بما يراعي خصوصية الحالة السورية، ويوازن بين متطلبات المرحلة الانتقالية واستقرار النظام الدستوري مستقبلاً.
- تقديم مجموعة من المبادئ والتوصيات التشريعية التي يمكن أن يسترشد بها المشرع السوري عند إعداد القانون المنظم للمحكمة الدستورية العليا، بما يعزز استقلالها وفاعلية اختصاصاتها ويسهم في ترسيخ دولة القانون.
إشكالية الدراسة
تنطلق هذه الدراسة من إشكالية رئيسة تتمثل في التساؤل الآتي:
إلى أي مدى يوفر الإعلان الدستوري في الجمهورية العربية السورية الأساس اللازم لبناء محكمة دستورية عليا مستقلة وفعالة، قادرة على حماية الشرعية الدستورية خلال المرحلة الانتقالية، وما النموذج المقارن الأنسب الذي يمكن الاستفادة منه عند استكمال تنظيمها بالقانون؟
وينبثق عن هذه الإشكالية عدد من التساؤلات الفرعية، أهمها:
- ما الطبيعة القانونية للمحكمة الدستورية العليا في ضوء الإعلان الدستوري؟
- هل يوفر التنظيم الدستوري الحالي الضمانات الكافية لاستقلال المحكمة وحيادها؟
- ما حدود اختصاصات المحكمة الدستورية العليا خلال المرحلة الانتقالية، وما القيود التي تحكم ممارستها؟
- ما الدور الذي يمكن أن تؤديه المحكمة في حماية الشرعية الدستورية، وضبط العلاقة بين السلطات، وترسيخ الحقوق والحريات خلال المرحلة الانتقالية؟
- ما أوجه الاتفاق والاختلاف بين النموذج السوري والنماذج المصرية والفرنسية والألمانية في تنظيم القضاء الدستوري؟
- أي النماذج المقارنة يعد أكثر ملاءمة للحالة السورية، وما العناصر التي ينبغي الاستفادة منها عند إعداد القانون المنظم للمحكمة الدستورية العليا؟
- ما المبادئ التشريعية التي ينبغي أن يتضمنها القانون المنظم للمحكمة الدستورية العليا حتى تتمكن من أداء وظيفتها الدستورية بكفاءة واستقلال؟
فرضيات الدراسة
تنطلق الدراسة من مجموعة من الفرضيات، أهمها:
- إن إنشاء المحكمة الدستورية العليا في الإعلان الدستوري لا يعني اكتمال بناء القضاء الدستوري، وإنما يمثل المرحلة الأولى في تأسيسه، ويتوقف نجاحه على القانون المنظم للمحكمة والاجتهاد القضائي الذي ستطوره.
- إن المحكمة الدستورية العليا خلال المرحلة الانتقالية تؤدي وظيفة دستورية تتجاوز الرقابة على دستورية القوانين، لتصبح إحدى المؤسسات الضامنة لاستمرار الشرعية الدستورية، وحماية الحقوق والحريات، وضبط العلاقة بين السلطات العامة.
- إن استقلال المحكمة الدستورية العليا لا يتحقق بمجرد النص عليه، وإنما يتطلب منظومة متكاملة من الضمانات المتعلقة بطريقة تشكيل المحكمة، ومدة العضوية، وعدم قابلية القضاة للعزل، والاستقلال المالي والإداري، وحجية الأحكام.
- إن التجارب الدستورية المقارنة تمثل مصدراً مهماً للاستفادة عند بناء القضاء الدستوري السوري، إلا أن خصوصية المرحلة الانتقالية السورية تحول دون إمكان نقل أي نموذج أجنبي بصورة كاملة.
- إن النموذج الأنسب للمحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية يتمثل في نموذج وطني مختلط، يستفيد من الطبيعة القضائية المركزية للنموذج المصري، ومن توازن نظام التعيين والرقابة السابقة في النموذج الفرنسي، ومن ضمانات الاستقلال وقوة الأحكام في النموذج الألماني، مع إعادة تكييف هذه العناصر بما يتفق مع خصوصية الدولة السورية ومتطلبات المرحلة الانتقالية.
حدود الدراسة
تقتصر هذه الدراسة على تحليل المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية في ضوء الإعلان الدستوري والمرسوم المنشئ لها، مع التركيز على طبيعتها القانونية، ومركزها الدستوري، وضمانات استقلالها، واختصاصاتها، ودورها في حماية الشرعية الدستورية خلال المرحلة الانتقالية.
وتنحصر الدراسة زمنياً في المرحلة الانتقالية التي أعقبت صدور الإعلان الدستوري، ولا تمتد إلى دراسة المحكمة الدستورية في ظل الدستور الدائم إلا بالقدر الذي تقتضيه المقارنة أو استشراف التطور المستقبلي للقضاء الدستوري السوري.
كما تقتصر الدراسة من الناحية المقارنة على النماذج الدستورية المصرية والفرنسية والألمانية، باعتبارها من أبرز التجارب التي أسهمت في تطوير القضاء الدستوري المعاصر، ولما تمثله من اتجاهات مختلفة في تنظيم المحاكم الدستورية واختصاصاتها وضمانات استقلالها، وذلك بقصد استخلاص المبادئ التي يمكن الإفادة منها في بناء نموذج دستوري ملائم للحالة السورية.
ولا تتناول الدراسة تقييم الأشخاص الذين يشغلون عضوية المحكمة الدستورية العليا أو تحليل المواقف السياسية المتعلقة بإنشائها، كما لا تبحث في الجوانب السياسية للمرحلة الانتقالية إلا بالقدر اللازم لفهم الإطار الدستوري الذي تعمل المحكمة في ظله.
وأخيراً، لا تهدف الدراسة إلى إعداد مشروع قانون متكامل للمحكمة الدستورية العليا، وإنما تقترح مجموعة من المبادئ التشريعية العامة التي يمكن الاستفادة منها عند إعداد القانون المنظم للمحكمة، بما ينسجم مع نتائج الدراسة والتحليل المقارن.
منهج الدراسة
اعتمدت الدراسة المنهج التحليلي بوصفه المنهج الرئيس، من خلال تحليل نصوص الإعلان الدستوري والمرسوم المنشئ للمحكمة الدستورية العليا، وبيان فلسفة المشرع الدستوري في تنظيم المحكمة، وتحليل طبيعتها القانونية، واختصاصاتها، وضمانات استقلالها، والإشكاليات التي يثيرها تنظيمها في المرحلة الانتقالية.
كما اعتمدت الدراسة المنهج المقارن، من خلال مقارنة النموذج السوري بالنماذج المصرية والفرنسية والألمانية، بهدف الوقوف على أوجه الاتفاق والاختلاف بينها، واستخلاص العناصر التي يمكن الإفادة منها في بناء المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية، مع مراعاة خصوصية البيئة الدستورية السورية وعدم استنساخ أي نموذج أجنبي بصورة آلية.
واستعانت الدراسة كذلك بالمنهج الاستشرافي عند تناول القانون المرتقب للمحكمة الدستورية العليا، من خلال بيان المبادئ التي ينبغي أن يقوم عليها تنظيمها التشريعي، وتحليل متطلبات النظام الداخلي للمحكمة، واقتراح نموذج مقارن ملائم للحالة السورية، وصولاً إلى تقديم مجموعة من المبادئ التشريعية التي يمكن أن تسهم في استكمال البناء القانوني والمؤسسي للقضاء الدستوري السوري.
خطة الدراسة
اقتضت طبيعة الدراسة تقسيمها إلى ثلاثة فصول رئيسة، يسبقها تمهيد منهجي، وتعقبها خاتمة تتضمن أهم النتائج والتوصيات، بالإضافة إلى ملحق يتضمن المبادئ التشريعية المقترحة للقانون المنظم للمحكمة الدستورية العليا.
الفصل الأول: الإطار الدستوري لإنشاء المحكمة الدستورية العليا، ويتناول دلالة إنشاء المحكمة في الإعلان الدستوري، والتمييز بين إنشاء المحكمة وتأسيس القضاء الدستوري، ودلالة إحالة تنظيمها إلى القانون، ثم يبحث في الطبيعة القانونية للمحكمة، ومركزها الدستوري، وضمانات استقلالها، وطبيعتها الخاصة خلال المرحلة الانتقالية.
الفصل الثاني: الاختصاصات الدستورية للمحكمة الدستورية العليا وحدود ممارستها، ويعرض اختصاصات المحكمة في الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، وأنماط الرقابة وطرق تحريكها، واختصاصها في تفسير نصوص الإعلان الدستوري، ثم يناقش القيود الدستورية التي تحكم ممارستها لاختصاصاتها، وحدود رقابتها في ضوء مبدأ الفصل بين السلطات والسلطة التأسيسية.
الفصل الثالث: متطلبات بناء المحكمة الدستورية العليا في المرحلة الانتقالية، ويتناول الضمانات الدستورية والقانونية لاستقلال المحكمة، ومتطلبات تنظيمها التشريعي، والنظام الداخلي واجتهادها القضائي، ثم يبحث في دور المحكمة بوصفها إحدى مؤسسات المرحلة الانتقالية، قبل أن يختتم بدراسة مقارنة بين النماذج السورية والمصرية والفرنسية والألمانية، تنتهي إلى استخلاص النموذج المقارن الأنسب لتنظيم المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية.
وتختتم الدراسة بخاتمة تتضمن أبرز النتائج التي انتهت إليها، وتوصيات تشريعية ومؤسسية تهدف إلى دعم بناء المحكمة الدستورية العليا وتعزيز دورها في حماية الشرعية الدستورية، ويليها ملحق يتضمن المبادئ الأساسية المقترحة للقانون المنظم للمحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية.
المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية
دراسة في تأسيس القضاء الدستوري خلال المرحلة الانتقالية في ضوء الفقه الدستوري المقارن
الفصل الأول: الإطار الدستوري لإنشاء المحكمة الدستورية العليا
المبحث الأول: دلالة إنشاء المحكمة الدستورية العليا في الإعلان الدستوري
المطلب الأول: إنشاء المحكمة الدستورية وضمان سمو الإعلان الدستوري
يقوم النظام الدستوري الحديث على مبدأ سمو الدستور، بوصفه القاعدة القانونية العليا التي تستمد منها جميع القواعد الأدنى مشروعيتها، وتلتزم السلطات العامة بممارسة اختصاصاتها في الحدود التي يرسمها. غير أن تقرير هذا السمو في النصوص الدستورية لا يكفي، بذاته، لضمان احترامه في الواقع العملي، لأن القيمة القانونية لأي قاعدة لا تقاس بمجرد مكانتها في التدرج التشريعي، وإنما بوجود وسائل مؤسسية تكفل فرضها عند مخالفتها. ومن ثم، فإن التمييز بين سمو الدستور بوصفه مبدأً قانونياً، وضمان سمو الدستور بوصفه نظاماً مؤسسياً، يمثل المدخل الصحيح لفهم وظيفة القضاء الدستوري في الدولة الحديثة[1].
وقد عبر هانس كلسن عن هذا المعنى عندما قرر أن الدستور لا يكتسب صفته بوصفه القانون الأعلى إلا إذا اقترن بوسيلة قانونية تكفل إبطال أو استبعاد القواعد التي تخالفه، لأن القاعدة الدستورية التي لا تتمتع بضمانة فعالة تبقى مجرد توجيه سياسي أو أخلاقي أكثر من كونها قاعدة قانونية ملزمة. وانطلاقاً من هذا التصور، اعتبر أن العدالة الدستورية ليست مؤسسة مستقلة عن مبدأ سمو الدستور، وإنما هي الأداة التي تمنحه الفاعلية القانونية وتحول دون تحوله إلى مبدأ نظري مجرد[2].
ولئن ارتبطت نظرية كلسن تاريخياً بفكرة المحكمة الدستورية بوصفها «مشرعاً سلبياً»، فإن تطور الفقه الدستوري والقضاء المقارن أظهر أن وظيفة المحكمة الدستورية تجاوزت حدود إلغاء التشريعات المخالفة للدستور. فلم تعد المحكمة تمارس دوراً سلبياً يقتصر على استبعاد النصوص غير الدستورية، وإنما أصبحت تضطلع بوظيفة إنشائية في بناء النظام الدستوري من خلال تفسير المبادئ الدستورية، وحماية الحقوق والحريات، وتحقيق التوازن بين السلطات، وتوجيه المشرع نحو التفسير الأكثر اتساقاً مع الدستور. ولذلك، فإن وظيفة المحكمة لا تتمثل في حماية النصوص الدستورية فحسب، بل في حماية النظام القيمي الذي يقوم عليه الدستور ذاته[3].
وتزداد أهمية هذه الوظيفة في الدول التي تمر بمرحلة انتقالية، لأن الوثيقة الدستورية المؤقتة لا تعمل في ظل مؤسسات مستقرة أو اجتهادات دستورية متراكمة، وإنما تنشئ قواعد جديدة في بيئة يغلب عليها عدم الاستقرار التشريعي والسياسي. وفي مثل هذه الظروف، لا يقتصر دور المحكمة الدستورية على الرقابة على دستورية القوانين، بل يمتد إلى تثبيت المبادئ الدستورية الناشئة، وضبط حدود اختصاص السلطات العامة، ومنع تحول المرحلة الانتقالية إلى مبرر لتعليق الضمانات الدستورية أو الانتقاص منها. وقد بين الفقه المقارن أن المحاكم الدستورية في الدول الخارجة من النزاعات أو التحولات السياسية الكبرى تؤدي دوراً يتجاوز القضاء التقليدي، لتصبح أحد الفاعلين الرئيسيين في بناء الشرعية الدستورية الجديدة[4].
وفي هذا الإطار، يكتسب إنشاء المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية أهمية تتجاوز مجرد استحداث مؤسسة جديدة ضمن البناء الدستوري. فالإعلان الدستوري، بإقراره وجود المحكمة، لم يضف جهازاً جديداً إلى مؤسسات الدولة فحسب، وإنما أقر مبدئياً بأن احترام أحكامه لن يبقى رهناً بإرادة السلطات العامة، بل سيصبح – من حيث الأصل – خاضعاً لرقابة قضائية مستقلة. ويعد هذا التحول من أهم النتائج القانونية المترتبة على النص، لأنه ينقل حماية الإعلان الدستوري من المجال السياسي إلى المجال القضائي، ويؤسس لقيام رقابة قانونية على ممارسة السلطة.
غير أن هذا الأثر لا يتحقق تلقائياً بمجرد النص على إنشاء المحكمة. فالتمييز بين إنشاء المحكمة وقيام القضاء الدستوري يظل قائماً حتى بعد صدور الإعلان الدستوري. فقد توجد المحكمة دستورياً، وتباشر أعمالها، ومع ذلك تظل عاجزة عن أداء وظيفتها إذا افتقرت إلى الضمانات المؤسسية اللازمة، أو ضُيق نطاق اختصاصها، أو احتُكر حق اللجوء إليها، أو غابت الحجية الملزمة لأحكامها. ومن ثم، فإن إنشاء المحكمة يمثل الشرط اللازم لقيام القضاء الدستوري، لكنه لا يمثل الشرط الكافي لوجود عدالة دستورية فعالة.
ويؤيد هذا الاتجاه تطور التجربة الفرنسية ذاتها. فالمجلس الدستوري، الذي أنشأه دستور عام [5]1958، لم يمارس منذ البداية الدور الواسع الذي يؤديه اليوم في حماية الحقوق والحريات، بل كان اختصاصه الأول مرتبطاً بضبط العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. ولم يتحول إلى مؤسسة رئيسية في حماية الكتلة الدستورية إلا عبر تطور اجتهاده القضائي، ولا سيما منذ قرار حرية تكوين الجمعيات الصادر سنة 1971، ثم بعد تعديل الدستور سنة 2008 الذي استحدث آلية السؤال الأولي حول الدستورية (Question prioritaire de constitutionnalité)، والتي أتاحت للمتقاضين، بصورة غير مباشرة، إثارة عدم دستورية النصوص التشريعية أثناء نظر النزاع أمام المحاكم العادية[6]. ويكشف هذا التطور أن إنشاء المؤسسة لا يكفي، بل إن القضاء الدستوري يتكون تدريجياً من خلال توسيع اختصاص المحكمة وتعزيز وسائل الوصول إليها وتطور اجتهادها.
وتنسحب النتيجة ذاتها على الحالة السورية. فالمادة (47) من الإعلان الدستوري السوري تمثل بداية البناء الدستوري للمحكمة، لكنها لا تستنفد عناصره[7]. إذ يبقى القانون المنظم للمحكمة، وطبيعة اختصاصاتها، وضمانات استقلالها، وطرق تحريك الدعوى الدستورية، وحجية أحكامها، عناصر جوهرية في تحديد ما إذا كان الإعلان الدستوري قد أرسى فعلاً نظاماً متكاملاً للقضاء الدستوري، أم أنه اقتصر على إنشاء المؤسسة وترك اكتمالها للمشرع.
التقييم النقدي
يكشف التحليل السابق أن الخطأ المنهجي الذي وقعت فيه كثير من الكتابات العربية يتمثل في الخلط بين وجود المحكمة الدستورية وبين قيام القضاء الدستوري. فالأول يتعلق بوجود مؤسسة نص عليها الدستور أو الإعلان الدستوري، أما الثاني فيرتبط بمدى قدرة هذه المؤسسة على ممارسة رقابة فعالة ومستقلة تكفل احترام سمو الدستور.
ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية للمادة (47) من الإعلان الدستوري السوري لا تكمن في إعلان إنشاء المحكمة، وإنما في فتح الطريق نحو بناء نظام متكامل للعدالة الدستورية. وإذا كان النص قد أنجز الخطوة الأولى، فإن نجاحه سيظل مرهوناً بمدى التزام القانون المنظم للمحكمة بتحويل هذا الإنشاء إلى ضمانة دستورية حقيقية، وعدم الاكتفاء بوجود مؤسسة تحمل اسم المحكمة دون أن تمتلك المقومات القانونية والوظيفية التي تجعلها حارساً فعلياً للإعلان الدستوري.
المطلب الثاني التمييز بين إنشاء المحكمة الدستورية وتأسيس القضاء الدستوري
يثير استعمال مصطلحي «إنشاء المحكمة الدستورية» و«تأسيس القضاء الدستوري» إشكالية مفاهيمية لم تحظ بالعناية الكافية في الفقه الدستوري العربي، إذ غالباً ما يُستعمل المصطلحان على أنهما مترادفان، رغم اختلاف مضمونهما القانوني والآثار المترتبة على كل منهما. ويترتب على هذا الخلط نتائج عملية تؤثر في تفسير النصوص الدستورية المنظمة للمحاكم الدستورية، ولا سيما في الدول التي تمر بمراحل انتقالية، حيث لا يكفي وجود النص الدستوري لإثبات قيام نظام متكامل للعدالة الدستورية، وإنما يجب التحقق من توافر العناصر القانونية والمؤسسية التي تجعل من المحكمة سلطة قضائية قادرة على ممارسة وظيفتها بصورة فعالة.
ويقصد بإنشاء المحكمة الدستورية ذلك العمل الدستوري الذي يصدر عن السلطة التأسيسية، ويترتب عليه إدراج المحكمة ضمن التنظيم الدستوري للدولة بوصفها إحدى مؤسساتها العليا. ويستمد هذا الإنشاء وجوده من الوثيقة الدستورية ذاتها، وليس من القانون العادي، الأمر الذي يجعل وجود المحكمة محمياً بالإرادة التأسيسية، فلا يجوز للمشرع العادي إلغاؤها أو استبدالها أو تعطيل وجودها، لأن اختصاصه يقتصر على تنظيمها في الحدود التي رسمها الدستور[8].
أما تأسيس القضاء الدستوري، فهو مفهوم أشمل من مجرد إنشاء المحكمة، لأنه يعبر عن اكتمال منظومة الرقابة الدستورية بجميع عناصرها الموضوعية والإجرائية والمؤسسية. فالقضاء الدستوري لا يقوم بمجرد وجود هيئة تحمل اسم المحكمة الدستورية، وإنما بقيام نظام قانوني يحدد اختصاصاتها، وإجراءات التقاضي أمامها، وطرق تحريك الدعوى الدستورية، وحجية أحكامها، وضمانات استقلالها، وآليات تنفيذ قراراتها. ومن ثم، فإن إنشاء المحكمة يمثل الأساس الدستوري للقضاء الدستوري، بينما يمثل تأسيس القضاء الدستوري المرحلة التي تتحول فيها المحكمة إلى مؤسسة قادرة على حماية الدستور بصورة فعلية.
ويؤيد هذا التمييز الفقه الدستوري المقارن. فقد انطلق هانس كلسن من فكرة أن الرقابة على دستورية القوانين لا تحقق غايتها إلا إذا مارستها هيئة مستقلة تمتلك سلطة قانونية حقيقية لإبطال التشريعات المخالفة للدستور، وهو ما يعني أن وجود المحكمة لا قيمة له إذا كانت مجرد مؤسسة شكلية لا تملك الوسائل القانونية اللازمة لممارسة اختصاصها. ولذلك ربط كلسن بين إنشاء المحكمة وبين منحها ولاية قضائية فعالة، باعتبار أن العدالة الدستورية ليست مجرد وجود مؤسسة، وإنما وظيفة دستورية لحماية سمو الدستور[9].
وسار الفقه الفرنسي في الاتجاه ذاته، وإن بصياغة مختلفة. فلويس فافور يرى أن القضاء الدستوري لا يقاس بوجود هيئة دستورية فحسب، وإنما بطبيعة الدور الذي تؤديه في النظام الدستوري، ومدى مساهمتها في حماية الحقوق والحريات وضبط العلاقة بين السلطات العامة. أما دومينيك روسو، فيعتبر أن تطور القضاء الدستوري يرتبط بتطور وظيفة المحكمة نفسها، إذ لم تعد مهمتها تقتصر على الرقابة الشكلية على التشريع، وإنما أصبحت شريكاً أساسياً في حماية دولة القانون وترسيخ مبدأ سمو الدستور من خلال اجتهادها القضائي المستمر[10].
وتبرز أهمية هذا التمييز بصورة واضحة في التجربة الفرنسية. فقد أنشأ دستور الجمهورية الخامسة لعام 1958 المجلس الدستوري، إلا أن دوره عند إنشائه كان محدوداً، إذ انحصرت الرقابة الدستورية في نطاق الرقابة السابقة على القوانين، وكانت سلطة الإحالة إليه مقصورة على عدد محدود من السلطات السياسية. غير أن المجلس تحول تدريجياً إلى قضاء دستوري متكامل بفعل تطور اجتهاده، ولا سيما بعد قراره الشهير الصادر في 16 تموز/يوليو 1971 بشأن حرية تكوين الجمعيات، الذي اعترف بالقيمة الدستورية لإعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 ومقدمة دستور 1946، ثم تعزز هذا الدور بعد التعديل الدستوري لسنة 2008 الذي استحدث نظام السؤال الأولي حول الدستورية، مما أتاح للأفراد، عن طريق القضاء العادي، إثارة الدفع بعدم دستورية القوانين النافذة. وتدل هذه التجربة على أن إنشاء المؤسسة سبق اكتمال القضاء الدستوري بسنوات طويلة، وأن الاجتهاد القضائي كان عاملاً رئيسياً في تأسيسه[11].
ولا تختلف التجربة المصرية في جوهرها، رغم اختلاف بنيتها الدستورية. فقد نص دستور جمهورية مصر العربية الصادر سنة 2014 والمعدل سنة 2019 على استقلال المحكمة الدستورية العليا[12]، واختصاصها الحصري في الرقابة على دستورية القوانين واللوائح، وعلى استقلال أعضائها وعدم قابليتهم للعزل، كما قرر أن أحكامها وقراراتها ملزمة للكافة ولجميع سلطات الدولة وتتمتع بحجية مطلقة. إلا أن هذا التنظيم الدستوري لم يكن وحده كافياً، إذ أسهم قانون المحكمة الدستورية العليا رقم (48) لسنة [13]1979، إلى جانب اجتهادها القضائي المتراكم، في بناء قضاء دستوري مستقر، أصبحت أحكامه تمثل أحد أهم مصادر تفسير المبادئ الدستورية في النظام القانوني المصري. ويؤكد ذلك أن تأسيس القضاء الدستوري لا يتحقق بالنص الدستوري وحده، وإنما بتفاعل النص مع التشريع المنظم والاجتهاد القضائي[14].
وفي ضوء ذلك، فإن المادة (47) من الإعلان الدستوري السوري تمثل، من الناحية القانونية، الأساس الدستوري لإنشاء المحكمة الدستورية العليا، لكنها لا تكفي وحدها للقول بقيام قضاء دستوري متكامل. فقد أحالت المادة إلى القانون تنظيم المحكمة، بما يشمل تشكيلها، واختصاصاتها، وإجراءات عملها، الأمر الذي يجعل اكتمال القضاء الدستوري السوري رهناً بمضمون هذا القانون ومدى التزامه بالإرادة الدستورية التي عبر عنها الإعلان الدستوري. فالقانون هنا لا ينشئ المحكمة، لأن إنشاءها قد تحقق بالفعل بالإعلان الدستوري، وإنما ينظم الوسائل التي تمكنها من أداء وظيفتها الدستورية.
ويترتب على هذا التمييز أثر دستوري بالغ الأهمية، يتمثل في أن سلطة المشرع في تنظيم المحكمة ليست سلطة مطلقة، وإنما سلطة مقيدة بحدود النص الدستوري وغايته. فإذا جاز للمشرع أن ينظم إجراءات عمل المحكمة أو كيفية تشكيلها أو بعض وسائل اللجوء إليها، فإنه لا يجوز له أن ينتقص من جوهر اختصاصها، أو أن يقيد ممارسة الرقابة الدستورية على نحو يؤدي إلى إفراغها من مضمونها، لأن ذلك لا يعد تنظيماً للمحكمة، بل يعد تعديلاً غير مباشر للإعلان الدستوري، وهو أمر يخرج عن اختصاص السلطة التشريعية.
التقييم النقدي
يقود التحليل السابق إلى نتيجة جوهرية، وهي أن إنشاء المحكمة الدستورية وتأسيس القضاء الدستوري مرحلتان متكاملتان ولكنهما غير مترادفتين. فالأولى تعبر عن ميلاد المؤسسة دستورياً، أما الثانية فتعبر عن اكتمال النظام القانوني الذي يسمح لهذه المؤسسة بممارسة اختصاصها باستقلال وفاعلية. ومن ثم، فإن نجاح التجربة السورية لا يقاس بمجرد النص على إنشاء المحكمة الدستورية العليا، وإنما بمدى قدرة القانون المنظم لها على ترجمة هذا الإنشاء إلى قضاء دستوري حقيقي يفرض سمو الإعلان الدستوري ويحمي الحقوق والحريات ويضمن خضوع جميع السلطات لأحكامه.
ويترتب على ذلك أن الإحالة الواردة في المادة (47) إلى القانون لا ينبغي تفسيرها على أنها تخويل للمشرع بإنشاء المحكمة أو إعادة تحديد طبيعتها، وإنما على أنها إحالة تنظيمية مقيدة، هدفها استكمال البناء المؤسسي الذي بدأه الإعلان الدستوري، دون المساس بجوهر الوظيفة الدستورية التي أنشئت المحكمة من أجلها.
المطلب الثالث : دلالة الإحالة إلى القانون في تنظيم المحكمة الدستورية العليا
تنص المادة (47) من الإعلان الدستوري على حل المحكمة الدستورية العليا القائمة وإنشاء محكمة دستورية عليا جديدة تتكون من سبعة أعضاء يسميهم رئيس الجمهورية، ثم تقرر أن «تنظم آلية عملها واختصاصاتها بقانون».[15] وتثير هذه الإحالة إشكالية دستورية تتجاوز مسألة توزيع الأحكام بين الإعلان الدستوري والقانون؛ إذ يتعلق الأمر بتحديد الحدود الفاصلة بين ما حسمته السلطة التأسيسية في النص الدستوري، وما تركته للسلطة التشريعية لكي تستكمله دون أن تمس جوهر المؤسسة أو الغاية التي أنشئت من أجلها.
ولا تعد إحالة بعض المسائل الدستورية إلى القانون أمراً استثنائياً في النظم المقارنة، لأن الوثيقة الدستورية لا تستطيع عادةً أن تتضمن جميع التفاصيل المتعلقة بتنظيم المؤسسات وإجراءات عملها. غير أن الإحالة إلى القانون ليست ذات طبيعة واحدة؛ فقد تكون إحالةً تنظيميةً تقتصر على بيان الإجراءات والتفاصيل الفنية، وقد تكون إحالةً واسعةً تتيح للمشرع تحديد بعض عناصر المؤسسة واختصاصاتها. وفي الحالتين، لا يتحول المشرع إلى سلطة تأسيسية، ولا يصبح القانون في مرتبة الإعلان الدستوري، بل يظل ملتزماً بالحدود والغايات المستفادة من النص الأعلى.
ويتعين، في هذا السياق، التمييز بين وجود المحكمة والنظام القانوني لعملها. فقد حسم الإعلان الدستوري المسألة الأولى عندما أنشأ محكمة دستورية عليا جديدة وحدد عدد أعضائها والجهة المختصة بتسميتهم. وبذلك لم يعد القانون يملك الاختيار بين إنشاء المحكمة وعدم إنشائها، أو استبدال هيئة استشارية بها، أو إنكار الطبيعة القضائية التي تستفاد من تسميتها وموقعها ضمن الأحكام المتعلقة بالسلطة القضائية. أما المسألة الثانية، والمتعلقة بآلية العمل والاختصاصات، فقد أحالها الإعلان إلى القانون، وهو ما يمنح المشرع مساحةً تقديريةً واسعةً، لكنها ليست مساحةً مطلقةً.
ويؤدي تفسير الإحالة بوصفها تفويضاً مطلقاً إلى نتيجة غير مقبولة دستورياً، مفادها أن المشرع يستطيع، من خلال القانون العادي، إفراغ المحكمة من وظيفتها أو تحويلها إلى مؤسسة شكلية. فقد ينص القانون، نظرياً، على اختصاصات محدودة لا تشمل بعض الأعمال التشريعية، أو يقصر الإحالة إلى المحكمة على جهة سياسية واحدة، أو يجعل أحكامها غير ملزمة، أو يضع شروطاً إجرائيةً تحول عملياً دون الوصول إليها. وفي هذه الحالات لا يكون المشرع قد نظم المحكمة، وإنما يكون قد أعاد تشكيلها على نحو يناقض الغاية الدستورية من إنشائها.
ومن ثم، ينبغي تفسير عبارة «تنظم آلية عملها واختصاصاتها بقانون» على ضوء مبدأ الفاعلية الدستورية، الذي يقتضي منح النص تفسيراً يضمن إنتاج آثاره وعدم تجريده من مضمونه. فالإعلان الدستوري لم ينشئ المحكمة لمجرد إضافتها إلى الهيكل المؤسسي للدولة، وإنما لتؤدي وظيفةً ترتبط بحماية سموه وضبط ممارسة السلطة. وعلى هذا الأساس، يصبح القانون ملزماً بإقامة نظام يسمح للمحكمة بممارسة رقابة دستورية حقيقية، لا رقابة اسمية أو استشارية محضة.
وتدعم التجربة الفرنسية هذا الفهم؛ إذ تنص المادة (63) من دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1958 على أن قانوناً عضوياً يحدد قواعد تنظيم المجلس الدستوري وعمله والإجراءات المتبعة أمامه ومواعيد الطعن. ومع ذلك، لا يملك القانون العضوي تعديل الاختصاصات التي قررها الدستور للمجلس، أو الانتقاص من حجية قراراته التي نصت عليها المادة (62)، أو إلغاء وسائل الإحالة المقررة في المادتين (61) و(61-1)[16]. فالإحالة إلى القانون العضوي تكمل الأحكام الدستورية، لكنها لا تمنحه سلطة إعادة تحديد جوهر المجلس أو تعطيل وظائفه.
ويظهر الأمر ذاته في النظام المصري؛ فقد نظم دستور جمهورية مصر العربية الصادر سنة 2014 والمعدل سنة 2019 الطبيعة الأساسية للمحكمة الدستورية العليا واستقلالها واختصاصاتها وحجية أحكامها، ثم ترك للقانون تنظيم تشكيلها وشروط العضوية والإجراءات المتبعة أمامها. وقد صدر قانون المحكمة الدستورية العليا رقم (48) لسنة 1979 لتنظيم هذه المسائل، لكنه يستمد مشروعيته من التزامه بالإطار الدستوري، ولا يملك الانتقاص من الاختصاص الأصيل للمحكمة في الرقابة على دستورية القوانين واللوائح أو من الحجية المطلقة لأحكامها[17].
أما في النموذج السوري، فإن الإحالة تبدو أوسع من نظيرتيها الفرنسية والمصرية؛ لأن المادة (47) لم تحصر دور القانون في تنظيم الإجراءات والتشكيل، بل أحالت إليه كذلك تحديد الاختصاصات. ويمنح هذا الأسلوب المشرع دوراً محورياً في استكمال هوية المحكمة، لكنه يجعله في الوقت ذاته خاضعاً لقيود أشد؛ إذ لا يجوز أن يستعمل سلطة تحديد الاختصاصات بصورة تقوض سبب إنشاء المحكمة أو تعطل حماية الإعلان الدستوري.
ويمكن استخلاص الحد الأدنى للاختصاص الدستوري للمحكمة من طبيعة المؤسسة ذاتها، حتى لو لم تسرده المادة (47) تفصيلاً. فالمحكمة الدستورية لا تستقيم تسميتها من دون اختصاص أصيل بالرقابة على دستورية القواعد ذات الطبيعة التشريعية، وتفسير النصوص الدستورية عند قيام نزاع جدي حول معناها، وإصدار قرارات ملزمة للسلطات العامة. ولا يعني ذلك أن جميع تفاصيل الرقابة محددة مسبقاً، بل إن القانون يملك الاختيار بين الرقابة السابقة واللاحقة أو الجمع بينهما، وتنظيم الدفع بعدم الدستورية والإحالة القضائية، وتحديد شروط المقبولية والإجراءات وآثار الأحكام، بشرط ألا تؤدي هذه الخيارات إلى تعطيل أصل الرقابة.
وقد جاء المرسوم رقم (149) لعام 2026 ليحدد للمحكمة، بصورة مؤقتة وريثما يصدر قانونها، مهاماً تشمل الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، وإبداء الرأي في دستورية مشروعات القوانين واقتراحاتها في الحالات المحددة، وتفسير نصوص الإعلان الدستوري[18]. ويؤكد هذا التنظيم المؤقت أن الإحالة إلى القانون لم تمنع مباشرة المحكمة بعض وظائفها الأساسية، كما يكشف عن تصور أولي لنطاق اختصاصها. إلا أن المرسوم لا يستطيع أن يحل بصورة دائمة محل القانون الذي أوجبه الإعلان الدستوري، ولا أن يستكمل وحده جميع قواعد الخصومة والحجية والتنفيذ وضمانات الاستقلال.
وتثير المرحلة الواقعة بين تشكيل المحكمة وصدور قانونها مسألةً تتعلق بمبدأ الأمن القانوني. فممارسة المحكمة لاختصاصاتها تحتاج إلى قواعد واضحة تحدد الجهة التي تملك الإحالة إليها، وشروط قبول الطلبات، وإجراءات المداولة، والنصاب اللازم لإصدار الأحكام، وطبيعة القرارات وآثارها. وإذا طال غياب القانون، فقد يؤدي ذلك إلى اختلاف في الإجراءات أو الطعن في مشروعية بعض الممارسات، ولا سيما إذا اعتمدت المحكمة على قواعد مؤقتة لم يحدد مصدرها أو نطاقها بدقة.
ولا يكفي، لذلك، صدور أي قانون يحمل عنوان تنظيم المحكمة، بل يجب تقييمه وفق معيارين مترابطين: معيار الاحترام، الذي يقتضي عدم مخالفة العناصر التي حسمها الإعلان الدستوري؛ ومعيار الفاعلية، الذي يقتضي توفير الوسائل اللازمة لتحقيق الغاية من إنشاء المحكمة. فقد يكون القانون غير مخالف لنص صريح، ومع ذلك يكون معيباً إذا جعل الوصول إلى المحكمة متعذراً أو أبقى أحكامها بلا أثر عملي.
ويترتب على ذلك أن سلطة المشرع تشمل تنظيم عدد من المسائل التي لا غنى عنها، وفي مقدمتها شروط العضوية ومدتها وحالات انتهائها، وضمانات عدم العزل وتعارض المصالح، والاستقلال المالي والإداري، وطرق تحريك الرقابة الدستورية، وقواعد التمثيل أمام المحكمة، وإجراءات فحص الدعاوى والطلبات، وتسبيب الأحكام ونشرها، وحجيتها وآثارها الزمنية ووسائل تنفيذها. غير أن هذه السلطة تقف عند الحد الذي يبدأ عنده المساس بالجوهر الدستوري للمؤسسة.
ويمكن أن يتحقق المساس بجوهر المحكمة في صور متعددة، منها استثناء فئات واسعة من التشريعات من الرقابة، أو منح جهة واحدة احتكاراً مطلقاً للإحالة على نحو يمنع نشوء رقابة فعلية، أو جعل قرارات المحكمة قابلةً للتعطيل من سلطة سياسية، أو تقرير إمكانية عزل أعضائها دون أسباب وضمانات محددة، أو إنكار الحجية الملزمة لأحكامها. ومثل هذه الأحكام، إن وردت في القانون، لا ينبغي التعامل معها بوصفها خيارات تشريعيةً عاديةً، بل بوصفها انتقاصاً من المؤسسة التي أنشأها الإعلان الدستوري.
وتبرز هنا مفارقة عملية؛ فالمحكمة التي يفترض أن تراقب دستورية القوانين ستكون مدعوةً، في مرحلة لاحقة، إلى مراقبة القانون المنظم لها ذاته. ولا يوجد ما يمنع ذلك من الناحية النظرية؛ لأن هذا القانون لا يكتسب حصانةً لمجرد تعلقه بالمحكمة. بل إن إخضاعه للرقابة يمثل نتيجةً لازمةً لمبدأ سمو الإعلان الدستوري، وإلا أصبح المشرع قادراً على تحصين تنظيمه للمؤسسة التي ستراقبه.
التقييم النقدي
تكشف الإحالة الواردة في المادة (47) عن اختيار دستوري يقوم على إنشاء المحكمة في الإعلان وترك استكمال بنائها للقانون. غير أن هذا الاختيار لا ينشئ فراغاً حراً يستطيع المشرع ملأه كيفما شاء، بل يرتب عليه التزاماً إيجابياً بإصدار تنظيم يضمن قيام المحكمة بوظيفتها، والتزاماً سلبياً بالامتناع عن الانتقاص من جوهرها.
وبناءً على ذلك، لا يمثل القانون المنتظر مصدراً لوجود المحكمة، وإنما أداةً لاستكمال فاعليتها. فالإعلان الدستوري هو الذي أنشأ المؤسسة وحدد بعض عناصرها الأساسية، أما القانون فيتولى تحويلها إلى قضاء قابل للعمل من خلال تحديد الولاية والإجراءات والضمانات والآثار. ويترتب على هذا التمييز أن التأخر غير المبرر في إصدار القانون لا يعد مجرد تأخر تشريعي تقني، وإنما قد يؤدي إلى تعطيل جزئي لمؤسسة دستورية أنشأها الإعلان.
كما أن اتساع صياغة الإحالة السورية، وخصوصاً شمولها «الاختصاصات»، يفرض اعتماد تفسير غائي يربط سلطة المشرع بسبب إنشاء المحكمة. فالمشرع يملك تحديد صورة الرقابة وآلياتها، لكنه لا يملك إنكار أصلها؛ ويملك تنظيم الوصول إلى المحكمة، لكنه لا يملك إغلاقه؛ ويملك تحديد آثار الأحكام، لكنه لا يملك تجريدها من الإلزام. وبهذا المعنى، يكون القانون مكملاً للإعلان الدستوري لا منافساً له، ومنفذاً للإرادة التأسيسية لا بديلاً عنها.
وتتمثل النتيجة الأساسية في أن مشروعية قانون المحكمة لن تقاس فقط بمدى مطابقته الحرفية للمادة (47)، وإنما أيضاً بقدرته على تحقيق الوظيفة الدستورية للمؤسسة. فالتنظيم الذي يحافظ على اسم المحكمة ويعطل وسائل عملها قد يكون أكثر تعارضاً مع الإعلان الدستوري من نص يخالفه صراحةً؛ لأنه يستخدم الشكل القانوني لإفراغ الضمانة الدستورية من مضمونها.
المبحث الثاني : الطبيعة القانونية للمحكمة الدستورية العليا
المطلب الأول : المركز الدستوري للمحكمة الدستورية العليا
يثير تحديد المركز الدستوري للمحكمة الدستورية العليا إحدى الإشكاليات الأساسية في الفقه الدستوري؛ ذلك أن المحاكم الدستورية، وإن اشتركت مع المحاكم العادية في ممارستها وظيفةً قضائيةً تقوم على الفصل القانوني والتسبيب والحياد، فإنها تختلف عنها من حيث موضوع الاختصاص وطبيعة الآثار المترتبة على أحكامها. فالقضاء العادي يفصل، في الأصل، في المنازعات الناشئة عن تطبيق القانون، في حين تتولى المحكمة الدستورية مراقبة القانون ذاته ومدى اتفاقه مع الوثيقة الدستورية العليا، بما يجعلها في مواجهة مباشرة مع أعمال السلطات العامة، ولا سيما السلطتين التشريعية والتنفيذية[19].
ولا يقتصر دور المحكمة الدستورية على حسم خصومة بين أطرافها، بل يمتد إلى حماية النظام الدستوري الموضوعي وضمان خضوع السلطات للقواعد التي تحدد اختصاصاتها وتقيد ممارستها. ومن ثم، فإن الحكم الصادر عنها لا يؤثر في أطراف النزاع وحدهم، وإنما قد يؤدي إلى استبعاد قاعدة تشريعية من النظام القانوني أو إلزام السلطات العامة بتفسير دستوري معين. وقد عبّر هانس كلسن عن خصوصية هذه الوظيفة بتوصيف المحكمة الدستورية باعتبارها تمارس، عند إلغاء القانون المخالف للدستور، وظيفة «المشرّع السلبي»، لأنها لا تضع التشريع ابتداءً، لكنها تزيل من النظام القانوني قاعدةً عامةً أقرها المشرع[20].
وقد أدى تداخل الطبيعة القضائية للمحكمة مع وظيفتها الدستورية إلى انقسام الفقه بشأن مركزها المؤسسي إلى ثلاثة اتجاهات رئيسة.
أولاً: المحكمة الدستورية بوصفها جزءاً من السلطة القضائية
يذهب الاتجاه الأول إلى أن المحكمة الدستورية جهة قضائية متخصصة تندرج ضمن السلطة القضائية؛ لأنها تفصل في مسائل قانونية وفق إجراءات محددة، وتصدر أحكاماً تتمتع بالحجية، وتلتزم بضمانات الاستقلال والحياد والتسبيب. ويستند هذا الاتجاه إلى معيار طبيعة الوظيفة التي تمارسها المؤسسة، لا إلى طبيعة النصوص التي تخضع لرقابتها؛ فاختلاف موضوع المنازعة الدستورية عن المنازعة المدنية أو الإدارية لا ينفي الصفة القضائية، وإنما يبرر إنشاء قضاء متخصص يتلاءم مع خصوصية المنازعات الدستورية[21].
ويظهر هذا الاتجاه بوضوح في النموذج المصري؛ إذ وصف دستور جمهورية مصر العربية الصادر سنة 2014 والمعدل سنة 2019 المحكمة الدستورية العليا بأنها «جهة قضائية مستقلة قائمة بذاتها»، وأسند إليها دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، والفصل في تنازع الاختصاص وبعض المنازعات المتصلة بتنفيذ الأحكام النهائية المتعارضة. كما قرر استقلال رئيس المحكمة ونوابها وعدم قابليتهم للعزل، وأضفى على أحكامها وقراراتها حجيةً مطلقةً وإلزاماً للكافة ولجميع سلطات الدولة[22].
ولا يعني وصف المحكمة بأنها جهة قضائية إخضاعها بالضرورة لجميع القواعد المنظمة للمحاكم العادية؛ إذ إن قيامها بذاتها واستقلال موازنتها وإدارتها لشؤون أعضائها يكشف عن وضع خاص داخل المجال القضائي. ولذلك يقدم النموذج المصري صورةً لمحكمة تنتمي وظيفياً إلى القضاء، لكنها لا تندمج تنظيمياً في هرم القضاء العادي أو الإداري.
ثانياً: المحكمة الدستورية بوصفها مؤسسةً ضامنةً للدستور
يذهب اتجاه ثانٍ إلى أن المحكمة الدستورية لا يمكن اختزالها في كونها محكمةً متخصصةً؛ لأن اختصاصها يتصل مباشرةً بضبط ممارسة السلطة السياسية وتحديد الحدود الدستورية لاختصاصات السلطات العامة. فالقاضي العادي يطبق التشريع على النزاع المعروض عليه، بينما يراقب القاضي الدستوري صلاحية التشريع ذاته، وقد يمنع نفاذه أو يزيله من النظام القانوني لمخالفته الدستور.
ويترتب على ذلك أن المحكمة الدستورية لا تحمي حقاً فردياً فحسب، وإنما تحمي التوازن المؤسسي والنظام القيمي الذي تقوم عليه الوثيقة الدستورية. ولذلك اتجه جانب من الفقه إلى وصفها بأنها مؤسسة ضمان دستوري، تستمد مكانتها من الوظيفة التي تؤديها في حماية سمو الدستور ومنع السلطات المنشأة من تجاوز الحدود التي رسمتها لها السلطة التأسيسية[23].
وتجسد التجربة الفرنسية جانباً من هذا التصور؛ فالمجلس الدستوري لا يندرج ضمن التنظيم القضائي العادي أو الإداري، وإنما ينظمه الدستور في باب مستقل، ويمنحه اختصاصات تتصل بالرقابة على دستورية القوانين، وصحة الانتخابات والاستفتاءات، والفصل في مسائل تمس بصورة مباشرة انتظام عمل المؤسسات الدستورية. كما نصت المادة (62) من دستور سنة 1958 على أن قراراته غير قابلة لأي طريق من طرق الطعن، وأنها ملزمة للسلطات العامة ولجميع الجهات الإدارية والقضائية[24].
وقد عزز تطور الاجتهاد الفرنسي الوظيفة الضامنة للمجلس، ولا سيما منذ قرار حرية تكوين الجمعيات الصادر في 16 تموز/يوليو 1971، الذي وسع معيار الرقابة ليشمل المبادئ والحقوق الواردة في مقدمة الدستور وإعلان حقوق الإنسان والمواطن ومقدمة دستور سنة 1946. ولم يعد المجلس، بعد هذا التحول، مجرد أداة لضبط الحدود بين المجالين التشريعي والتنظيمي، بل أصبح فاعلاً أساسياً في حماية الحقوق والحريات الدستورية[25].
ثالثاً: المحكمة الدستورية بوصفها هيئةً دستوريةً مستقلةً ذات طبيعة خاصة
يذهب اتجاه ثالث إلى أن المحكمة الدستورية تمثل هيئةً دستوريةً مستقلةً ذات طبيعة خاصة، لا يمكن إدراجها بصورة كاملة ضمن أي من السلطات الثلاث في مفهومها التقليدي. فهي ليست سلطةً تشريعيةً لأنها لا تضع القواعد العامة ابتداءً، وليست سلطةً تنفيذيةً لأنها لا تتولى إدارة شؤون الدولة، كما أنها تختلف عن القضاء العادي لأنها تراقب القوانين وتفصل في منازعات تتعلق بحدود السلطات الدستورية ذاتها.
ولا يعني هذا التكييف اعتبار المحكمة «سلطةً رابعةً» تنافس السلطات الأخرى أو تحل محلها؛ إذ لا تملك المحكمة مباشرة الاختصاصات التشريعية أو التنفيذية، وإنما تتولى التحقق من احترام الحدود الدستورية التي تحكم ممارستها. فاستقلال الوظيفة الدستورية لا يعني الاستقلال عن الدستور أو امتلاك سلطة غير مقيدة، بل يعني أن المحكمة تستمد ولايتها مباشرةً من الوثيقة الدستورية، ولا تتبع أياً من السلطات التي تخضع أعمالها لرقابتها.
ويجد هذا الاتجاه تطبيقاً واضحاً في التنظيم الألماني؛ إذ يصف قانون المحكمة الدستورية الاتحادية المحكمة بأنها محكمة اتحادية مستقلة عن سائر الهيئات الدستورية. كما يجعل قراراتها ملزمةً للهيئات الدستورية الاتحادية وهيئات الولايات ولجميع المحاكم والسلطات العامة، ويمنح بعض قراراتها قوة القانون. ويكشف هذا التنظيم عن الجمع بين الصفة القضائية والاستقلال الدستوري، دون إدراج المحكمة في هرم القضاء العادي أو اعتبارها سلطةً سياسيةً إضافيةً[26].
وتبدو هذه المقاربة أكثر قدرةً على تفسير واقع القضاء الدستوري المعاصر؛ فهي تحافظ على الطبيعة القضائية للمحكمة من حيث الإجراءات والحياد والتسبيب، وفي الوقت نفسه تعترف بخصوصية موقعها الدستوري وبكونها جهةً تراقب السلطات العامة جميعها، بما فيها السلطة التشريعية التي تضع القواعد التي تطبقها المحاكم الأخرى.
رابعاً: المركز الدستوري للمحكمة السورية
ورد تنظيم المحكمة الدستورية العليا في المادة (47) من الإعلان الدستوري السوري ضمن الأحكام المتعلقة بالسلطة القضائية، وهو ما يشكل قرينةً على طبيعتها القضائية. غير أن النص لم يقرر صراحةً ما إذا كانت المحكمة جزءاً من تنظيم القضاء العادي أو الإداري، ولم يصفها بأنها جهة قضائية مستقلة قائمة بذاتها، بل اقتصر على حل المحكمة السابقة وإنشاء محكمة جديدة من سبعة أعضاء يسميهم رئيس الجمهورية، مع إحالة آلية عملها واختصاصاتها إلى القانون.
ولا ينبغي تفسير هذا الاقتضاب على أنه يسمح باعتبار المحكمة جهازاً إدارياً أو هيئةً استشاريةً محضة؛ فتسميتها وموقع النص والمهام المؤقتة التي أسندها إليها المرسوم رقم (149) لعام 2026، وفي مقدمتها الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة وتفسير نصوص الإعلان الدستوري، تؤكد أن وظيفتها الأصلية ذات طبيعة قضائية دستورية. غير أن جمع المرسوم بين الرقابة الدستورية وإبداء الرأي في مشروعات القوانين واقتراحاتها يضفي على المؤسسة جانباً وظيفياً مختلطاً، يستلزم أن يميز القانون المنتظر بوضوح بين الحكم القضائي الملزم والرأي الاستشاري.
ولا يكفي، في تحديد مركز المحكمة السورية، الاستناد إلى موقع المادة في الإعلان أو إلى وصف المؤسسة بأنها «محكمة»، بل ينبغي النظر إلى مجموع عناصر تنظيمها: مصدر وجودها، وطبيعة اختصاصاتها، والجهات التي تخضع لرقابتها، وحجية قراراتها، وطرق الوصول إليها، وضمانات استقلال أعضائها. وفي ضوء هذه العناصر، تبدو المحكمة أقرب إلى هيئة قضائية دستورية مستقلة ذات وظيفة ضمانية، لا إلى محكمة عادية ضمن درجات التقاضي، ولا إلى سلطة سياسية رابعة.
فهي هيئة قضائية لأنها يفترض أن تمارس رقابةً قانونيةً وفق إجراءات تقوم على الحياد والتسبيب؛ وهي دستورية لأنها تستمد وجودها مباشرةً من الإعلان الدستوري وتمارس اختصاصها لحمايته؛ وهي مستقلة لأن قدرتها على مراقبة السلطات لا تستقيم إذا خضعت تنظيمياً أو وظيفياً لإحداها؛ وهي ضمانية لأن وظيفتها لا تقتصر على حسم المنازعات، بل تمتد إلى صيانة سمو الإعلان الدستوري وضبط حدود ممارسة السلطة.
ويترتب على هذا التكييف ألا يعامل القانون المنظم المحكمة بوصفها درجةً من درجات القضاء العادي، وألا يخضعها في شؤونها الإدارية أو المالية أو التأديبية لجهة قد تخضع أعمالها لرقابتها. كما يقتضي أن يمنح أحكامها حجيةً ملزمةً، وأن ينظم تنفيذها على نحو يمنع السلطات السياسية أو الإدارية من تعطيل آثارها أو الالتفاف عليها.
وتظهر أهمية هذا الجدل بصورة خاصة في الدول التي تمر بمرحلة انتقالية، لأن المحكمة الدستورية لا تضطلع فيها بدور القاضي الدستوري فحسب، وإنما تصبح أحد الضامنين لاستقرار النظام الدستوري الجديد. فهي لا تقتصر على مراقبة دستورية التشريعات، بل تسهم في تفسير الإعلان الدستوري، وتسوية المنازعات بين السلطات، وترسيخ المبادئ الدستورية الناشئة، وهو ما يمنحها وظيفة تتجاوز الوظيفة القضائية التقليدية.
وبتطبيق ذلك على الحالة السورية، يتبين أن الإعلان الدستوري لم ينص صراحةً على موقع المحكمة ضمن السلطة القضائية، كما لم يقرر أنها سلطة مستقلة بذاتها، وإنما اكتفى بإنشائها وتحديد بعض عناصرها الأساسية، وأحال تنظيمها إلى القانون. ولا يعني هذا السكوت إمكان اعتبار المحكمة جهازاً إدارياً أو هيئة استشارية، لأن طبيعة اختصاصاتها والغاية من إنشائها تؤكد أنها تمارس وظيفة قضائية دستورية، إلا أن هذه الوظيفة تتميز بخصوصية تجعلها تختلف عن القضاء العادي من حيث موضوع الرقابة وآثار الأحكام.
ويرى الباحث أن المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية ينبغي النظر إليها بوصفها هيئة قضائية دستورية مستقلة ذات وظيفة دستورية عليا، وليست مجرد جهة من جهات القضاء العادي. فهي تستمد وجودها من الإعلان الدستوري، وتمارس رقابة على أعمال السلطات العامة جميعها، وتصدر أحكاماً ملزمة، الأمر الذي يجعل مركزها الدستوري أقرب إلى المؤسسات الدستورية الضامنة لسمو الدستور منه إلى المحاكم العادية التي تقتصر وظيفتها على تطبيق القانون.
ويترتب على هذا التكييف نتائج عملية مهمة، أهمها أن استقلال المحكمة لا يعد امتيازاً يمنح لأعضائها، وإنما ضمانة دستورية لحماية الإعلان الدستوري، وأن القانون المنظم لها لا يجوز أن يعاملها معاملة المحاكم العادية في كل الأحوال، بل يجب أن يراعي طبيعة اختصاصها الدستوري وخصوصية دورها في حماية الشرعية الدستورية.
التقييم النقدي
يكشف الفقه الدستوري المقارن أن الخلاف حول الطبيعة القانونية للمحكمة الدستورية لا يتعلق بالوصف النظري للمؤسسة بقدر ما يتعلق بتحديد حدود استقلالها وعلاقتها بالسلطات العامة. فإذا اعتبرت المحكمة مجرد محكمة متخصصة، أمكن إخضاعها للقواعد العامة المنظمة للسلطة القضائية دون مراعاة خصوصية وظيفتها. أما إذا اعتبرت مؤسسة دستورية ذات طبيعة خاصة، فإن ذلك يقتضي منحها من الضمانات والاستقلال ما يتناسب مع الدور الذي تؤديه في حماية سمو الدستور.
ومن ثم، فإن الباحث يرجح الاتجاه الأخير، لأنه الأكثر اتساقاً مع طبيعة القضاء الدستوري المعاصر، ولا سيما في المراحل الانتقالية، حيث تصبح المحكمة الدستورية أحد أهم الضمانات المؤسسية لاستقرار النظام الدستوري وحماية الحقوق والحريات، وليس مجرد جهة للفصل في خصومة قضائية عادية.
المطلب الثاني : استقلال المحكمة الدستورية العليا وضماناته
لا يكفي الاعتراف للمحكمة الدستورية بمركز دستوري مستقل أو وصفها بأنها هيئة قضائية ذات طبيعة خاصة، إذا لم يقترن ذلك بضمانات قانونية ومؤسسية تحول دون التأثير في أعضائها أو توجيه عملها. فالاستقلال ليس وصفاً شكلياً يضاف إلى اسم المحكمة، وإنما شرط لازم لقيام الرقابة الدستورية ذاتها؛ إذ يصعب تصور جهة تراقب أعمال السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتفصل في حدود اختصاصاتهما، ثم تكون خاضعةً لإحداهما من حيث تشكيلها أو استمرار أعضائها أو مواردها المالية والإدارية.
وتتضاعف أهمية استقلال المحكمة الدستورية في المراحل الانتقالية، لأن المحكمة لا تعمل فيها داخل نظام مؤسسي مستقر، وإنما تمارس اختصاصها في بيئة تتسم بتداخل السلطات، وتسارع التشريع، وغياب التقاليد الدستورية الراسخة. وقد تعرض عليها في هذه المرحلة منازعات تمس مباشرةً شرعية أعمال السلطة القائمة، أو حدود اختصاص رئيس الجمهورية، أو دستورية التشريعات المنظمة للمرحلة الانتقالية. ومن ثم، فإن استقلالها لا يمثل ضمانةً مهنيةً لأعضائها فحسب، وإنما يشكل شرطاً لاستقرار النظام الدستوري الجديد وإقناع المجتمع بأن الفصل في المنازعات الدستورية لا يخضع لموازين القوة السياسية.
ويقتضي التحليل التمييز بين الاستقلال الشخصي للقاضي الدستوري والاستقلال المؤسسي للمحكمة. يتعلق الأول بحماية عضو المحكمة من العزل والنقل والضغط والتأثير، وبضمان حياده وعدم خضوعه لمصلحة شخصية أو سياسية. أما الاستقلال المؤسسي، فيتعلق بموقع المحكمة داخل الدولة، واستقلالها المالي والإداري، وقدرتها على تنظيم شؤونها الداخلية، وعدم خضوعها في أداء وظائفها لسلطة خارجية. ولا يحقق أحد النوعين الغاية المنشودة من دون الآخر؛ فقد يتمتع القاضي بحصانة شخصية، بينما تظل المحكمة إدارياً ومالياً تابعةً لجهة سياسية، كما قد تتمتع المحكمة بميزانية مستقلة، بينما يبقى أعضاؤها معرضين للعزل أو التجديد الانتقائي.
أولاً: طريقة اختيار أعضاء المحكمة
تعد طريقة اختيار أعضاء المحكمة أول مؤشرات استقلالها، لكنها لا تمثل المعيار الوحيد للحكم عليه. فلا توجد قاعدة دستورية واحدة توجب إقصاء السلطات السياسية كلياً من عملية التعيين؛ ذلك أن المحاكم الدستورية تمارس وظيفةً تمس النظام السياسي، ومن الطبيعي أن تشارك المؤسسات الدستورية في تشكيلها. غير أن الخطر يظهر عندما تحتكر جهة واحدة التعيين، من دون وجود رقابة أو مشاركة مؤسسية أو ضمانات لاحقة تحد من أثر هذا الاحتكار.
وتقدم التجربة الفرنسية نموذجاً يقوم على توزيع سلطة التعيين بين رئيس الجمهورية ورئيس الجمعية الوطنية ورئيس مجلس الشيوخ، بحيث يعين كل منهم ثلاثة أعضاء، مع ولاية مدتها تسع سنوات غير قابلة للتجديد، وتجديد ثلث أعضاء المجلس كل ثلاث سنوات. كما تخضع التعيينات لإجراءات رقابية برلمانية وفق القواعد الدستورية المقررة٫[27]ولا يلغي هذا النظام البعد السياسي في الاختيار، لكنه يمنع احتكار تشكيل المجلس من سلطة واحدة، ويحد من إمكان تغيير تركيبته كاملةً في لحظة سياسية واحدة.
وفي النموذج الألماني، يتوزع انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية الاتحادية بين المجلس النيابي الاتحادي والمجلس الاتحادي، بما يعكس الطبيعة الاتحادية للنظام ويحول دون سيطرة مؤسسة واحدة على تشكيل المحكمة. كما توصف المحكمة قانوناً بأنها محكمة اتحادية مستقلة عن سائر الهيئات الدستورية، وهو وصف لا يقتصر على استقلال الأحكام، بل يعبر عن موقع مؤسسي منفصل عن بقية أجهزة الدولة[28].
أما النموذج السوري، فقد منح المادة (47) من الإعلان الدستوري رئيس الجمهورية سلطة تسمية أعضاء المحكمة السبعة. ولا يؤدي هذا الاختيار، بذاته، إلى نفي استقلال المحكمة، لكنه يجعل استقلالها معتمداً بدرجة أكبر على الضمانات الأخرى التي ينبغي أن يقررها القانون، لأن الجهة التي تسمي جميع الأعضاء قد تكون طرفاً غير مباشر في منازعات تعرض عليهم لاحقاً.
وتظهر خطورة تركيز التعيين بصورة خاصة في المرحلة الانتقالية؛ إذ قد تختص المحكمة بمراقبة مراسيم أو قوانين صدرت بمبادرة من رئيس الجمهورية، أو بتفسير نصوص تتصل بحدود سلطاته. ولذلك لا يكفي أن يفترض في الأعضاء النزاهة والكفاءة، بل يجب أن يصمم النظام القانوني على نحو يمنع نشوء تبعية فعلية أو ظاهرية للجهة التي اختارتهم.
ولا تعني معالجة هذه الإشكالية بالضرورة إلغاء دور رئيس الجمهورية في التعيين، بل يمكن تنظيمه من خلال تعدد جهات الترشيح، أو اشتراط موافقة مجلس الشعب على بعض التعيينات، أو إخضاع المرشحين لجلسات استماع علنية تركز على الكفاءة والاستقلال، أو توزيع المقاعد بين جهات دستورية وقضائية مختلفة. والغاية من ذلك ليست تحويل التعيين إلى مساومة سياسية، وإنما منع احتكار تكوين المؤسسة التي يفترض أن تراقب السلطات جميعها.
ثانياً: مدة العضوية وعدم قابليتها للتجديد
تمثل مدة العضوية إحدى الضمانات الأساسية للاستقلال؛ إذ ينبغي أن تكون طويلةً بما يكفي لحماية عضو المحكمة من التقلبات السياسية، ومحددةً بما يمنع تحول المنصب إلى ولاية دائمة غير خاضعة للتجديد المؤسسي. والأهم أن تكون الولاية، في الأصل، غير قابلة للتجديد، لأن انتظار إعادة التعيين قد يؤثر في استقلال العضو أو ينشئ مصلحةً شخصيةً في إرضاء الجهة صاحبة قرار التجديد.
وقد أخذ الدستور الفرنسي بولاية مدتها تسع سنوات غير قابلة للتجديد، مع التجديد الجزئي لتشكيل المجلس كل ثلاث سنوات. ويحقق هذا النظام غايتين متكاملتين: حماية العضو من السعي إلى ولاية جديدة، ومنع أي سلطة سياسية من تغيير جميع أعضاء المجلس دفعةً واحدةً[29].
أما الإعلان الدستوري السوري، فلم يحدد مدة عضوية أعضاء المحكمة، ولم يحسم قابلية العضوية للتجديد. ويعد هذا السكوت من أهم المسائل التي يتعين على القانون معالجتها، لأن ترك مدة العضوية مرتبطةً بقرار التعيين أو بإرادة السلطة التنفيذية يضعف الاستقرار الوظيفي للأعضاء ويجعل استمرارهم في مناصبهم عرضةً للاعتبارات السياسية.
والأقرب إلى متطلبات الاستقلال اعتماد مدة واحدة طويلة نسبياً، غير قابلة للتجديد، مع تجديد جزئي لأعضاء المحكمة على مراحل. ويمنع هذا الحل ارتباط العضو بالجهة التي عينته، ويضمن في الوقت نفسه استمرار المؤسسة وعدم انقطاع خبرتها القضائية عند انتهاء ولاية جميع الأعضاء.
ثالثاً: عدم القابلية للعزل وضبط انتهاء العضوية
لا يتحقق استقلال القاضي الدستوري إذا جاز إنهاء عضويته بإرادة السلطة التي عينته أو بقرار إداري غير خاضع لضوابط دقيقة. ولذلك ينبغي أن تكون حالات انتهاء العضوية محددةً حصراً، كبلوغ نهاية الولاية، أو الاستقالة، أو العجز الدائم، أو الإدانة في جريمة تمس النزاهة والشرف، أو الإخلال الجسيم بواجبات المنصب.
ولا يكفي تحديد الأسباب، بل يجب كذلك تنظيم الجهة المختصة بإثباتها والإجراءات المتبعة في ذلك. والأصل ألا يكون عزل العضو أو إسقاط عضويته بقرار منفرد من السلطة التنفيذية، وإنما بقرار تتخذه المحكمة ذاتها أو هيئة قضائية مستقلة، بعد تمكين العضو من الدفاع عن نفسه.
ويكتسب هذا الضمان أهمية خاصة في القضاء الدستوري، لأن احتمال تعرض الأعضاء للضغط يزداد عندما تصدر المحكمة حكماً يمس تشريعاً رئيسياً أو يقيد سلطةً سياسيةً نافذةً. فإذا أمكن إنهاء عضويتهم بسهولة، تحولت الرقابة الدستورية إلى وظيفة مشروطة برضا الجهة صاحبة سلطة العزل.
رابعاً: قواعد عدم الجمع وتعارض المصالح
لا يكتمل استقلال المحكمة من دون قواعد صارمة تمنع أعضاءها من الجمع بين عضويتهم والوظائف السياسية أو التنفيذية أو التشريعية. فاستقلال القاضي لا يتعلق فقط بغياب الأوامر المباشرة، بل كذلك بخلو مركزه من المصالح والروابط التي قد تثير شكوكاً مشروعةً حول حياده.
وقد نص الدستور الفرنسي على عدم جواز الجمع بين عضوية المجلس الدستوري ومنصب الوزير أو عضوية البرلمان، وترك للقانون العضوي تحديد بقية حالات عدم الجمع [30]. ويعكس ذلك إدراكاً بأن العضو الذي يمارس وظيفةً سياسيةً أو تشريعيةً لا يستطيع في الوقت ذاته مراقبة دستورية الأعمال الصادرة عن المؤسسة التي ينتمي إليها.
وينبغي أن يتضمن القانون السوري حظراً للجمع بين عضوية المحكمة وأي منصب تنفيذي أو تشريعي أو حزبي قيادي، فضلاً عن الأنشطة المهنية والتجارية التي قد تنشئ تعارضاً في المصالح. كما ينبغي إلزام الأعضاء بالتصريح بالمصالح المالية والمهنية، وتنظيم حالات التنحي عندما تكون لأحدهم علاقة سابقة بالنص أو النزاع المعروض.
ولا ينبغي فهم التنحي بوصفه تشكيكاً في نزاهة العضو، بل ضمانةً للثقة العامة في المحكمة. فالمعيار لا يقتصر على ثبوت الانحياز الفعلي، وإنما يشمل وجود ظروف تثير لدى المراقب الموضوعي شكاً مشروعاً في الحياد.
خامساً: الاستقلال المالي والإداري
قد يتمتع أعضاء المحكمة بضمانات شخصية واسعة، لكن استقلالهم يبقى ناقصاً إذا كانت المحكمة تعتمد في ميزانيتها أو شؤونها الإدارية اليومية على سلطة تخضع أعمالها لرقابتها. فالقدرة على التحكم في الموارد البشرية والمالية والمقرات والأجهزة الفنية قد تستخدم وسيلةً غير مباشرة للتأثير في المحكمة أو تعطيل عملها.
ومن ثم، ينبغي أن تتمتع المحكمة بموازنة مستقلة تدرج رقماً واحداً في الموازنة العامة للدولة، وأن تتولى جمعيتها العامة أو مكتبها إدارة شؤونها المالية والإدارية. كما ينبغي أن تملك سلطة تعيين موظفيها ومستشاريها وباحثيها القانونيين، ووضع نظامها الداخلي، وتنظيم توزيع العمل والمداولة والنشر.
ويقدم القانون الألماني مثالاً واضحاً على الاستقلال المؤسسي؛ إذ يقرر أن المحكمة الدستورية الاتحادية مستقلة عن جميع الهيئات الدستورية الأخرى، وأنها تضع نظامها الداخلي بنفسها.[31] ولا ينبغي اختزال هذه الاستقلالية في الجانب الرمزي، لأنها تتيح للمحكمة إدارة عملها من دون وساطة سلطة أخرى.
وفي الحالة السورية، لا يتضمن الإعلان الدستوري تنظيماً صريحاً للاستقلال المالي والإداري للمحكمة، وهو ما يجعل القانون المنتظر مسؤولاً عن تقريره. ولا يكفي النص العام على استقلال المحكمة، بل ينبغي بيان مضمونه العملي وتحديد الجهة المختصة بإعداد موازنتها وتعيين موظفيها وإدارة شؤونها.
سادساً: استقلال القرار القضائي والتسبيب
لا يقاس استقلال المحكمة فقط بطريقة التعيين أو الموازنة، بل يظهر بصورة أساسية في حرية أعضائها عند تفسير الإعلان الدستوري والفصل في المنازعات. ويقتضي ذلك حظر أي تدخل أو توجيه من سلطة أخرى، وعدم مساءلة الأعضاء عن آرائهم القضائية، وضمان سرية المداولة.
غير أن سرية المداولة لا تعني غموض الحكم؛ إذ يمثل التسبيب العلني إحدى أهم ضمانات استقلال المحكمة وشرعيتها. فالحكم المسبب يكشف أن النتيجة استندت إلى حجج دستورية قابلة للنقاش، لا إلى تفضيلات سياسية أو أوامر خارجية. وكلما كانت المنازعة ذات حساسية سياسية، ازدادت الحاجة إلى تسبيب واضح يبين النصوص والمبادئ والمعايير التي استندت إليها المحكمة.
كما ينبغي نشر الأحكام كاملةً وفي آجال معقولة، وإتاحة الاطلاع عليها للجمهور والباحثين، لأن الاجتهاد الدستوري لا يؤدي وظيفته إذا بقي مجهولاً أو مقتصراً على أطراف النزاع. ويمكن للقانون أن يبحث كذلك في إمكان نشر الآراء المخالفة أو الموافقة، شريطة تنظيمها بما يحافظ على هيبة المحكمة ويثري النقاش الدستوري.
سابعاً: استقلال المحكمة عن السلطة السياسية لا عن الدستور
لا يعني استقلال المحكمة منحها سلطةً مطلقةً أو إعفاءها من القيود القانونية؛ فهي مستقلة عن السلطات التي تراقبها، لكنها تظل مقيدةً بالإعلان الدستوري وبحدود اختصاصها وبقواعد الخصومة والتسبيب. فإذا تحولت المحكمة من مراقبة دستورية الخيارات السياسية إلى استبدال تقديرها بتقدير المشرع، فإنها تتجاوز وظيفتها وتنتقل من حماية الدستور إلى المشاركة في الحكم.
ومن ثم، يقوم استقلال القضاء الدستوري على توازن دقيق: حماية المحكمة من التدخل السياسي من جهة، ومنعها من التحول إلى فاعل سياسي غير منتخب من جهة أخرى. وتتحقق هذه المعادلة من خلال التزامها بالتسبيب، واحترام المجال التقديري للمشرع، واعتماد مبدأ التناسب عند مراقبة القيود على الحقوق، وعدم إبطال النصوص إلا عندما تثبت مخالفتها للإعلان الدستوري وفق معيار قانوني واضح.
ثامناً: متطلبات الاستقلال في المرحلة الانتقالية السورية
تظهر أهمية هذه الضمانات بصورة خاصة في الحالة السورية، لأن المحكمة ستعمل خلال مرحلة تتداخل فيها مهمة حماية الإعلان الدستوري مع ضرورة استكمال بناء المؤسسات. ولا يمكن مطالبة المحكمة بأن تكون ضامناً للمرحلة الانتقالية إذا بقيت عضوية أعضائها أو مواردها أو إجراءاتها خاضعةً لسلطة سياسية واحدة.
ولا يكفي في هذا السياق القول إن أعضاء المحكمة مشهود لهم بالكفاءة أو النزاهة؛ لأن الضمانات الدستورية لا توضع على أساس الثقة بالأشخاص، بل على أساس احتمال تغير الأشخاص والظروف السياسية. فالمؤسسة المستقلة هي التي تظل قادرةً على أداء وظيفتها بصرف النظر عن هوية من يعين أعضاءها أو عن طبيعة الأغلبية السياسية القائمة.
وبناءً على ذلك، ينبغي أن يتضمن القانون السوري المنظم للمحكمة، في الحد الأدنى، مدةً محددةً وغير قابلة للتجديد للعضوية، وحصراً دقيقاً لحالات انتهائها، وإجراءات مستقلةً للعزل أو المساءلة، وقواعد صارمةً لعدم الجمع وتعارض المصالح، واستقلالاً مالياً وإدارياً، وسلطةً للمحكمة في وضع نظامها الداخلي، وضمان نشر أحكامها وتسبيبها.
التقييم النقدي
يتبين من التحليل السابق أن استقلال المحكمة الدستورية لا يتحقق بضمانة واحدة منفردة، وإنما بمنظومة مترابطة من القواعد. فتعدد جهات التعيين لا يكفي إذا أمكن عزل الأعضاء، وعدم العزل لا يكفي إذا كانت الولاية قابلةً للتجديد، والاستقلال الشخصي لا يكفي إذا بقيت الموازنة والإدارة خاضعتين للسلطة التنفيذية.
وفي الحالة السورية، تثير وحدة جهة التعيين حساسيةً دستوريةً خاصةً، لكنها لا تؤدي حتماً إلى انتفاء استقلال المحكمة إذا عالج القانون آثارها بضمانات قوية ومتكاملة. فالمشكلة لا تكمن فقط في أن رئيس الجمهورية يسمي الأعضاء، وإنما في احتمال اجتماع هذه السلطة مع القدرة على تجديد عضويتهم أو إنهائها أو التأثير في موارد المحكمة وشؤونها الداخلية.
ومن ثم، فإن استقلال المحكمة ينبغي أن يبنى على مبدأ مؤداه أن الجهة التي تسمي أعضاءها لا تملك السيطرة على استمرارهم في مناصبهم أو على عملهم بعد التعيين. وبمجرد اكتساب العضوية، يجب أن تنقطع الصلة الوظيفية بين العضو والجهة التي اختارته، فلا يدين لها بالبقاء ولا ينتظر منها التجديد ولا يخشى منها العزل.
كما أن الاستقلال في المرحلة الانتقالية لا ينبغي أن يفسر بوصفه عزلةً عن بقية المؤسسات، بل قدرةً على التعامل معها من موقع دستوري متوازن. فالمحكمة تحتاج إلى تعاون السلطات لتنفيذ أحكامها، لكنها لا يجوز أن تعتمد على رضاها عند إصدارها. وتلك هي المعادلة التي ينبغي للقانون المنتظر أن يحققها: محكمة تتفاعل مع مؤسسات الدولة، لكنها لا تخضع لها؛ وتحترم المجال السياسي، لكنها تمنع تجاوزه للحدود الدستورية.
المطلب الثالث: الطبيعة القانونية للمحكمة الدستورية العليا خلال المرحلة الانتقالية
تختلف الطبيعة القانونية للمحكمة الدستورية في الدولة الانتقالية عن طبيعتها في الدولة المستقرة؛ فالمحكمة في النظام المستقر تعمل داخل بناء دستوري مكتمل نسبياً، وتستند إلى مؤسسات قائمة، وتشريعات مستقرة، واجتهادات قضائية متراكمة. أما المحكمة الانتقالية، فإنها تمارس عملها في ظل نظام دستوري ما يزال في طور التشكل، وتواجه نصوصاً مؤقتةً ومؤسسات لم تستكمل بنيتها القانونية، وعلاقات بين السلطات لم تتحدد حدودها بصورة نهائية.
ولا يعني ذلك أن المحكمة الانتقالية تفقد طبيعتها القضائية أو تتحول إلى مؤسسة سياسية، وإنما يعني أن وظيفتها القضائية تكتسب بعداً تأسيسياً لا يظهر بالدرجة ذاتها في الأنظمة المستقرة. فهي لا تكتفي بتطبيق قواعد دستورية مستقرة، بل تسهم من خلال تفسيرها في تحديد مضمون المبادئ التي يقوم عليها النظام الجديد، وفي ضبط الانتقال من الشرعية السياسية المؤقتة إلى الشرعية الدستورية المؤسسية.
وتظهر أهمية هذا الدور في أن الوثيقة الدستورية الانتقالية غالباً ما تكون مقتضبةً، وتترك كثيراً من المسائل للقوانين اللاحقة أو للممارسة المؤسسية. وفي مثل هذا السياق، يصبح الاجتهاد الدستوري وسيلةً لسد الفراغات، وحل التعارضات، وتحديد حدود السلطات العامة، من دون أن يتحول إلى بديل عن المشرع أو السلطة التأسيسية.
وقد قدمت تجربة جنوب أفريقيا نموذجاً واضحاً لهذه الوظيفة؛ فقد أنشئت المحكمة الدستورية بموجب الدستور الانتقالي، وأصبحت إحدى المؤسسات المركزية في الانتقال من سيادة البرلمان إلى سمو الدستور. ولم يقتصر دورها على الفصل في المنازعات، بل شاركت في تثبيت النظام الدستوري الجديد، ورفضت التصديق على الصيغة الأولى للدستور النهائي لعدم توافقها الكامل مع المبادئ الدستورية المتفق عليها، ثم صدقت على النص المعدل بعد استكمال شروطه[32]. وقد جعل هذا الدور المحكمة طرفاً ضامناً للعملية الانتقالية، لا طرفاً سياسياً فيها.
كما مارست المحكمة الدستورية في جنوب أفريقيا دوراً مباشراً في قضايا العدالة الانتقالية، ومن أبرزها الحكم الصادر في قضية منظمة شعوب أزانيا ضد رئيس الجمهورية، الذي تناول دستورية نظام العفو المرتبط بلجنة الحقيقة والمصالحة. ولم تتعامل المحكمة مع النزاع بوصفه خلافاً سياسياً مجرداً، بل أخضعته لمبادئ الدستور الانتقالي ووازنته مع مقتضيات المصالحة وإعادة بناء المجتمع بعد النزاع[33]. ويكشف ذلك أن القضاء الدستوري الانتقالي يستطيع معالجة مسائل سياسية شديدة الحساسية من خلال أدوات قانونية، من دون أن يفقد طبيعته القضائية.
ويستفاد من هذه التجربة أن المحكمة الدستورية الانتقالية تتميز بثلاث وظائف مترابطة: وظيفة رقابية تتمثل في حماية سمو الوثيقة الدستورية، ووظيفة تفسيرية تتعلق بتحديد مضمون المبادئ الناشئة، ووظيفة استقرار مؤسسي تهدف إلى منع الخلافات السياسية من التحول إلى أزمات خارج الإطار القانوني. غير أن الوظيفة الأخيرة لا تمنح المحكمة حق إدارة المرحلة الانتقالية أو اختيار السياسات العامة، بل تقتصر على ضمان التزام المؤسسات بالحدود الدستورية.
وبتطبيق ذلك على الحالة السورية، يتبين أن المحكمة الدستورية العليا ستباشر عملها في ظروف تتسم بحداثة الإعلان الدستوري، وعدم اكتمال التشريعات المنظمة للمؤسسات، وغياب اجتهاد دستوري متراكم يمكن الاستناد إليه. كما يحتمل أن تعرض عليها منازعات تتصل بتفسير صلاحيات السلطات الانتقالية، ودستورية المراسيم والقوانين الصادرة خلالها، وحماية الحقوق والحريات، ومدى توافق تشريعات العدالة الانتقالية مع الإعلان الدستوري.
وقد أسند المرسوم رقم (149) لعام 2026 إلى المحكمة، بصورة مؤقتة، الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، وإبداء الرأي في دستورية بعض مشروعات القوانين واقتراحاتها، وتفسير نصوص الإعلان الدستوري إلى حين صدور القانون المنظم لعملها[34]. وتكشف هذه الاختصاصات عن أن المحكمة لا تنشأ لممارسة رقابة سلبية على التشريعات فقط، بل لتؤدي دوراً في تحديد المعنى العملي للإعلان الدستوري خلال مرحلة لم تستقر فيها بعد حدود المؤسسات واختصاصاتها.
ولا ينبغي، مع ذلك، أن يبرر الطابع الانتقالي توسيع اختصاص المحكمة من دون ضوابط؛ إذ قد يؤدي التوسع غير المنضبط إلى انتقالها من حماية الشرعية الدستورية إلى المشاركة في صناعة القرار السياسي. فالمحكمة لا تملك أن تستبدل خياراتها بخيارات المشرع لمجرد أنها تراها أكثر ملاءمةً للمرحلة، ولا أن تحسم خلافات سياسية لا تتضمن مسألةً دستوريةً قابلةً للفصل القضائي.
ومن ثم، ينبغي أن يستند دور المحكمة إلى معيار واضح يفصل بين الرقابة على دستورية القرار وتقييم ملاءمته السياسية. فقد يكون التشريع غير مناسب أو مثيراً للجدل من الناحية السياسية، لكنه لا يكون غير دستوري إلا إذا خالف نصاً أو مبدأً مستفاداً من الإعلان الدستوري. وبالمقابل، لا يجوز للمحكمة الامتناع عن الرقابة بحجة حساسية الموضوع السياسية إذا كان النزاع يثير مخالفةً دستوريةً حقيقيةً.
وتتطلب المرحلة الانتقالية كذلك اعتماد قدر مرتفع من التحفظ المؤسسي؛ لأن المحكمة تعمل في ظل تشريعات ومؤسسات سريعة التغير، وقد يؤدي الإبطال الفوري لبعض النصوص إلى فراغ قانوني أو اضطراب في المراكز القائمة. ولذلك ينبغي أن تملك أدوات قضائية تسمح لها بتحقيق التوازن بين إزالة المخالفة الدستورية والمحافظة على الاستقرار القانوني، مثل التفسير المطابق للإعلان الدستوري، والإبطال الجزئي، وتأجيل أثر الحكم عند الضرورة، وتوجيه المشرع إلى معالجة الخلل خلال مهلة محددة.
ولا يعني اعتماد هذه الأدوات التساهل مع المخالفة الدستورية، بل الاعتراف بأن أثر الحكم جزء من وظيفته. فالمحكمة التي تبطل تشريعاً انتقالياً من دون النظر إلى النتائج المؤسسية قد تحمي النص الدستوري من الناحية الشكلية، لكنها تخلق اضطراباً يضعف النظام الذي تسعى إلى حمايته. وفي المقابل، فإن المبالغة في مراعاة الاستقرار قد تؤدي إلى إبقاء تشريعات مخالفة للإعلان الدستوري مدةً غير مبررة. ومن هنا تظهر الحاجة إلى رقابة متدرجة تقوم على التناسب بين جسامة المخالفة والوسيلة القضائية المستخدمة لمعالجتها.
وتبرز خصوصية المحكمة الانتقالية أيضاً في علاقتها بالحقوق والحريات. ففي الدولة المستقرة، تنصب الرقابة غالباً على مدى مشروعية القيود العادية المفروضة على الحقوق، أما في المرحلة الانتقالية فقد تواجه المحكمة تشريعات استثنائية تصدر بذريعة الأمن أو استعادة النظام العام أو معالجة آثار النزاع. ويصبح دورها هنا أكثر حساسية؛ إذ عليها أن تمنع تحول الاستثناء إلى قاعدة، وأن تميز بين التدابير الضرورية فعلاً وبين الإجراءات التي تستخدم المرحلة الانتقالية لتبرير انتقاص غير متناسب من الحقوق.
كما يبرز دور المحكمة في حماية العدالة الانتقالية من اتجاهين متعارضين: فمن جهة، ينبغي ألا تسمح باستخدام الحقوق الفردية لتعطيل المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة أو حماية مرتكبيها من العدالة؛ ومن جهة أخرى، يجب أن تضمن أن التشريعات الانتقالية، بما فيها قوانين المحاسبة أو العزل أو المصادرة، تحترم مبادئ الشرعية والمحاكمة العادلة وشخصية المسؤولية وعدم الرجعية، ما لم يقرر القانون الدولي خلاف ذلك في الجرائم الدولية.
ويقتضي ذلك أن يكون القضاء الدستوري الانتقالي قادراً على الجمع بين حماية الحقوق الفردية وتحقيق التحول المؤسسي، من دون أن يجعل أحد الهدفين ذريعةً لإلغاء الآخر. فالانتقال الدستوري لا ينجح بإعادة إنتاج ممارسات استثنائية تحت مسميات جديدة، كما لا ينجح بتطبيق قواعد مجردة بطريقة تتجاهل طبيعة الجرائم والانتهاكات التي تسعى الدولة الجديدة إلى معالجتها.
ويرى الباحث أن المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية ينبغي توصيفها، خلال المرحلة الانتقالية، بأنها هيئة قضائية دستورية مستقلة ذات وظيفة ضمانية وتأسيسية محدودة. فهي ضمانية لأنها تحمي سمو الإعلان الدستوري والحقوق والحريات، وتأسيسية لأنها تسهم باجتهادها في بناء المبادئ التي سيقوم عليها النظام الدستوري الجديد، ومحدودة لأن هذا الدور لا يمنحها سلطة إنشاء نظام دستوري بديل أو الحلول محل المؤسسات السياسية والتأسيسية.
ويترتب على هذا التوصيف أن القانون المنظم للمحكمة يجب أن يمنحها الأدوات اللازمة لمعالجة خصوصية المرحلة، من دون توسيع ولايتها إلى حد يجعلها صاحبة القرار السياسي النهائي. كما ينبغي أن يلزمها بتسبيب أكثر دقةً في القضايا المرتبطة بالانتقال، وأن يبين بوضوح الأساس الدستوري لكل تدخل قضائي، حتى لا تختلط حماية الدستور بإدارة العملية السياسية.
التقييم النقدي
تكشف التجارب الانتقالية أن المحكمة الدستورية قد تؤدي دوراً حاسماً في تحويل الوثيقة الدستورية المؤقتة من تسوية سياسية إلى قاعدة قانونية ملزمة. غير أن هذا الدور لا يستمد مشروعيته من أهمية الغاية السياسية للانتقال، وإنما من التزام المحكمة بحدود الوظيفة القضائية وأدواتها.
وتتميز المحكمة الانتقالية عن المحكمة التقليدية بأن أحكامها لا تطبق نظاماً دستورياً مكتمل البناء فحسب، بل تسهم في تشكيله. ومن ثم، فإن كل تفسير تصدره قد يتحول إلى قاعدة تأسيسية تؤثر في توزيع السلطات أو مضمون الحقوق أو طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. وهذا يفرض عليها قدراً أعلى من الحذر والتسبيب والاتساق؛ لأن الخطأ في المرحلة التأسيسية قد يتحول إلى مسار دستوري يصعب تصحيحه لاحقاً.
وفي الحالة السورية، لا ينبغي أن تكون المحكمة أداةً لتثبيت خيارات السلطة الانتقالية، كما لا ينبغي أن تتحول إلى سلطة وصاية عليها. وظيفتها الأصح هي إخضاع هذه الخيارات للإعلان الدستوري، وضمان أن تظل المرحلة الانتقالية محكومةً بالقانون، وألا تستخدم طبيعتها المؤقتة لتعليق الضمانات أو توسيع السلطات من دون رقابة.
ومن ثم، فإن الطبيعة القانونية الأكثر ملاءمةً للمحكمة السورية هي طبيعة القضاء الدستوري الانتقالي: قضاء مستقل في وسائله، ضماني في غايته، تأسيسي في أثره، ومقيد في جميع الأحوال بالإعلان الدستوري وحدود الخصومة القضائية. وبهذا التوازن تستطيع المحكمة أن تسهم في بناء الدولة الدستورية من دون أن تتحول إلى فاعل سياسي ينافس المؤسسات التي تراقبها.
الفصل الثاني : الاختصاصات الدستورية للمحكمة الدستورية العليا وحدود ممارستها
المبحث الأول : الاختصاصات الدستورية للمحكمة الدستورية العليا
المطلب الأول : الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة
تمثل الرقابة على دستورية القوانين الاختصاص الجوهري الذي من أجله أنشئت المحاكم الدستورية في النظم القانونية المعاصرة. فوجود محكمة دستورية لا يكتسب معناه الحقيقي بمجرد النص عليها في الوثيقة الدستورية، وإنما بتمكينها من مراقبة مدى التزام السلطة التشريعية، والسلطات التي تمارس اختصاصاً تشريعياً، بأحكام الدستور. ولذلك تعد الرقابة الدستورية الوسيلة القانونية التي تتحول من خلالها قاعدة سمو الدستور من مبدأ نظري إلى قاعدة ملزمة قابلة للنفاذ.
وقد استقر الفقه الدستوري المقارن على أن الرقابة الدستورية لا تهدف إلى الحد من سلطة المشرع أو الحلول محله، وإنما إلى ضمان بقائه ضمن الحدود التي رسمها الدستور. فالمشرع يتمتع بسلطة تقديرية واسعة في اختيار السياسات العامة، إلا أن هذه السلطة ليست مطلقة، بل تقف عند النقطة التي يبدأ فيها الإخلال بالحقوق الدستورية أو تجاوز الاختصاصات التي حددتها الوثيقة الدستورية. ومن ثم، فإن وظيفة المحكمة الدستورية لا تتمثل في تقييم ملاءمة التشريع أو نجاحه من الناحية السياسية، وإنما في التحقق من مطابقته للدستور[35].
ولا تثير الرقابة على دستورية القوانين، في الدول المستقرة، إشكاليةً تتعلق بمبدأ مشروعيتها، لأن الدساتير تحدد عادةً على نحو واضح الجهة المختصة بها، وأنواع التشريعات الخاضعة لها، وإجراءات تحريكها، وآثار الأحكام الصادرة فيها. أما في الدول التي تمر بمرحلة انتقالية، فإن نطاق الرقابة يكتسب أهمية مضاعفة، لأن السلطة التنفيذية كثيراً ما تمارس اختصاصاً تشريعياً استثنائياً من خلال المراسيم أو القرارات ذات القوة القانونية، كما قد تصدر قوانين تمس بصورة مباشرة إعادة بناء مؤسسات الدولة، أو تنظيم العدالة الانتقالية، أو إعادة هيكلة الأجهزة العامة.
ومن هنا، فإن الرقابة الدستورية خلال المرحلة الانتقالية لا تقتصر على حماية مبدأ سمو الإعلان الدستوري، وإنما تؤدي دوراً وقائياً يمنع السلطات الانتقالية من تحويل الضرورات الاستثنائية إلى مصدر دائم للتوسع في الاختصاصات. كما تسهم في تحقيق التوازن بين متطلبات إعادة بناء الدولة وبين احترام الحقوق والحريات الأساسية، بما يضمن أن تبقى المرحلة الانتقالية محكومةً بالقانون لا بالاعتبارات السياسية المجردة.
ويؤكد الفقه المقارن أن الرقابة الدستورية لا تقتصر على القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، وإنما تمتد، بحسب التنظيم الدستوري لكل دولة، إلى جميع القواعد القانونية التي تتمتع بقوة تشريعية، سواء صدرت عن البرلمان أو عن السلطة التنفيذية بناءً على تفويض دستوري أو في حالات استثنائية. وقد أخذت المحكمة الدستورية العليا المصرية بهذا المفهوم الواسع، حين بسطت رقابتها على القوانين واللوائح ذات الطبيعة التشريعية، بينما منح الدستور الفرنسي المجلس الدستوري صلاحية الرقابة على القوانين العضوية والعادية وبعض المعاهدات الدولية، ثم توسعت الرقابة لاحقاً مع إدخال نظام السؤال الأولي حول الدستورية سنة 2008 [36].
وبالرجوع إلى الحالة السورية، يتبين أن المرسوم رقم (149) لعام 2026 منح المحكمة الدستورية العليا، بصورة مؤقتة، اختصاص الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، وهو اختصاص ينسجم مع طبيعة المحكمة بوصفها الحارس الأعلى للإعلان الدستوري. غير أن المرسوم لم يحدد بصورة تفصيلية طبيعة الرقابة، ولا ما إذا كانت سابقة على إصدار التشريع أم لاحقة لنفاذه، كما لم يبين الجهات التي تملك تحريك الدعوى الدستورية أو الإجراءات الواجب اتباعها أمام المحكمة، وهو ما يجعل القانون المنتظر مسؤولاً عن استكمال هذه العناصر الجوهرية.
ويرى الباحث أن القانون السوري ينبغي أن يتبنى نظاماً يجمع بين الرقابة السابقة والرقابة اللاحقة، لأن كل نوع منهما يحقق غاية مختلفة. فالرقابة السابقة تمنع صدور النصوص المخالفة للإعلان الدستوري قبل دخولها حيز النفاذ، وتحقق قدراً من الاستقرار التشريعي، في حين تتيح الرقابة اللاحقة معالجة العيوب الدستورية التي لا تظهر إلا بعد التطبيق العملي للنصوص، كما تمنح الأفراد حمايةً أكبر من خلال إمكان إثارة الدفع بعدم الدستورية أثناء نظر المنازعات أمام المحاكم.
ولا يكفي، في هذا السياق، تقرير اختصاص المحكمة بالرقابة على دستورية القوانين، بل يجب أن يقترن ذلك بتنظيم وسائل فعالة للوصول إليها. فكلما ضاقت دائرة الجهات التي تملك تحريك الرقابة، ضعفت فاعلية الحماية الدستورية، وأصبحت المحكمة أقل قدرة على أداء وظيفتها. وفي المقابل، فإن فتح باب الطعن على مصراعيه من دون ضوابط قد يؤدي إلى إغراق المحكمة بطعون تفتقر إلى الجدية، بما يعطل عملها ويضعف قدرتها على الفصل في القضايا ذات الأهمية الدستورية.
ومن ثم، فإن الحل الأمثل يتمثل في اعتماد نظام متوازن يتيح للمحاكم العادية إحالة الدفع الجدي بعدم الدستورية إلى المحكمة الدستورية العليا، مع منح بعض السلطات الدستورية حق الطعن المباشر في التشريعات، وفق شروط موضوعية وإجرائية تضمن جدية الرقابة وتحافظ في الوقت نفسه على حق الأفراد في الوصول إلى العدالة الدستورية.
التقييم النقدي
تكشف الدراسة المقارنة أن نجاح الرقابة الدستورية لا يقاس باتساع اختصاص المحكمة وحده، وإنما بمدى فاعلية الوسائل التي تمكنها من ممارسة هذا الاختصاص. فالمحكمة التي تمتلك صلاحيات واسعة، لكنها لا تتلقى إلا عدداً محدوداً من الإحالات، قد تكون أقل أثراً من محكمة تتمتع باختصاصات أكثر تواضعاً، لكنها مفتوحة أمام المحاكم والأفراد وفق ضوابط دقيقة.
وفي الحالة السورية، ينبغي ألا يقتصر القانون المنظم للمحكمة على تحديد النصوص الخاضعة للرقابة، وإنما يجب أن يضع نظاماً متكاملاً لتحريك الدعوى الدستورية، يحقق التوازن بين حماية الإعلان الدستوري ومنع إساءة استعمال حق الطعن. كما ينبغي أن يميز بين الرقابة السابقة واللاحقة، وأن يمنح المحكمة الوسائل الكفيلة بتطوير اجتهاد دستوري مستقر، لأن قوة القضاء الدستوري لا تقاس بعدد الأحكام التي يصدرها، بل بقدرته على ترسيخ ثقافة دستورية تجعل احترام الإعلان الدستوري التزاماً دائماً لجميع سلطات الدولة.
المطلب الثاني : أنماط الرقابة الدستورية وطرق تحريكها
لا يكتمل تحديد اختصاص المحكمة الدستورية بالنص على ولايتها العامة في مراقبة دستورية القوانين والأنظمة، لأن فاعلية هذه الولاية تتوقف على توقيت الرقابة والجهات التي تملك تحريكها والشروط الإجرائية للوصول إلى المحكمة. فقد تكون المحكمة مختصة من الناحية النظرية بالرقابة على نطاق واسع من التشريعات، إلا أن هذه الرقابة تبقى محدودة الأثر إذا حصر القانون اللجوء إليها في جهة سياسية واحدة، أو إذا منع فحص النص بعد دخوله حيز التنفيذ، أو وضع شروطاً تجعل الدفع بعدم الدستورية متعذراً من الناحية العملية.
وتظهر أهمية هذه المسائل بصورة خاصة في المرحلة الانتقالية؛ لأن التشريعات تصدر فيها بوتيرة متسارعة، وقد تفرض لمعالجة أوضاع استثنائية من دون أن تتاح دائماً فرصة كافية لتقييم آثارها على الحقوق والحريات. وفي هذا السياق، لا يكفي اعتماد رقابة واحدة سابقة أو لاحقة، بل يقتضي بناء الحماية الدستورية الجمع بين وسائل متعددة تكمل إحداها الأخرى، وتحول دون بقاء النص المخالف بعيداً عن رقابة المحكمة.
أولاً: الرقابة السابقة على دستورية التشريعات
تمارس الرقابة السابقة بعد إقرار مشروع القانون وقبل إصداره أو دخوله حيز النفاذ، وتهدف إلى منع ولادة قاعدة قانونية مخالفة للدستور. وتتميز بطابعها الوقائي؛ إذ تجنب النظام القانوني الآثار المترتبة على تطبيق النص غير الدستوري، وتحمي استقرار المراكز القانونية من الاضطراب الذي قد ينشأ عن إلغاء القانون بعد نفاذه.
وتتجلى الرقابة السابقة بوضوح في النموذج الفرنسي؛ إذ توجب المادة (61) من دستور الجمهورية الفرنسية عرض القوانين العضوية، قبل إصدارها، والأنظمة الداخلية للمجالس البرلمانية، قبل تطبيقها، على المجلس الدستوري. كما تجيز إحالة القوانين العادية إليه قبل إصدارها من رئيس الجمهورية، أو رئيس الحكومة، أو رئيس أي من مجلسي البرلمان، أو ستين نائباً، أو ستين عضواً في مجلس الشيوخ. ويترتب على الإحالة وقف ميعاد إصدار القانون إلى حين صدور قرار المجلس[37].
وتحقق الرقابة السابقة عدة مزايا؛ فهي تمنع نفاذ التشريع المخالف، وتحول دون ترتيب حقوق أو التزامات استناداً إليه، وتتيح حسم الخلاف الدستوري في مرحلة مبكرة. كما تكون أكثر ملاءمةً للقوانين التي تمس تنظيم السلطات أو قواعد الانتخابات أو المؤسسات الدستورية، لأن إبطالها بعد التطبيق قد يؤدي إلى آثار يصعب تداركها.
غير أن الرقابة السابقة لا تكفي وحدها لضمان حماية الدستور؛ لأنها تفحص النص في صورته المجردة، قبل أن تكشف الممارسة عن جميع آثاره المحتملة. فقد يبدو التشريع منسجماً مع الإعلان الدستوري عند قراءته نظرياً، ثم يظهر عند تطبيقه أنه يؤدي إلى تمييز أو انتقاص غير متناسب من حق معين. كما أن حصر الإحالة السابقة في السلطات السياسية يجعل تحريك الرقابة مرتبطاً بحسابات التوازن السياسي، وقد يمر قانون مثير للإشكال من دون إحالة إذا توافقت القوى القائمة على إصداره.
ولذلك ينبغي أن تكون الرقابة السابقة في النظام السوري إلزاميةً بالنسبة إلى فئات محددة من التشريعات ذات الأهمية الدستورية الخاصة، وفي مقدمتها قانون المحكمة الدستورية، وقانون الانتخابات، وقوانين تنظيم مجلس الشعب والسلطة القضائية والأحزاب السياسية، والتشريعات التي تنظم حالات الطوارئ أو تقيد الحقوق والحريات على نطاق واسع. أما بالنسبة إلى القوانين الأخرى، فيمكن أن تكون الإحالة اختياريةً بناءً على طلب عدد محدد من أعضاء مجلس الشعب أو رئيس الجمهورية أو جهات دستورية أخرى.
ولا ينبغي أن تتحول الرقابة السابقة إلى استشارة سياسية عامة؛ فالمحكمة لا تقيّم جودة المشروع أو مدى ملاءمته، وإنما تفصل في مطابقته للإعلان الدستوري. ولهذا يجب أن يقدم طلب الإحالة أسباباً دستوريةً محددةً، وأن يكون قرار المحكمة مسبباً وملزماً، بحيث لا يجوز إصدار الأحكام التي قضت بعدم دستوريتها إلا بعد تعديلها وإزالة المخالفة.
ثانياً: الرقابة اللاحقة على القوانين النافذة
تمارس الرقابة اللاحقة بعد إصدار القانون ودخوله حيز النفاذ، وتتيح للمحكمة فحص دستوريته في ضوء آثاره العملية والمنازعات التي يثيرها. وتتميز بأنها تربط العدالة الدستورية بالواقع القانوني، فلا يبقى فحص النص محصوراً في تصوره النظري، بل يمتد إلى كيفية تطبيقه وتأثيره الفعلي في الحقوق والمراكز القانونية.
وقد أضاف التعديل الدستوري الفرنسي لسنة 2008 المادة (61-1)، التي أتاحت إثارة عدم دستورية حكم تشريعي أثناء دعوى منظورة، إذا ادعي أنه يمس الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور. وتصل المسألة إلى المجلس الدستوري بطريق الإحالة من مجلس الدولة أو محكمة النقض وفق الشروط التي يحددها القانون العضوي[38].
ويكشف هذا التطور أن الرقابة السابقة، رغم أهميتها، لم تعد كافيةً لحماية الحقوق، لأن التطبيق العملي قد يظهر عيوباً لم تكن واضحةً قبل إصدار النص. كما يعكس الانتقال من رقابة تحركها السلطات السياسية حصراً إلى رقابة يستطيع المتقاضي المشاركة في تحريكها، وإن بصورة غير مباشرة عن طريق القضاء.
وتكتسب الرقابة اللاحقة أهميةً أكبر في الحالة السورية؛ إذ ستجد المحكمة أمامها كتلةً واسعةً من التشريعات السابقة على الإعلان الدستوري، فضلاً عن المراسيم والقوانين الصادرة خلال المرحلة الانتقالية. وقد تكون بعض هذه النصوص سابقةً على إنشاء المحكمة الجديدة، لكنها تظل نافذةً ومنتجةً لآثارها. ومن ثم، لا يجوز استبعادها من الرقابة لمجرد تاريخ صدورها، ما دامت مستمرةً في التطبيق بعد نفاذ الإعلان الدستوري.
ويجب التمييز هنا بين تطبيق الإعلان الدستوري بأثر رجعي وبين مراقبة الآثار الراهنة للتشريع القديم. فالمحكمة لا تعيد تقييم مشروعية صدور القانون وفق وثيقة لم تكن قائمةً حينذاك، وإنما تتحقق من جواز استمرار نفاذه في ظل المرجعية الدستورية الجديدة. وإذا تعارضت أحكامه مع الحقوق أو المبادئ المقررة في الإعلان، تعين تعديلها أو استبعادها من التطبيق، لأن استمرارها هو الواقعة القانونية التي تخضع للرقابة.
ثالثاً: الرقابة بطريق الدعوى الأصلية
تقوم الدعوى الأصلية عندما يرفع الطعن إلى المحكمة الدستورية مباشرةً، طالباً الحكم بعدم دستورية قانون أو حكم تشريعي، من دون اشتراط وجود نزاع عادي سابق أمام محكمة أخرى. وتتميز هذه الوسيلة بأنها تتيح معالجة المخالفة الدستورية بصورة مستقلة وسريعة، لكنها تثير مسألة تحديد الجهات أو الأشخاص الذين يملكون رفع الدعوى.
ويمكن حصر الدعوى الأصلية في السلطات الدستورية، مثل رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشعب وعدد محدد من أعضائه، أو توسيعها لتشمل بعض الهيئات العامة والنقابات والمنظمات المعنية بالدفاع عن الحقوق. غير أن فتحها لكل فرد من دون اشتراط مصلحة شخصية ومباشرة قد يؤدي إلى تحويل المحكمة إلى ساحة للطعن المجرد في جميع القوانين، وإغراقها بطلبات ذات طابع سياسي أو نظري.
وفي المرحلة الانتقالية، قد تكون الدعوى الأصلية ضروريةً لمواجهة تشريعات تمس توزيع الاختصاصات بين السلطات أو تنظيم مؤسسات الدولة، لأن انتظار نشوء نزاع فردي قد يؤخر حسم الإشكال ويؤدي إلى اضطراب مؤسسي. ولذلك يمكن منح بعض الجهات الدستورية حق الطعن المباشر، على أن يكون الطلب معللاً ويحدد النصوص والمبادئ المدعى بمخالفتها.
كما يمكن منح مفوضية مستقلة لحقوق الإنسان أو المجلس الأعلى لحقوق الانسان، في حال إنشائهم، حق الطعن في القوانين التي تمس الحقوق والحريات، لأن وظيفتها المؤسسية تمنحها مصلحةً موضوعيةً في حماية الإعلان الدستوري. غير أن هذا الحق يجب أن يظل مرتبطاً بنطاق اختصاصها، وألا يتحول إلى تدخل عام في جميع الخيارات التشريعية.
رابعاً: الدفع الفرعي بعدم الدستورية
يتحقق الدفع الفرعي عندما يثير أحد الخصوم، أثناء دعوى منظورة أمام محكمة عادية أو إدارية، عدم دستورية النص الواجب تطبيقه على النزاع. ولا تفصل محكمة الموضوع في دستورية القانون بنفسها إذا كان النظام يأخذ بمركزية الرقابة، وإنما تتحقق أولاً من جدية الدفع وصلته بالفصل في الدعوى، ثم تحيله إلى المحكمة الدستورية.
ويعد هذا الطريق من أكثر وسائل الرقابة ارتباطاً بحماية الحقوق الفردية؛ لأنه يسمح للمتقاضي بمواجهة النص الذي يؤثر مباشرةً في مركزه القانوني. كما يضمن أن يكون النزاع الدستوري مرتبطاً بوقائع حقيقية، لا بسؤال نظري أو خلاف سياسي مجرد.
غير أن نجاح الدفع الفرعي يتوقف على تصميم آلية إحالة متوازنة. فإذا منح قاضي الموضوع سلطةً مطلقةً في رفض الإحالة، فقد يحرم المتقاضي من الوصول إلى المحكمة الدستورية. وإذا ألزم بإحالة كل دفع مهما كان ضعيفاً، فقد تتراكم الطلبات أمام المحكمة وتعطل عملها. ولذلك ينبغي اعتماد ثلاثة شروط أساسية: أن يكون النص المطعون فيه واجب التطبيق على النزاع، وألا تكون المحكمة الدستورية قد حسمت دستوريته في الظروف القانونية ذاتها، وأن يكون الدفع جدياً لا يفتقر ظاهراً إلى الأساس.
ولا ينبغي أن يتحول فحص الجدية إلى رقابة دستورية تمارسها المحاكم العادية بدلاً من المحكمة المختصة. فدور قاضي الموضوع يقتصر على استبعاد الدفوع الكيدية أو غير المتصلة بالنزاع، أما تفسير الإعلان الدستوري وحسم المطابقة فيبقيان من اختصاص المحكمة الدستورية العليا.
ويتعين كذلك وقف الفصل في الدعوى الأصلية إلى حين حسم المسألة الدستورية إذا كان الحكم فيها متوقفاً على النص المطعون فيه، مع جواز اتخاذ التدابير المستعجلة اللازمة لحماية الحقوق أو منع وقوع ضرر يتعذر تداركه.
خامساً: الإحالة من المحاكم والهيئات القضائية
إلى جانب الدفع الذي يثيره الخصوم، ينبغي تمكين المحكمة التي تنظر النزاع من إحالة المسألة الدستورية من تلقاء نفسها إذا تبين لها أن الحكم الواجب التطبيق قد يكون مخالفاً للإعلان الدستوري. فالقاضي ملزم بتطبيق القانون، لكنه ملزم كذلك باحترام سمو الإعلان الدستوري، ولا ينبغي إجباره على تطبيق نص توجد أسباب جدية للشك في دستوريته.
وتحقق الإحالة القضائية تكاملاً بين القضاء الدستوري وبقية جهات القضاء؛ فالمحاكم العادية تكتشف الإشكالات التي يثيرها تطبيق النص، بينما تتولى المحكمة الدستورية حسمها بصورة موحدة وملزمة. ومن شأن ذلك منع اختلاف المحاكم بشأن دستورية القانون، والحفاظ على مركزية الرقابة ووحدة التفسير الدستوري.
ويجب أن يكون قرار الإحالة مسبباً، وأن يبين النص المطعون فيه، وأوجه الشبهة الدستورية، ومدى تأثيره في النزاع. كما ينبغي تحديد مواعيد معقولة للفصل، لأن التأخير الطويل في المسألة الدستورية قد يتحول إلى إنكار للعدالة في الدعوى الأصلية.
سادساً: تصفية الدفوع الدستورية
قد يؤدي فتح طريق الدفع بعدم الدستورية إلى زيادة كبيرة في عدد الطلبات، ولا سيما في السنوات الأولى لعمل المحكمة، حيث تكون النصوص الدستورية حديثةً والاجتهادات غير مستقرة. ولذلك تحتاج المحكمة إلى آلية لتصفية الدفوع من دون المساس بحق التقاضي.
ويمكن أن تتم التصفية على مرحلتين: مرحلة أولى أمام محكمة الموضوع، للتحقق من الصلة والجدية، ومرحلة ثانية أمام هيئة أو دائرة داخل المحكمة الدستورية تختص بفحص المقبولية قبل إحالة المسألة إلى الهيئة التي تفصل في الموضوع. ويمنع هذا النظام انشغال المحكمة الكاملة بطعون غير مقبولة، مع بقاء القرار المتعلق بالمقبولية داخل المؤسسة الدستورية ذاتها.
ولا ينبغي أن تكون معايير التصفية غامضةً أو شديدة الصرامة؛ لأن استخدامها لتقليل عدد القضايا قد يفرغ الدفع من غايته. ويتعين نشر القرارات الصادرة في المقبولية وتسبيبها، حتى تتضح للمتقاضين والمحامين والمحاكم المعايير التي تعتمدها المحكمة.
سابعاً: أثر الحكم الصادر في الرقابة السابقة واللاحقة
يختلف أثر الحكم بحسب توقيت الرقابة. فإذا قضت المحكمة، في إطار الرقابة السابقة، بعدم دستورية حكم في مشروع قانون، فلا يجوز إصداره أو وضعه موضع التطبيق إلا بعد إزالة المخالفة. وهذا هو الأثر الذي تقرره المادة (62) من الدستور الفرنسي بالنسبة إلى النص الذي يعلن عدم دستوريته قبل الإصدار[39].
أما في الرقابة اللاحقة، فإن الإبطال الفوري بأثر رجعي ليس دائماً الحل الأنسب، لأن النص قد يكون قد أنشأ مراكز قانونيةً واستقرت على أساسه علاقات ومعاملات. ولذلك ينبغي أن تملك المحكمة تحديد تاريخ زوال أثر النص، وتأجيل الإلغاء عند الضرورة، وبيان مدى إمكان المساس بالآثار السابقة.
وقد منح الدستور الفرنسي المجلس الدستوري سلطة تحديد تاريخ لاحق لإلغاء الحكم الذي يثبت عدم دستوريته في إطار السؤال الأولي، وتحديد الشروط والحدود التي يمكن ضمنها إعادة النظر في الآثار التي سبق أن أنتجها النص[40].كما يمنح القانون الألماني بعض قرارات المحكمة الدستورية الاتحادية قوة القانون، وتكون قراراتها ملزمةً للهيئات الدستورية والمحاكم والسلطات العامة[41].
وفي الحالة السورية، ينبغي أن يقرر القانون حجية أحكام المحكمة في مواجهة الكافة وجميع سلطات الدولة، وألا يقصر أثرها على الخصوم في الدعوى. فعدم الدستورية يتعلق بصلاحية القاعدة القانونية ذاتها، ولا يستقيم أن يمتنع تطبيقها في قضية ثم تستمر المحاكم والإدارات في تطبيقها على أشخاص آخرين.
ثامناً: النظام الأنسب للمرحلة الانتقالية السورية
يقتضي السياق السوري اعتماد نظام مختلط يجمع بين الرقابة السابقة واللاحقة، وبين الإحالة السياسية والإحالة القضائية والدفع الفرعي. فالاعتماد على وسيلة واحدة لن يكون كافياً لمواجهة تعدد مصادر التشريع وتعقيد المرحلة الانتقالية.
وتكون الرقابة السابقة إلزاميةً على القوانين ذات الطبيعة الدستورية والمؤسسية، واختياريةً على القوانين الأخرى بناءً على طلب الجهات المحددة قانوناً. أما الرقابة اللاحقة، فينبغي أن تتحرك عن طريق الدفع الذي يثيره الخصوم، أو الإحالة من المحاكم، أو الدعوى الأصلية التي ترفعها جهات دستورية محددة.
كما ينبغي ألا يحتكر رئيس الجمهورية أو السلطة التنفيذية الإحالة إلى المحكمة؛ لأن المحكمة ستراقب أعمالاً قد تصدر عنهما. ويقتضي التوازن منح مجلس الشعب، والأقلية البرلمانية، والمحاكم، وبعض المؤسسات المستقلة، وسائل حقيقية لتحريك الرقابة.
ولا يعني تعدد طرق الوصول توسيع المحكمة بلا حدود، بل إقامة شبكة من الآليات المتكاملة: الرقابة السابقة تمنع المخالفة قبل وقوعها؛ والدفع الفرعي يحمي الفرد عند تطبيق القانون؛ والإحالة القضائية تحافظ على وحدة التفسير؛ والدعوى الأصلية تعالج المنازعات الدستورية التي لا ترتبط بخصومة فردية.
التقييم النقدي
يكشف التحليل أن السؤال الحاسم في بناء العدالة الدستورية ليس ما إذا كانت المحكمة تملك اختصاص الرقابة، بل من يستطيع الوصول إليها، وفي أي وقت، وبأي شروط. فالاختصاص الذي لا توجد وسيلة واقعية لتحريكه يظل اختصاصاً نظرياً، وقد يتحول النص على المحكمة إلى ضمانة شكلية لا تغير من ممارسة السلطة.
وفي الحالة السورية، لا يتلاءم حصر الرقابة في الجهات السياسية مع الغاية من إنشاء المحكمة، لأن السلطات التي تملك الإحالة قد تكون هي ذاتها المستفيدة من بقاء التشريع بعيداً عن الرقابة. ومن ثم، يجب أن يحتل الدفع الفرعي والإحالة القضائية مكانةً مركزيةً في القانون المنتظر، باعتبارهما يربطان حماية الإعلان الدستوري بحقوق الأفراد والمنازعات الواقعية.
كما أن الجمع بين الرقابة السابقة واللاحقة لا يمثل تكراراً للاختصاص، لأن لكل منهما وظيفةً مختلفةً؛ فالأولى وقائية، والثانية علاجية. وقد يجتاز النص الرقابة السابقة ثم يكشف التطبيق عن أثر دستوري لم يكن متوقعاً، ولذلك لا ينبغي أن يمنحه فحصه السابق حصانةً دائمةً من الرقابة اللاحقة.
وتتمثل النتيجة الأساسية في أن النظام الأكثر ملاءمةً للمرحلة الانتقالية هو نظام متعدد المداخل، لكن موحد القرار: تتعدد الجهات والطرق التي تثير المسألة الدستورية، بينما تبقى المحكمة الدستورية العليا وحدها صاحبة القول النهائي الملزم في دستورية النص. وبهذا تتحقق فاعلية الرقابة من دون التضحية بوحدة الاجتهاد أو استقرار النظام القانوني.
المطلب الثالث : تفسير نصوص الإعلان الدستوري وإبداء الرأي في دستورية مشروعات القوانين
لا تقتصر وظيفة المحكمة الدستورية على إبطال النصوص المخالفة للإعلان الدستوري، بل تمتد إلى تحديد المعنى القانوني للنصوص الدستورية ذاتها عندما يثور خلاف جدي حول مضمونها أو نطاق تطبيقها. فالنص الدستوري، مهما بلغت دقته، لا يستطيع أن يتوقع جميع الوقائع والمنازعات التي ستنشأ في أثناء تطبيقه، كما أن صياغته العامة والمجردة تترك للقضاء الدستوري مساحةً ضروريةً لاستخلاص القواعد التي تحكم ممارسة السلطات العامة.
وتظهر أهمية وظيفة التفسير بصورة خاصة خلال المرحلة الانتقالية، لأن الإعلان الدستوري يعمل في بيئة مؤسسية لم تستقر فيها بعد حدود السلطات أو العلاقات القائمة بينها. وقد يؤدي الغموض في معنى أحد النصوص إلى تنازع بين المؤسسات، أو إلى توسع سلطة في اختصاصها على حساب سلطة أخرى، أو إلى اختلاف المحاكم والإدارات بشأن مضمون حق دستوري. وفي هذه الحالات، لا يكون التفسير عملاً نظرياً، وإنما وسيلةً لحماية استقرار النظام الدستوري ومنع الخلاف السياسي من التحول إلى أزمة مؤسسية.
وقد أسند المرسوم رقم (149) لعام 2026 إلى المحكمة الدستورية العليا مهمة تفسير نصوص الإعلان الدستوري بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب، إلى جانب الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة وإبداء الرأي في مشروعات القوانين واقتراحاتها[42]. ويكشف هذا التنظيم عن إدراك لأهمية التفسير في المرحلة الانتقالية، لكنه يثير في الوقت ذاته أسئلةً تتعلق بطبيعة هذا الاختصاص وشروط ممارسته وحجية القرارات الصادرة فيه.
أولاً: الطبيعة القانونية للتفسير الدستوري
لا يعني تفسير النص الدستوري إنشاء قاعدة جديدة من العدم، وإنما الكشف عن مضمونه في ضوء ألفاظه وسياقه والغاية التي صدر لتحقيقها. غير أن الفصل بين التفسير والإنشاء ليس مطلقاً؛ لأن النصوص الدستورية غالباً ما تستخدم مفاهيم واسعةً، مثل الكرامة، والمساواة، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، ويقتضي تطبيقها تحديد مضمون عملي لم تذكره الوثيقة تفصيلاً.
ومن ثم، فإن القاضي الدستوري لا يكتفي بالبحث عن المعنى اللغوي المباشر، بل يربط النص ببقية أحكام الإعلان الدستوري وبالمبادئ التي يقوم عليها النظام القانوني. وتكون مهمته في هذا المجال أكثر حساسيةً من مهمة القاضي العادي، لأن التفسير الذي يعتمده قد يصبح ملزماً لجميع السلطات، ويؤثر في توزيع الاختصاصات أو نطاق الحقوق والحريات.
ولا يجوز، مع ذلك، أن يتحول التفسير إلى وسيلة لتعديل الإعلان الدستوري. فالمحكمة تملك توضيح النص وسد ما يقتضيه تطبيقه من فراغات محدودة، لكنها لا تملك إضافة حكم يناقض عبارته الصريحة أو إنشاء اختصاص لسلطة لم يقرره الإعلان. ويظل الحد الفاصل بين التفسير المشروع والتعديل القضائي مرتبطاً بقدرة المحكمة على إسناد النتيجة إلى النص وبنيته وغاياته، لا إلى تقدير سياسي مستقل.
ثانياً: شروط قبول طلب التفسير
لا ينبغي قبول طلب تفسير كلما رغبت سلطة عامة في الحصول على رأي المحكمة بشأن معنى محتمل لنص دستوري؛ لأن ذلك قد يحول المحكمة إلى جهة استشارية دائمة للسلطة السياسية. والأصل أن يرتبط طلب التفسير بخلاف حقيقي وجدي ظهر في التطبيق، وأن يكون حسمه ضرورياً لتحديد اختصاص سلطة أو تنفيذ حكم دستوري أو حماية حق مقرر في الإعلان.
وقد أخذ القانون المصري بهذا المنطق في مجال تفسير النصوص التشريعية، إذ اشترط أن يكون النص قد أثار خلافاً في التطبيق، وأن تكون له أهمية تقتضي توحيد تفسيره. وقررت المحكمة الدستورية العليا المصرية أن التفسير الملزم يستهدف الكشف عن المقاصد الحقيقية للمشرع عندما يؤدي اختلاف التطبيق إلى اضطراب قانوني يستوجب التوحيد[43].
وإن كان الاختصاص السوري يتعلق بتفسير الإعلان الدستوري لا القوانين العادية، فإن المعيار ذاته يصلح أساساً لتنظيمه. فينبغي أن يتضمن طلب التفسير بيان النص محل الخلاف، والاتجاهات المتعارضة في فهمه، والأثر الدستوري المترتب على استمرار الخلاف، وأسباب الحاجة إلى تدخل المحكمة.
ولا يكفي أن يكون السؤال مهماً من الناحية السياسية، بل يجب أن يكون قابلاً للإجابة القانونية. فإذا كان الطلب يتعلق بملاءمة قرار أو بتفضيل سياسة على أخرى، تعين على المحكمة رفضه، لأن اختصاصها يقتصر على تحديد المعنى الدستوري لا اختيار السياسة العامة.
ثالثاً: الجهات التي تملك طلب التفسير
حصر المرسوم المؤقت طلب تفسير الإعلان الدستوري في رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشعب. ويحقق هذا الحصر قدراً من الجدية، لكنه قد يجعل الوصول إلى التفسير رهناً بإرادة جهتين سياسيتين قد تكون إحداهما طرفاً في الخلاف ذاته.
وتظهر هذه الإشكالية بوضوح إذا كان النزاع متعلقاً بحدود اختصاص رئيس الجمهورية أو مجلس الشعب؛ إذ قد تمتنع الجهة المستفيدة من الغموض عن طلب التفسير، بينما تعجز الجهة الأخرى أو المحاكم عن تحريك اختصاص المحكمة. ولذلك ينبغي للقانون المنتظر أن يوسع دائرة الجهات التي تملك طلب التفسير، مع المحافظة على الطابع المؤسسي لهذا الطريق.
ويمكن منح هذا الحق لرئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الشعب، ونسبة محددة من أعضاء المجلس، ومجلس القضاء الأعلى، والمحاكم العليا عندما يكون تفسير النص لازماً للفصل في نزاع معروض عليها. كما يمكن تمكين المحكمة من تفسير النص بصورة تبعية عند نظر دعوى دستورية، من دون الحاجة إلى طلب مستقل، لأن الفصل في دستورية القانون يقتضي بطبيعته تحديد معنى القاعدة الدستورية التي تقاس بها مشروعيته.
رابعاً: حجية قرار التفسير
لا يؤدي اختصاص التفسير غايته إذا كان القرار الصادر فيه مجرد رأي غير ملزم تستطيع السلطات تجاهله. فطلب تفسير الإعلان الدستوري يفترض وجود حاجة إلى توحيد المعنى القانوني، ولا يتحقق هذا التوحيد إلا إذا أصبح التفسير ملزماً للكافة ولجميع السلطات العامة.
ويستند هذا الإلزام إلى طبيعة المحكمة وموقعها، لا إلى كونها صاحبة سلطة تشريعية. فهي لا تعدل النص، بل تحدد المعنى الذي يجب تطبيقه به ما لم يغير الإعلان الدستوري أو تعدل المحكمة اجتهادها وفق شروط واضحة.
وينبغي أن ينص القانون على نشر قرارات التفسير كاملةً، وأن تكون مسببةً، وأن تبين المنهج الذي اعتمدته المحكمة في الوصول إلى النتيجة. فالتفسير غير المسبب قد يحسم الخلاف مؤقتاً، لكنه لا يبني اجتهاداً دستورياً قابلاً للفهم والتطبيق في القضايا اللاحقة.
ويقدم النظام الألماني نموذجاً لقوة الإلزام في القضاء الدستوري؛ إذ تلزم قرارات المحكمة الدستورية الاتحادية الهيئات الدستورية والمحاكم والسلطات العامة، وتتمتع بعض قراراتها بقوة القانون[44]. ولا يعني ذلك نقل الحل الألماني بصورة آلية، لكنه يؤكد أن فاعلية الاجتهاد الدستوري ترتبط بحجيته المؤسسية.
خامساً: إبداء الرأي في دستورية مشروعات القوانين
إلى جانب التفسير، أسند المرسوم رقم (149) إلى المحكمة إبداء الرأي في دستورية مشروعات القوانين بناءً على طلب رئيس الجمهورية، وفي اقتراحات القوانين بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب[45]. ويقترب هذا الاختصاص من الرقابة السابقة، لكنه يختلف عنها إذا ظل الرأي غير ملزم أو صدر خارج خصومة دستورية محددة.
وتتمثل ميزة هذا الاختصاص في تمكين السلطات من تدارك العيب الدستوري قبل إصدار القانون، بما يمنع نشوء مراكز قانونية استناداً إلى نص مخالف. كما يمكن أن يسهم في تحسين جودة التشريع، ولا سيما في القوانين المتصلة بتنظيم المؤسسات أو الحقوق والحريات.
غير أن الخطر يكمن في تحول المحكمة إلى مستشار قانوني للسلطة التنفيذية أو التشريعية، فتشارك عملياً في صياغة النص ثم تتولى لاحقاً مراقبة دستوريته. وقد يضعف ذلك صورتها كجهة مستقلة، أو يدفع إلى الاعتقاد بأن التشريع الذي سبق أن أبدت رأيها فيه أصبح محصناً من الطعن.
ومن ثم، ينبغي التمييز بين الرقابة السابقة الملزمة والرأي الاستشاري. فإذا كان القانون سيبقي على الرأي الاستشاري، وجب النص صراحةً على أنه لا يحوز حجية الحكم الدستوري، ولا يمنع الطعن اللاحق في النص بعد صدوره، ولا يقيد المحكمة إذا ظهرت عند التطبيق أوجه مخالفة لم تكن واضحةً في مرحلة المشروع.
أما إذا أريد لهذا الاختصاص أن يكون رقابةً سابقةً حقيقيةً، فينبغي أن يصدر القرار في إجراءات محددة، وأن يكون مسبباً وملزماً، وألا يجوز إصدار الجزء المقضي بعدم دستوريته قبل تعديله.
سادساً: أثر الرأي السابق في الرقابة اللاحقة
قد تعرض على المحكمة بعد صدور القانون مسألة دستورية سبق لها أن تناولتها عند فحص مشروعه. ويثير ذلك سؤالاً حول مدى التزامها برأيها السابق، وحول صلاحية الأعضاء الذين شاركوا فيه لنظر الدعوى اللاحقة.
ولا ينبغي منح الرأي السابق حجيةً مطلقةً؛ لأن الرقابة على المشروع تتم في صورة مجردة، بينما تكشف الرقابة اللاحقة عن آثار التطبيق ودفوع الخصوم والوقائع العملية. وقد يكون النص متوافقاً مع الإعلان في ذاته، لكنه يطبق على نحو يؤدي إلى نتيجة غير دستورية، أو تظهر علاقة بينه وبين نصوص أخرى لم تكن واضحةً وقت إبداء الرأي.
كما لا يستلزم اشتراك الأعضاء في الرأي السابق تنحيهم تلقائياً، لأنهم لم يفصلوا في خصومة بين أطراف. غير أن التنحي قد يصبح ضرورياً إذا تضمن الرأي حكماً نهائياً ومفصلاً في المسألة ذاتها، أو إذا أسهم أحد الأعضاء بصورة مباشرة في إعداد المشروع أو صياغته بما يثير شكاً مشروعاً في حياده.
سابعاً: تفسير الإعلان الدستوري أثناء المرحلة الانتقالية
تظهر أهمية هذا الاختصاص بصورة خاصة في الحالة السورية، لأن الإعلان الدستوري مؤقت ومقتضب، ويعمل خلال مرحلة تتسم بسرعة التغير المؤسسي. وقد تثور أمام المحكمة مسائل تتعلق بحدود الاختصاص التشريعي، وطبيعة العلاقة بين رئيس الجمهورية ومجلس الشعب، واستقلال القضاء، ونطاق الحقوق والحريات، ومشروعية التدابير الانتقالية.
ولا يعني ذلك أن المحكمة تتولى استكمال جميع أوجه النقص في الإعلان؛ فبعض الفراغات لا يعالجها التفسير، وإنما تحتاج إلى قانون أو تعديل دستوري أو قرار من السلطة المختصة. ويجب أن تميز المحكمة بين الفراغ الذي يمكن تجاوزه باستخلاص حكم من المبادئ العامة، وبين الصمت الدستوري الذي يعكس ترك المسألة للمشرع أو للسلطة التأسيسية.
وتزداد دقة هذا التمييز عندما يتعلق الأمر باختصاصات السلطات؛ إذ لا يجوز افتراض اختصاص استثنائي لمجرد أن المرحلة تحتاج إليه، لأن الأصل أن سلطات الدولة مقيدة بما منحه لها الإعلان. وفي المقابل، لا ينبغي تفسير النصوص بطريقة تعطل المؤسسات أو تمنعها من أداء المهام الضرورية التي يستلزمها الانتقال، ما دام التفسير يستند إلى أساس دستوري واضح.
ثامناً: المنهج المقترح في تفسير الإعلان الدستوري
ينبغي أن يجمع منهج المحكمة بين عدة أدوات مترابطة. يبدأ التفسير بالنص، لأن العبارة الدستورية هي نقطة الانطلاق والحد الذي لا يجوز تجاوزه. ثم ينظر إلى موقع النص داخل الإعلان وعلاقته ببقية الأحكام، حتى لا يفسر منفصلاً عن وحدة الوثيقة الدستورية.
كما يجب مراعاة الغاية من النص، ولا سيما عندما يكون متعلقاً بحماية حق أو ضمان استقلال مؤسسة. فالتفسير الذي يحافظ على اللفظ ويهدر الغاية قد يؤدي عملياً إلى تعطيل الحكم الدستوري. وفي المقابل، لا يجوز استعمال التفسير الغائي لتجاوز النص أو فرض نتائج لا يمكن نسبتها إليه.
وينبغي كذلك الاستفادة من مبادئ القانون الدستوري المقارن والقانون الدولي لحقوق الإنسان، لا بوصفها قواعد تحل تلقائياً محل الإعلان، بل أدوات تساعد على فهم المفاهيم المشتركة، مثل استقلال القضاء، والمحاكمة العادلة، والتناسب، والمساواة.
أما الأعمال التحضيرية والظروف السياسية التي أحاطت بإصدار الإعلان، فيمكن الاستفادة منها بصورة تكميلية، لكنها لا ينبغي أن تتغلب على المعنى الموضوعي للنص؛ لأن الوثيقة الدستورية، بعد صدورها، تصبح مرجعاً قانونياً مستقلاً عن النيات الفردية لواضعيها.
التقييم النقدي
يكشف التحليل السابق أن تفسير الإعلان الدستوري ليس اختصاصاً ثانوياً للمحكمة، بل يمثل إحدى أكثر وظائفها تأثيراً خلال المرحلة الانتقالية. فبواسطة التفسير تحدد المحكمة المعنى الملزم للنصوص التي تنظم السلطات والحقوق، وقد يتحول قرار واحد إلى قاعدة تحكم الممارسة الدستورية طوال المرحلة.
غير أن اتساع أثر التفسير يقتضي تضييق شروط طلبه وضبط منهجه. فلا ينبغي أن تصبح المحكمة جهةً تقدم إجابات مسبقة عن كل خلاف سياسي، أو أداةً تستخدمها السلطة لتأكيد تفسير يخدم مصالحها. ويجب أن يرتبط التدخل بخلاف قانوني جدي، وأن يكون القرار مسبباً وملزماً، وأن يظل قابلاً للتطور عندما تتغير الظروف أو تظهر حجج دستورية جديدة.
وفي الحالة السورية، يمثل حصر طلب التفسير في رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشعب نقطة ضعف محتملة، لأنه قد يمنع المحكمة من التدخل عندما يكون الخلاف متعلقاً بإحدى هاتين السلطتين أو عندما تتفقان على تفسير يضيق حقاً أو ضمانةً دستوريةً. ولذلك ينبغي أن يمنح القانون المحاكم وبعض الجهات الدستورية والأقلية البرلمانية حق إثارة طلب التفسير ضمن ضوابط تمنع إساءة استعماله.
كما ينبغي ألا يختلط اختصاص التفسير بوظيفة إبداء الرأي في مشروعات القوانين. فالتفسير يحدد المعنى الملزم للإعلان الدستوري، أما الرأي في المشروع فيفحص نصاً لم يصبح قانوناً بعد. والخلط بينهما قد يحول المحكمة من حارس مستقل للوثيقة الدستورية إلى شريك في العملية التشريعية.
وتتمثل النتيجة الأساسية في أن المحكمة السورية تحتاج إلى ممارسة تفسيرية تجمع بين الحذر والفاعلية: حذر يمنعها من تعديل الإعلان أو الحلول محل السلطة التأسيسية، وفاعلية تحول دون بقاء النصوص غامضةً أو خاضعةً لتفسير كل سلطة وفق مصالحها. وبهذا يصبح التفسير وسيلةً لترسيخ الشرعية الدستورية، لا مدخلاً لإعادة إنتاج السلطة السياسية في صورة قضائية.
المبحث الثاني: القيود الدستورية على ممارسة اختصاصات المحكمة
المطلب الأول: التمييز بين الرقابة على الدستورية والرقابة على الملاءمة
لا تكتمل دراسة اختصاصات المحكمة الدستورية بتحديد النصوص التي تخضع لرقابتها وطرق الوصول إليها، بل تقتضي كذلك بيان الحدود التي تقف عندها هذه الرقابة. فالمحكمة، وإن كانت الجهة المختصة بحماية سمو الإعلان الدستوري، لا تملك الحلول محل السلطة التشريعية في اختيار السياسات العامة، ولا استبدال تقديرها بتقدير الجهات المنتخبة أو المختصة لمجرد أن حلاً آخر يبدو لها أكثر نجاعةً أو عدالةً.
وتتمثل إحدى أدق المسائل التي تواجه القضاء الدستوري في التمييز بين دستورية التشريع وملاءمته السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. فالأولى تخضع لرقابة المحكمة لأنها تتعلق بمدى احترام المشرع للنصوص والمبادئ الدستورية، أما الثانية فتدخل، في الأصل، ضمن المجال التقديري للسلطة التشريعية التي تتحمل المسؤولية السياسية عن الخيارات التي تعتمدها.
ولا يعني ذلك أن المشرع يتمتع بحرية مطلقة في تحديد السياسة التشريعية؛ إذ تظل سلطته مقيدةً بالحقوق والحريات، ومبدأ المساواة، والاختصاصات المقررة للسلطات، ومبادئ الشرعية والتناسب والأمن القانوني. غير أن وجود هذه القيود لا يحول المحكمة إلى جهة تراجع جميع الاختيارات التشريعية من حيث فائدتها أو ضرورتها السياسية، وإنما يمنحها سلطة التحقق من عدم تجاوزها الحدود التي وضعها الإعلان الدستوري.
أولاً: المجال التقديري للمشرع
يقصد بالمجال التقديري للمشرع المساحة التي يتركها الدستور للسلطة التشريعية للاختيار بين عدد من الحلول الممكنة لتحقيق غاية عامة. فالنصوص الدستورية تقرر المبادئ والحقوق الأساسية، لكنها لا تحدد عادةً جميع الوسائل التفصيلية اللازمة لتنفيذها؛ لذلك يظل للمشرع أن يختار الوسيلة التي يراها ملائمةً ما دامت لا تخالف حكماً دستورياً أو تفرض قيداً غير متناسب على حق من الحقوق.
ويستند احترام هذا المجال إلى مبدأ الفصل بين السلطات وإلى اختلاف طبيعة الشرعية التي تستند إليها كل مؤسسة. فالمشرع يضع السياسات العامة ويوازن بين المصالح الاجتماعية والاقتصادية، بينما تتولى المحكمة التحقق من بقاء هذه الموازنة داخل الإطار الدستوري. وإذا استبدلت المحكمة تقييمها السياسي بتقييم المشرع من دون وجود مخالفة دستورية، تحولت من جهة رقابة إلى جهة مشاركة في التشريع.
وقد أكد المجلس الدستوري الفرنسي، في اجتهاده المستقر، أنه لا يتمتع بسلطة عامة في التقدير والقرار مماثلة لسلطة البرلمان، وأن وظيفته لا تتمثل في البحث عما إذا كان يمكن تحقيق الغاية التشريعية بوسيلة أخرى، وإنما في التحقق من عدم تجاوز القانون للحدود الدستورية[46]. ويتفق ذلك مع طبيعة الرقابة السابقة المنصوص عليها في المادة (61) من دستور الجمهورية الخامسة، التي تنصب على مطابقة النص للدستور، لا على تقييم جودته السياسية.
غير أن المجال التقديري لا يمثل حصانةً للمشرع؛ فكلما تعلق القانون بحق أساسي أو بتمييز بين فئات متشابهة أو بتدبير استثنائي يمس الحرية، ضاقت مساحة التقدير واتسعت رقابة المحكمة. أما في المسائل الاقتصادية أو الفنية المعقدة، فقد يكون من الملائم منح المشرع هامشاً أوسع، ما لم يكن اختياره تعسفياً أو غير مرتبط بالغاية التي أعلنها.
ثانياً: الرقابة على الغاية والوسيلة
لا تراقب المحكمة ملاءمة السياسة التشريعية في ذاتها، لكنها تستطيع التحقق من مشروعية الغاية التي يستهدفها القانون ومن صلاحية الوسيلة لتحقيقها. فإذا استند المشرع إلى غاية تتعارض مع الإعلان الدستوري، كإقصاء فئة اجتماعية أو تقييد المعارضة السياسية، كان التشريع غير دستوري بصرف النظر عن الوسيلة المستخدمة.
أما إذا كانت الغاية مشروعةً، فإن الرقابة تنتقل إلى الوسيلة. ويظهر هنا مبدأ التناسب بوصفه أداةً تسمح للمحكمة بمراقبة القيود المفروضة على الحقوق من دون أن تحل محل المشرع في اختيار السياسة العامة. وتتحقق الرقابة عادةً من خلال البحث في ثلاثة عناصر: مدى صلاحية الإجراء لتحقيق الغاية، وضرورة اللجوء إليه في غياب وسيلة أقل تقييداً للحق، والتوازن بين المنفعة العامة المتوقعة والضرر الواقع على الحق أو الحرية.
ولا تعني رقابة الضرورة أن المحكمة تختار بنفسها التدبير الذي تراه الأفضل، بل تتحقق من أن المشرع لم يفرض قيداً بالغاً يمكن تفاديه بوسيلة ظاهرة أقل مساساً بالحق. كما لا تعني الموازنة النهائية أن المحكمة تعيد صياغة السياسة العامة، وإنما تمنع التضحية بحق دستوري بصورة لا تتناسب مع الفائدة التي يحققها التشريع.
ويرى الباحث أن اعتماد مبدأ التناسب سيكون ضرورياً في عمل المحكمة السورية، ولا سيما في القوانين المتعلقة بالأمن العام، والطوارئ، وتنظيم التظاهر والتجمع، والعدالة الانتقالية، واسترداد الأموال، وتقييد بعض الحقوق خلال المرحلة الانتقالية. ففي هذه المجالات، لا يكفي أن يعلن المشرع وجود مصلحة عامة، بل يجب أن يثبت وجود علاقة معقولة بين التدبير والغاية، وأن يظل القيد في الحدود الضرورية لتحقيقها.
ثالثاً: الرقابة على الخطأ الظاهر في التقدير
قد يتجنب القضاء الدستوري الخوض في التفاصيل الفنية للسياسة التشريعية، لكنه يظل قادراً على التدخل عندما يقوم اختيار المشرع على تقدير ظاهر الخطأ أو على افتراض لا تدعمه الوقائع أو المنطق. وتسمح هذه الرقابة للمحكمة بمواجهة التشريعات التعسفية من دون أن تجعلها صاحبة التقدير الأول في المسائل السياسية أو الاقتصادية.
ويتحقق الخطأ الظاهر عندما تكون الوسيلة التشريعية بعيدةً بصورة واضحة عن الغاية المعلنة، أو عندما تساوي بين أوضاع تختلف اختلافاً جوهرياً، أو تميز بين أوضاع متماثلة من دون سبب موضوعي، أو تفرض عبئاً بالغاً لا تبرره المنفعة المتوقعة. وفي هذه الحالات، لا يتعلق تدخل المحكمة برأيها في ملاءمة القانون، بل بانقطاع الصلة المنطقية والدستورية بين الغاية والوسيلة.
وتكتسب هذه الرقابة أهميةً خاصةً في المرحلة الانتقالية؛ لأن التشريعات قد تصدر بسرعة وتحت ضغط الضرورة، بما يزيد احتمال اعتماد حلول عامة ومبالغ فيها. ولا ينبغي للمحكمة أن تتجاهل خصوصية الظرف، لكنها لا يجوز أن تقبل وصف كل تدبير بأنه ضروري لمجرد صدوره خلال المرحلة الانتقالية.
رابعاً: الرقابة على المساواة ومنع التمييز التشريعي
يمثل مبدأ المساواة مجالاً تتداخل فيه رقابة الدستورية مع تقدير المشرع بصورة دقيقة. فالمساواة لا تمنع المشرع من التمييز بين فئات مختلفة، وإنما تفرض أن يستند التمييز إلى أساس موضوعي يرتبط بغاية القانون وألا يكون تعسفياً أو غير متناسب.
وتبدأ المحكمة بتحديد ما إذا كانت الفئات التي عاملها القانون بصورة مختلفة توجد في أوضاع متماثلة أو متقاربة بالنسبة إلى موضوع التشريع. فإذا ثبت ذلك، انتقلت إلى فحص المبرر الموضوعي للتمييز ومدى ارتباطه بالغاية التي يستهدفها القانون.
وفي المرحلة الانتقالية السورية، يحتمل أن تظهر هذه المسألة في قوانين الوظيفة العامة، وإعادة هيكلة المؤسسات، والعزل أو الحرمان من بعض الحقوق السياسية، وتعويض الضحايا، واسترداد الملكيات، وتنظيم العودة وإعادة الإعمار. وقد يكون التمييز مشروعاً إذا استند إلى معايير دقيقة تتصل بالمسؤولية الفردية أو الضرر الفعلي، لكنه يصبح موضع شك دستوري إذا قام على الانتماء الجماعي أو المنطقة أو الطائفة أو الموقف السياسي المفترض.
ويرى الباحث أن المحكمة يجب أن ترفض بصورة واضحة أي تشريع يستبدل المسؤولية الفردية بالمسؤولية الجماعية، لأن المرحلة الانتقالية لا تبرر بناء نظام قانوني جديد على افتراضات عامة تمس فئات بأكملها. كما ينبغي أن تخضع التصنيفات التي يستخدمها المشرع لمعيار صارم كلما اتصلت بالهوية أو الحقوق السياسية أو الوصول إلى الوظائف العامة.
خامساً: عدم حلول المحكمة محل المشرع
قد تقضي المحكمة بعدم دستورية نص بسبب نقصه أو غموضه أو عدم تناسبه، لكن ذلك لا يمنحها، في الأصل، سلطة وضع تنظيم تشريعي كامل بدلاً منه. فالمحكمة تزيل المخالفة أو تحدد التفسير المتفق مع الإعلان الدستوري، بينما يبقى للمشرع اختيار الحل التفصيلي من بين البدائل الدستورية الممكنة.
ويظهر هذا الحد بوضوح عندما تكون المخالفة قابلةً للمعالجة بأكثر من وسيلة؛ فقد يختار المشرع تعديل نطاق النص، أو إضافة ضمانات إجرائية، أو تغيير معيار الاستحقاق، أو إعادة تنظيم المؤسسة. ولا ينبغي للمحكمة أن تلزمه بحل واحد إلا إذا كان الإعلان الدستوري لا يسمح بغيره.
ومع ذلك، لا يعني احترام سلطة المشرع أن تكتفي المحكمة بإعلان المخالفة بعبارات عامة لا تسمح بفهم سببها. فالتسبيب يجب أن يحدد المبدأ الدستوري المنتهك وطبيعة الخلل والحد الأدنى الواجب احترامه، مع ترك الوسيلة التفصيلية للمشرع. وبهذا يتحقق التوازن بين فاعلية الحكم وعدم الحلول محل السلطة التشريعية.
سادساً: التفسير المطابق للإعلان الدستوري
يمثل التفسير المطابق أداةً تسمح للمحكمة بالمحافظة على النص التشريعي إذا كان يحتمل أكثر من معنى، أحدها مخالف للإعلان الدستوري والآخر متفق معه. وفي هذه الحالة، لا تبطل المحكمة النص، بل تقرر دستوريته بشرط تفسيره أو تطبيقه على الوجه الذي حددته.
وتحقق هذه الأداة احتراماً لإرادة المشرع وتجنباً للفراغ القانوني، لكنها تثير خطراً إذا تجاوزت المحكمة حدود التأويل الممكن وأعادت كتابة النص. ولذلك ينبغي ألا يلجأ القاضي الدستوري إلى التفسير المطابق إلا عندما يكون المعنى الذي يعتمده قابلاً للاستخلاص من العبارة والبنية التشريعية، لا عندما يتطلب إضافة شروط أو استثناءات لم يتضمنها القانون.
كما يجب أن تكون التحفظات التفسيرية واضحةً ومعلنةً وملزمةً للمحاكم والإدارات، لأن الحكم الذي يبقي النص نافذاً مع تفسير محدد يفقد قيمته إذا استمرت السلطات في تطبيقه بمعناه المخالف. وتنسجم هذه النتيجة مع الطبيعة الملزمة لأحكام القضاء الدستوري؛ ففي فرنسا، تنص المادة (62) على إلزام قرارات المجلس الدستوري للسلطات العامة والجهات الإدارية والقضائية، وفي ألمانيا تلزم قرارات المحكمة الدستورية الاتحادية الهيئات الدستورية والمحاكم والسلطات العامة، وقد تتمتع بعض أحكامها بقوة القانون[47].
سابعاً: سلطة المحكمة في تحديد آثار الحكم
ترتبط حدود الرقابة أيضاً بسلطة المحكمة في تحديد أثر الحكم بعدم الدستورية. فقد يكون الإبطال الفوري هو الحل الطبيعي عندما يتعلق النص بانتهاك جسيم لحق أساسي، لكنه قد يؤدي في حالات أخرى إلى فراغ قانوني أو اضطراب مؤسسي أشد خطورةً من استمرار النص مؤقتاً.
وقد أجازت المادة (62) من الدستور الفرنسي للمجلس الدستوري، في الرقابة اللاحقة، تأجيل تاريخ إلغاء الحكم التشريعي وتحديد الشروط والحدود التي يمكن ضمنها مراجعة الآثار التي سبق أن أنتجها.[48] ويعكس ذلك تحول أثر الحكم من نتيجة آلية إلى مسألة دستورية تحتاج إلى موازنة بين إزالة المخالفة والمحافظة على الأمن القانوني.
غير أن تأجيل الأثر لا ينبغي أن يصبح وسيلةً لإبقاء النصوص المخالفة مدةً طويلةً أو حماية المشرع من نتائج تقاعسه. ويجب أن يقتصر على الحالات التي يؤدي فيها الإلغاء الفوري إلى فراغ خطير أو مساس واسع بالمراكز القانونية، وأن تحدد المحكمة مهلةً واضحةً ومعقولةً للتدخل التشريعي.
ويرى الباحث أن القانون السوري ينبغي أن يمنح المحكمة سلطة تحديد الأثر الزمني لأحكامها، مع إلزامها بتسبيب قرار التأجيل وبيان الضرورة التي تبرره. كما ينبغي التمييز بين النصوص التي تمس جوهر الحقوق، حيث يكون الإبطال الفوري هو الأصل، والنصوص التنظيمية التي قد يتطلب إبطالها مهلةً لتجنب تعطيل مؤسسة أو مرفق عام.
ثامناً: خصوصية الرقابة في المرحلة الانتقالية السورية
تفرض المرحلة الانتقالية على المحكمة السورية تجنب اتجاهين متعارضين: اتجاه يبالغ في التحفظ بحجة احترام السلطة السياسية، فيؤدي إلى تعطيل الرقابة؛ واتجاه يتوسع في التدخل بحجة حماية الانتقال، فيحول المحكمة إلى شريك في رسم السياسات العامة.
ولا يمكن تحقيق التوازن بينهما من خلال قاعدة جامدة، بل باعتماد منهج يميز بين درجة الرقابة بحسب طبيعة المسألة. فتكون الرقابة مشددةً عندما يتعلق القانون بالحقوق الأساسية أو التمييز أو استقلال القضاء أو نزاهة الانتخابات، وتكون أكثر تحفظاً عندما يتعلق الأمر بخيارات اقتصادية أو إدارية متعددة، ما لم يظهر تعسف أو خطأ بيّن.
كما ينبغي للمحكمة أن تراعي أن السلطات الانتقالية قد تحتاج إلى سرعة التحرك، لكن السرعة لا تعفيها من احترام الإعلان الدستوري. ولا يجوز أن تتحول الضرورة السياسية إلى قرينة قاطعة على دستورية التدبير، بل يجب أن تظل قابلةً للفحص من حيث حقيقتها ومدتها وتناسبها.
ويرى الباحث أن المحكمة السورية تستطيع تطوير ما يمكن تسميته «الرقابة الدستورية المتدرجة»، وهي رقابة لا تعامل جميع القوانين بالصرامة ذاتها، وإنما تضبط كثافتها بحسب طبيعة الحق أو المؤسسة محل الحماية، وخطورة القيد، والظروف التي صدر فيها التشريع. ولا يعني ذلك خضوع الدستور لموازين سياسية متغيرة، بل اختيار أداة الرقابة المناسبة لتحقيق الحماية من دون مصادرة المجال المشروع للمشرع.
التقييم النقدي
يكشف التحليل السابق أن احترام المجال التقديري للمشرع لا يعني امتناع المحكمة عن الرقابة، كما أن حماية الدستور لا تعني منحها سلطة مراجعة جميع الاختيارات السياسية. والفاصل بين الأمرين هو وجود معيار دستوري قابل للتطبيق: فإذا تعلق الخلاف بمدى فاعلية السياسة أو تكلفتها أو أولويتها، كان المجال للمشرع؛ أما إذا تعلق بتجاوز حق أو اختصاص أو مبدأ دستوري، انعقدت ولاية المحكمة.
وفي الحالة السورية، قد يكون إغراء التدخل القضائي واسعاً بسبب ضعف المؤسسات وحداثة البناء الدستوري. غير أن المحكمة لا تبني شرعيتها بكثرة إبطال القوانين، بل بوضوح المعايير التي تعتمدها وبقدرتها على التمييز بين المخالفة الدستورية والخلاف السياسي.
ويرى الباحث أن الرقابة المتدرجة توفر المنهج الأنسب لهذه المرحلة؛ فهي تمنح الحقوق والحريات والضمانات المؤسسية حمايةً مشددةً، وتحترم في الوقت نفسه سلطة المشرع في المجالات التي تسمح بتعدد الحلول. كما تسمح للمحكمة باختيار الجزاء الدستوري المتناسب، بدءاً من التفسير المطابق، ومروراً بالإبطال الجزئي أو المؤجل، وانتهاءً بالإبطال الكلي والفوري عندما لا يمكن إزالة المخالفة بوسيلة أقل حدةً.
وتتمثل النتيجة الأساسية في أن المحكمة الدستورية لا تراقب صواب السياسة التشريعية، وإنما حدودها الدستورية. وكلما حافظت على هذا الفاصل، ازدادت قدرتها على حماية الإعلان الدستوري من دون أن تتحول إلى سلطة حكم غير منتخبة.
المطلب الثاني مبدأ الفصل بين السلطات وحدود الدور الإنشائي للمحكمة الدستورية
لا تؤدي المحكمة الدستورية وظيفتها خارج مبدأ الفصل بين السلطات، وإنما تمارسها بوصفها إحدى ضماناته. فالفصل بين السلطات لا يعني إقامة حواجز مطلقة بين مؤسسات الدولة، بل توزيع الوظائف العامة ومنع تركيزها في جهة واحدة، مع إخضاع كل سلطة لصور من الرقابة والتوازن تحول دون تجاوز حدودها الدستورية. وفي هذا الإطار، تختص المحكمة بمراقبة التزام السلطتين التشريعية والتنفيذية بالإعلان الدستوري، لكنها تظل بدورها مقيدةً بالاختصاص الذي منحته إياه الوثيقة الدستورية وبالطبيعة القضائية لوسائل عملها[49].
ويقوم التوازن الدستوري على معادلة دقيقة: فإذا ضاقت رقابة المحكمة إلى حد الامتناع عن مواجهة تجاوزات السلطات السياسية، فقد الإعلان الدستوري إحدى ضماناته الأساسية؛ وإذا اتسعت الرقابة إلى حد إحلال المحكمة تقديرها محل تقدير المشرع أو توليها صياغة السياسات العامة، انتقلت من حماية الفصل بين السلطات إلى الإخلال به. ومن ثم، لا تكمن الصعوبة في إثبات حق المحكمة في الرقابة، وإنما في ضبط الحدود التي تفصل الرقابة القضائية المشروعة عن ممارسة وظيفة تشريعية أو تنفيذية مقنّعة.
أولاً: المحكمة الدستورية بوصفها ضامناً للفصل بين السلطات
تتمثل إحدى الوظائف الأساسية للقضاء الدستوري في منع أي سلطة من الاستئثار باختصاص لا يمنحه لها الدستور. فالمحكمة لا تحمي الحقوق والحريات فحسب، بل تحمي كذلك قواعد الاختصاص والإجراءات التي تنظم عمل المؤسسات العامة. وعندما تبطل قانوناً لتجاوز السلطة التشريعية اختصاصها، أو تمنع السلطة التنفيذية من ممارسة وظيفة لا سند لها، فإنها لا تنافس هاتين السلطتين، بل تعيدهما إلى الحدود التي وضعتها الوثيقة الدستورية.
وفي النظام الفرنسي، يختص المجلس الدستوري بفحص مطابقة القوانين للدستور قبل إصدارها وفق المادة (61)، وتلزم قراراته السلطات العامة والجهات الإدارية والقضائية بموجب المادة (62)[50]. ولا تعني هذه الحجية أن المجلس أصبح سلطةً أعلى من سائر السلطات من حيث التراتب السياسي، وإنما تعكس علو الدستور الذي يطبقه وإلزام القاعدة الدستورية للسلطات المنشأة جميعها.
ويؤكد التنظيم الألماني المعنى ذاته؛ إذ تلزم قرارات المحكمة الدستورية الاتحادية الهيئات الدستورية والمحاكم والسلطات العامة، وتتمتع بعض قراراتها بقوة القانون[51]. ولا يؤدي ذلك إلى جعل المحكمة مشرعاً أصلياً، لأن قوة القرار تنشأ من حسمها مسألةً دستوريةً ضمن ولايتها، لا من امتلاكها سلطةً عامةً في وضع القوانين.
وتتجلى أهمية هذه الوظيفة بصورة أشد في الدول الانتقالية، حيث تكون الحدود بين السلطات أقل استقراراً، وتزداد احتمالات توسع إحدى المؤسسات بذريعة الضرورة أو الفراغ المؤسسي. وفي هذه الظروف، تصبح المحكمة جهةً تمنع الضرورة السياسية من التحول إلى مصدر دائم للاختصاص، وتلزم كل سلطة بتقديم أساس دستوري لأعمالها.
ثانياً: الدور الإنشائي للاجتهاد الدستوري
لا يمكن اختزال وظيفة المحكمة في التطبيق الآلي للنصوص، لأن الرقابة الدستورية تقتضي تفسير مفاهيم عامةً ومجردةً، وتحديد مضمون الحقوق، وبيان الحدود الفاصلة بين اختصاصات السلطات. ومن ثم، ينطوي الاجتهاد الدستوري بالضرورة على جانب إنشائي؛ فالمحكمة لا تخلق النص الدستوري، لكنها تسهم في بناء معناه العملي.
ويظهر هذا الدور عندما تحدد المحكمة مضمون مبدأ المساواة، أو عناصر المحاكمة العادلة، أو شروط التناسب، أو الحدود التي لا يجوز للمشرع تجاوزها عند تقييد حق معين. فالنصوص الدستورية لا تقدم عادةً إجابات تفصيليةً لكل مسألة، وإنما تضع مبادئ تحتاج إلى تفسير يربطها بالوقائع والتشريعات المتغيرة.
غير أن الاعتراف بالدور الإنشائي لا يعني منح المحكمة سلطةً تأسيسيةً غير مقيدة. فالمحكمة تستمد شرعية تفسيرها من النص، ومن وحدة الوثيقة الدستورية، ومن المبادئ التي يمكن استخلاصها منها. فإذا تجاوزت هذه الحدود وأقامت حكماً لا يمكن نسبته إلى الإعلان الدستوري، انتقلت من تفسيره إلى تعديله.
ويرى الباحث أن وصف المحكمة بأنها «منشئة» للقانون الدستوري ينبغي استعماله بحذر؛ فهي منشئة للمعنى القضائي الملزم، لا للنص الدستوري ذاته. وبعبارة أخرى، تملك المحكمة تطوير القاعدة الدستورية من داخل بنيتها، لكنها لا تملك استبدال بنية جديدة بها أو سد كل فراغ وفق ما تراه أكثر ملاءمةً سياسياً.
ثالثاً: خطر الحكومة القضائية
يشير مفهوم «الحكومة القضائية» إلى الحالة التي تتجاوز فيها المحكمة الدستورية وظيفتها في مراقبة احترام الدستور، لتصبح صاحبة تأثير مباشر في تحديد السياسات العامة أو في فرض حلول كان الدستور قد ترك اختيارها للمشرع. وقد ارتبط المصطلح تاريخياً بالفقيه الفرنسي إدوار لامبير، الذي استخدمه في نقد الدور الواسع للمحكمة العليا الأمريكية في إبطال بعض التشريعات الاجتماعية[52].
ولا يتحقق هذا الخطر لمجرد أن يكون للحكم أثر سياسي واسع؛ فقد يكون إبطال قانون ما مشروعاً إذا استند إلى نص أو مبدأ دستوري واضح. وإنما يظهر عندما تستبدل المحكمة تقديرها السياسي بتقدير المشرع، أو تفرض حلاً تشريعياً مفصلاً مع وجود عدة بدائل دستورية ممكنة، أو تستند إلى مبادئ فضفاضة لا يمكن ربطها بوضوح بالوثيقة الدستورية[53].
ويرى الباحث أن التمييز بين القضاء الدستوري المشروع والحكومة القضائية يقوم على ثلاثة معايير: وجود أساس دستوري واضح، واقتصار الحكم على القدر اللازم لإزالة المخالفة، وترك اختيار الوسائل التفصيلية للمؤسسات السياسية كلما سمح الدستور بأكثر من حل. فإذا توافرت هذه المعايير، ظل تدخل المحكمة قضائياً ولو ترتبت عليه نتائج سياسية مهمة.
ويظهر هذا التوازن في الفهم العام للفصل بين السلطات الذي يقرر أن القضاء يستطيع مراقبة أعمال السلطتين التشريعية والتنفيذية، لكنه لا يملك سن القوانين أو مباشرة العمل التنفيذي[54]. وهذا التمييز لا يقوم على الأثر السياسي للحكم، بل على طبيعة الوظيفة التي تمارسها المحكمة والأساس القانوني الذي تستند إليه.
رابعاً: حدود الأوامر الموجهة إلى المشرع
قد تكشف المحكمة وجود مخالفة دستورية لا يمكن علاجها بمجرد إلغاء كلمة أو فقرة، وإنما تتطلب تدخلاً تشريعياً جديداً. وتثور هنا مسألة مدى جواز توجيه المحكمة أوامر إلى المشرع، أو تحديد مهلة لإصدار قانون، أو بيان العناصر التي ينبغي تضمينها فيه.
والأصل أن المحكمة تملك تحديد طبيعة المخالفة والحد الأدنى الدستوري الواجب احترامه، لكنها لا تملك كتابة القانون نيابةً عن المشرع. فإذا كان علاج المخالفة يقبل عدة بدائل، وجب ترك الاختيار للسلطة التشريعية. أما إذا لم يكن احترام الإعلان ممكناً إلا بتقرير ضمانة محددة، جاز للمحكمة بيانها باعتبارها نتيجةً مباشرةً للقاعدة الدستورية.
وقد يكون تحديد مهلة للمشرع مشروعاً عندما يؤدي الإبطال الفوري إلى فراغ قانوني أو عندما يكون الامتناع التشريعي قد عطل حقاً أو مؤسسةً دستوريةً. غير أن المهلة يجب أن تكون معقولةً ومسببةً، وألا تتحول المحكمة إلى جهة تشرف بصورة مستمرة على العملية التشريعية.
ويرى الباحث أن المحكمة السورية ينبغي أن تملك إصدار أحكام تقريرية تبين وجود نقص دستوري وتلزم المشرع بمعالجته، مع ترك الوسائل التفصيلية له. ويكون اللجوء إلى هذا النوع من الأحكام مناسباً بصورة خاصة عندما يتعذر الإبطال، لأن المشكلة تكمن في غياب التنظيم لا في وجود نص مخالف.
خامساً: الفصل بين الرقابة والتوجيه السياسي
لا يجوز للمحكمة أن تستخدم تسبيب أحكامها لتقديم برنامج سياسي أو تشريعي شامل. فالحكم الدستوري يجب أن يقتصر على المسألة اللازمة للفصل في النزاع، وأن يبين القاعدة الدستورية المنطبقة ووجه المخالفة والنتيجة المترتبة عليها.
ولا يمنع ذلك المحكمة من بيان الآثار المؤسسية للحكم أو توجيه المشرع إلى ضرورة احترام مبادئ محددة، لكنه يمنعها من المفاضلة بين البرامج الاقتصادية أو الاجتماعية أو الأمنية ما دامت جميعها تقع داخل المجال الدستوري المشروع.
ويكتسب هذا القيد أهميةً خاصةً في المرحلة الانتقالية، لأن المحكمة قد تواجه ضغوطاً تدفعها إلى تبني تصور شامل لمسار الانتقال أو العدالة أو المصالحة. غير أن شرعيتها لا تقوم على تمثيلها السياسي للمجتمع، بل على اختصاصها القضائي واستقلالها وتسبيب أحكامها. ولذلك ينبغي أن تحمي الإطار الدستوري الذي تتحرك داخله السياسات، لا أن تتولى اختيار هذه السياسات بنفسها.
سادساً: أثر المرحلة الانتقالية في كثافة الرقابة
قد تدفع هشاشة المرحلة الانتقالية إلى القول بضرورة توسع المحكمة في الرقابة لحماية النظام الجديد، كما قد تدفع إلى القول بضرورة تحفّظها حتى لا تعيق المؤسسات الناشئة. غير أن أياً من الموقفين لا يصلح قاعدةً مطلقةً؛ إذ ينبغي تحديد كثافة الرقابة بحسب طبيعة المسألة.
فتكون الرقابة قويةً عندما يتعلق النزاع بسلامة بناء المؤسسات، أو الحقوق الأساسية، أو تداول السلطة، أو استقلال القضاء، أو منع التمييز، أو القيود الاستثنائية. أما في الخيارات التي يترك فيها الإعلان الدستوري بدائل متعددةً، فينبغي للمحكمة احترام المجال التقديري للسلطات المختصة.
ويرى الباحث أن الطبيعة الانتقالية لا توسع اختصاص المحكمة من حيث المصدر، لكنها تؤثر في طريقة ممارسته. فهي تفرض على المحكمة قراءةً واعيةً للفراغ المؤسسي ومخاطر تركيز السلطة، من دون أن تمنحها حق إنشاء صلاحيات غير واردة في الإعلان.
سابعاً: الحالة السورية
تكتسب مسألة الفصل بين السلطات أهميةً خاصةً في النموذج السوري، لأن المحكمة تنشأ خلال مرحلة لم تستكمل فيها المؤسسات التشريعية والقضائية تنظيمها النهائي، ولأن رئيس الجمهورية يملك دوراً محورياً في تشكيل المحكمة وفي إدارة المرحلة الانتقالية. ومن ثم، قد تجد المحكمة نفسها أمام منازعات تمس حدود الجهة التي أسهمت في تشكيلها.
ولا ينبغي أن يدفعها ذلك إلى التحفظ عن ممارسة رقابتها؛ لأن الاستقلال يفقد معناه إذا امتنعت المحكمة عن فحص أعمال السلطة الأكثر تأثيراً. وفي المقابل، لا يجوز لها أن تتخذ من الحاجة إلى الحد من هذه السلطة أساساً لتوسيع اختصاصها خارج النصوص.
وينبغي للقانون المنظم أن يحدد اختصاص المحكمة بدقة، لكنه يجب ألا يصوغه على نحو جامد يمنعها من حماية المبادئ الدستورية الضمنية اللازمة لعمل النظام، مثل الفصل بين السلطات واستقلال القضاء والرقابة المتبادلة. فهذه المبادئ لا تحتاج دائماً إلى نص تفصيلي، لكنها يجب أن تكون قابلةً للاستخلاص من بنية الإعلان الدستوري.
ويرى الباحث أن الدور الأنسب للمحكمة السورية يتمثل في أن تكون حَكَماً دستورياً لا شريكاً سياسياً؛ أي أن تحسم مدى احترام المؤسسات لقواعد الاختصاص والحقوق، من دون أن تدير الصراع السياسي أو تختار نتائجه. وكلما التزمت بهذا الدور، استطاعت أن تمارس رقابةً قويةً من دون أن تثير اتهاماً مشروعاً باغتصاب وظيفة المؤسسات المنتخبة أو التنفيذية.
التقييم النقدي
يكشف التحليل السابق أن مبدأ الفصل بين السلطات لا يضعف القضاء الدستوري، بل يمنحه أساسه وحدوده في الوقت نفسه. فهو يبرر تدخل المحكمة عندما تتجاوز سلطة اختصاصها، ويمنع المحكمة من تجاوز اختصاصها هي الأخرى.
ولا يمكن تحديد مشروعية الدور القضائي بالنظر إلى اتساع أثر الحكم؛ فقد يكون الحكم بالغ التأثير في السياسة العامة، لكنه يظل قضائياً إذا استند إلى نص دستوري واضح واقتصر على إزالة المخالفة. وقد يكون الحكم محدود الأثر ظاهرياً، لكنه يمثل تجاوزاً إذا تدخل في مسألة تركها الإعلان للمشرع من دون وجود معيار دستوري.
ويرى الباحث أن خطر «الحكومة القضائية» لا يعالج بإضعاف المحكمة أو تقييد الوصول إليها، وإنما بفرض متطلبات صارمة في التسبيب، وربط كل نتيجة بأساس دستوري، واحترام تعدد الحلول التشريعية الممكنة. فالمحكمة القوية ليست التي تضع أكبر عدد من القواعد، بل التي تحدد بوضوح أين ينتهي الدستور وأين يبدأ المجال السياسي المشروع.
وفي المرحلة السورية، ينبغي للمحكمة أن تتجنب التحول إلى إحدى أدوات السلطة الانتقالية أو إلى سلطة وصاية عليها. وموقعها الصحيح بين الاحتمالين هو موقع المؤسسة التي تحمي قواعد اللعبة الدستورية، لكنها لا تختار اللاعبين أو النتائج السياسية داخلها.
المطلب الثالث : حدود رقابة المحكمة الدستورية على السلطة التأسيسية والسلطة التعديلية
تعد مسألة خضوع السلطة التأسيسية لرقابة المحكمة الدستورية من أكثر المسائل إثارةً للجدل في الفقه الدستوري، لأنها تمس العلاقة بين أعلى مصدر للشرعية الدستورية والجهة المكلفة بحماية هذه الشرعية. فإذا كانت المحكمة تستمد وجودها واختصاصها من الدستور، يثور التساؤل حول مدى جواز إخضاع السلطة التي أنشأت الدستور ذاته لرقابة هيئة تستمد سلطتها منه.
ويميز الفقه الدستوري بين السلطة التأسيسية الأصلية والسلطة التأسيسية المنشأة (أو سلطة تعديل الدستور). فالسلطة التأسيسية الأصلية هي التي تنشئ النظام الدستوري ابتداءً، وتستمد مشروعيتها من الإرادة الشعبية باعتبارها سلطةً سابقةً على الدستور وغير مقيدة بأحكامه. أما السلطة التأسيسية المنشأة فهي سلطة ينظم الدستور وجودها ويحدد إجراءات ممارستها وحدودها، ومن ثم فإنها تظل خاضعةً للقواعد التي قررها الدستور ذاته[55].
ويترتب على هذا التمييز نتيجة مهمة، وهي أن المحكمة الدستورية لا تملك، في الأصل، مراقبة أعمال السلطة التأسيسية الأصلية، لأنها لا تستمد اختصاصها منها ولا تعلو عليها. أما السلطة التعديلية، فإنها تخضع للرقابة كلما كان الدستور قد فرض قيوداً موضوعيةً أو إجرائيةً على ممارسة سلطة التعديل، لأن المحكمة في هذه الحالة لا تراقب الإرادة التأسيسية ذاتها، وإنما تراقب احترام الجهة المختصة للقيود التي ألزمها بها الدستور.
وقد أخذت بعض المحاكم الدستورية بهذا الاتجاه، ولا سيما المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية، التي أقرت بإمكان الرقابة على التعديلات الدستورية إذا مست المبادئ المحصنة التي يحظر الدستور تعديلها، وفي مقدمتها الكرامة الإنسانية، والنظام الديمقراطي، والدولة الاتحادية، ومبدأ سيادة القانون[56]. ويؤكد هذا الاتجاه أن سلطة التعديل، مهما اتسعت، ليست سلطةً مطلقة، وإنما تظل مقيدةً بالإطار الذي رسمه الدستور.
أما في الحالة السورية، فإن الإعلان الدستوري الحالي يمثل وثيقةً انتقاليةً مؤقتة، ولا ينظم بصورة تفصيلية إجراءات وضع الدستور الدائم أو تعديل أحكامه. ومن ثم، فإن المحكمة الدستورية لا يمكن أن تبسط رقابتها على أعمال السلطة التأسيسية الأصلية التي ستتولى وضع الدستور الجديد، لأن هذه السلطة تستمد مشروعيتها مباشرةً من الإرادة التأسيسية للشعب، لا من الإعلان الدستوري القائم.
غير أن الأمر يختلف إذا نص الدستور الدائم مستقبلاً على إجراءات أو حدود خاصة بتعديله، إذ تصبح المحكمة مختصةً بالتحقق من احترام تلك الإجراءات والقيود، حمايةً لسمو الدستور ومنعاً للالتفاف على الضمانات التي قررتها السلطة التأسيسية نفسها.
ويرى الباحث أن عدم خضوع السلطة التأسيسية الأصلية لرقابة المحكمة الدستورية لا يعني إطلاقها من كل قيد، وإنما يعني أن الرقابة عليها تظل ذات طبيعة سياسية وشعبية، بينما تبقى الرقابة القضائية محصورةً في السلطة التعديلية المنشأة متى تجاوزت الحدود التي رسمها الدستور. ويحقق هذا الحل التوازن بين احترام سيادة الإرادة التأسيسية للشعب، والمحافظة في الوقت نفسه على استقرار النظام الدستوري ومنع العبث بإجراءات تعديله.
التقييم النقدي
يكشف الفقه الدستوري المقارن أن الخلط بين السلطة التأسيسية الأصلية والسلطة التعديلية يؤدي إلى اضطراب كبير في تحديد ولاية المحكمة الدستورية. فإذا أخضعت الأولى للرقابة القضائية، أصبحت المحكمة أعلى من الإرادة التي أنشأت النظام الدستوري. وإذا أعفيت الثانية من الرقابة مطلقاً، أمكن تعديل الدستور أو الالتفاف على ضماناته من دون أي رقابة قانونية.
ولذلك، فإن التمييز بين السلطتين يمثل الحل الأكثر اتساقاً مع النظرية الدستورية الحديثة. وفي الحالة السورية، سيكون من الضروري أن يحدد الدستور الدائم بصورة صريحة نطاق رقابة المحكمة على التعديلات الدستورية، حتى لا يترك الأمر للاجتهاد القضائي أو للتوازنات السياسية المتغيرة.
الفصل الثالث : متطلبات بناء المحكمة الدستورية العليا في المرحلة الانتقالية
المبحث الأول : متطلبات بناء محكمة دستورية مستقلة وفعالة
المطلب الأول : الضمانات الدستورية والقانونية لاستقلال المحكمة
لا يمثل استقلال المحكمة الدستورية امتيازاً ممنوحاً لأعضائها، وإنما يشكل ضمانةً دستورية لحماية مبدأ سمو الدستور وسيادة القانون. فالمحكمة لا تستطيع أن تضطلع بدورها في الرقابة على دستورية القوانين، أو الفصل في المنازعات الدستورية، أو حماية الحقوق والحريات، إذا كانت عرضةً لتأثير السلطة التي تخضع أعمالها لرقابتها. ومن ثم، فإن استقلال المحكمة ليس غايةً في ذاته، بل وسيلة لضمان حيادها وموضوعيتها وثقة المجتمع بأحكامها[57].
وقد استقر الفقه الدستوري المقارن على أن استقلال المحكمة الدستورية لا يتحقق بمجرد النص عليه في الدستور أو القانون، وإنما يتطلب منظومةً متكاملة من الضمانات المؤسسية والشخصية والمالية والإجرائية. فكلما كانت هذه الضمانات أكثر وضوحاً، ازدادت قدرة المحكمة على أداء وظيفتها بعيداً عن الضغوط السياسية أو الإدارية، والعكس صحيح.
وتكتسب هذه الضمانات أهميةً استثنائية في المراحل الانتقالية، لأن المحكمة قد تجد نفسها أمام نزاعات تمس السلطات التي شاركت في إنشائها أو أسهمت في اختيار أعضائها. وهنا يصبح استقلال المحكمة شرطاً لشرعية أحكامها، وليس مجرد مسألة تنظيمية. فلا يكفي أن تكون المحكمة مستقلةً في الواقع، بل يجب أن تبدو كذلك في نظر المتقاضين والرأي العام، لأن الثقة بالقضاء الدستوري تمثل أحد مقومات استقرار النظام الدستوري ذاته.
أولاً: استقلال تشكيل المحكمة
يمثل أسلوب تشكيل المحكمة الدستورية نقطة الانطلاق في بناء استقلالها. فإذا احتكرت سلطة واحدة تعيين جميع الأعضاء، أثيرت الشكوك حول قدرة المحكمة على ممارسة رقابتها على أعمال تلك السلطة، حتى وإن لم يقع تدخل فعلي في عملها. ولهذا اتجهت غالبية الدساتير المقارنة إلى توزيع سلطة التعيين بين أكثر من جهة، بما يحقق قدراً من التوازن ويحد من هيمنة أي سلطة منفردة[58].
ولا يعني توزيع سلطة التعيين بالضرورة ضمان الاستقلال بصورة تلقائية، لأن هذا الهدف يتوقف أيضاً على طبيعة الجهات المشاركة، ومعايير الاختيار، وشفافية الإجراءات. فقد يؤدي تعدد جهات التعيين إلى توزيع النفوذ السياسي بدلاً من الحد منه إذا غابت المعايير الموضوعية لاختيار الأعضاء.
ويرى الباحث أن المعيار الحاسم لا يتمثل في عدد الجهات التي تشارك في التعيين، وإنما في قدرتها على تحقيق التوازن المؤسسي ومنع احتكار تشكيل المحكمة. ولذلك ينبغي أن يقوم التنظيم المستقبلي للمحكمة الدستورية السورية على توزيع سلطة الاختيار بين السلطات الدستورية المختلفة، مع اعتماد معايير موضوعية للكفاءة والخبرة القانونية، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الحزبية.
ثانياً: الضمانات الشخصية لأعضاء المحكمة
لا يكتمل استقلال المحكمة باستقلال المؤسسة، وإنما يتطلب كذلك توفير ضمانات شخصية لأعضائها تحول دون التأثير في إرادتهم أثناء مباشرة وظائفهم. وتشمل هذه الضمانات تحديد مدة ولاية مستقرة، وعدم جواز العزل إلا في حالات استثنائية يحددها القانون، والحصانة الوظيفية فيما يتعلق بالآراء القانونية التي يبدونها أثناء أداء مهامهم.
وتكمن أهمية هذه الضمانات في أنها تحرر القاضي الدستوري من الخشية من فقدان منصبه بسبب حكم أصدره أو اجتهاد تبناه. فالقاضي الذي يخشى العزل أو عدم تجديد ولايته قد يميل، ولو بصورة غير واعية، إلى تجنب الأحكام التي قد تثير استياء السلطة المختصة بتعيينه.
ولا يعني ذلك أن أعضاء المحكمة يجب أن يتمتعوا بحصانة مطلقة، بل ينبغي أن تقترن هذه الضمانات بآليات واضحة للمساءلة في حالات الإخلال الجسيم بالواجبات أو فقدان شروط العضوية، على أن تخضع هذه الإجراءات لضمانات تكفل عدم استخدامها وسيلةً للضغط على المحكمة.
ثالثاً: الاستقلال المالي والإداري
لا يقتصر استقلال المحكمة على الجوانب القضائية، بل يمتد إلى استقلالها المالي والإداري. فالمحكمة التي تعتمد في تسيير أعمالها اليومية على جهة تنفيذية قد تتعرض لضغوط غير مباشرة تمس قدرتها على أداء وظيفتها.
ولهذا اتجهت العديد من الأنظمة الدستورية إلى منح المحاكم الدستورية موازنةً مستقلة، وإدارةً خاصةً بها، وسلطة تنظيم شؤونها الإدارية والوظيفية، بما يضمن عدم تدخل أي سلطة أخرى في تسيير أعمالها الداخلية.
ويرى الباحث أن الاستقلال المالي لا ينبغي النظر إليه باعتباره امتيازاً مؤسسياً، وإنما يعد ضمانةً لاستقلال الوظيفة القضائية ذاتها. ولذلك ينبغي أن يتمتع رئيس المحكمة، أو الهيئة المختصة داخلها، بسلطات إدارة الموازنة والشؤون الإدارية وفق ضوابط القانون، بعيداً عن أي تبعية تنفيذية مباشرة.
رابعاً: ضمانات الحياد والنزاهة
إلى جانب الاستقلال، يمثل الحياد أحد الأسس الجوهرية لشرعية القضاء الدستوري. فالاستقلال يتعلق بعلاقة المحكمة بالسلطات العامة، أما الحياد فيتعلق بعلاقة القاضي الدستوري بالنزاع المعروض عليه.
ولهذا ينبغي أن يتضمن القانون المنظم للمحكمة قواعد واضحة بشأن رد أعضاء المحكمة وتنحيهم عند وجود مصلحة شخصية أو علاقة قد تثير شكاً مشروعاً في حيادهم. كما ينبغي أن يحدد حالات عدم جواز مشاركة العضو في نظر الدعوى إذا كان قد أسهم في إعداد النص المطعون فيه، أو أبدى رأياً قانونياً حاسماً فيه قبل توليه عضوية المحكمة، متى كان ذلك من شأنه أن يمس الثقة بموضوعية الحكم.
ولا يقصد بهذه الضوابط التشكيك في نزاهة القضاة، وإنما حماية المحكمة ذاتها من أي شبهة قد تؤثر في مكانتها أو في قبول أحكامها.
خامساً: الاستقلال في مواجهة الرأي العام والسلطة السياسية
لا تقتصر الضغوط التي قد تواجه المحكمة على التدخلات الرسمية، بل قد تتمثل أيضاً في الضغوط الإعلامية أو الشعبية أو السياسية التي ترافق القضايا ذات الحساسية العالية، ولا سيما خلال المراحل الانتقالية[59].
ومن ثم، فإن استقلال المحكمة يقتضي أن تصدر أحكامها استناداً إلى الدستور والقانون وحدهما، دون التأثر بالمواقف السياسية أو الضغوط المجتمعية أو الاعتبارات الآنية. وفي المقابل، ينبغي أن تحرص المحكمة على تسبيب أحكامها بصورة دقيقة وواضحة، لأن قوة القضاء الدستوري لا تقوم على السلطة، وإنما على قوة الحجة القانونية التي يقدمها.
ويرى الباحث أن أفضل وسيلة لحماية المحكمة من الضغوط ليست عزلها عن المجتمع، وإنما تعزيز ثقة المجتمع بها من خلال جودة الأحكام، ووضوح التسبيب، ونشر الاجتهادات، والالتزام بالشفافية في الإجراءات، لأن المحكمة التي تكسب احترام الرأي العام بقوة منطقها تكون أقل عرضةً للتأثير الخارجي.
التقييم النقدي
تكشف التجارب الدستورية المقارنة أن استقلال المحكمة الدستورية لا يتحقق بضمانة واحدة، وإنما بمنظومة متكاملة من الضمانات المؤسسية والشخصية والإجرائية. كما يتبين أن الخلل في أحد هذه العناصر قد ينعكس على فاعلية الرقابة الدستورية، حتى لو كانت بقية الضمانات قائمة.
ويرى الباحث أن التحدي الحقيقي في الحالة السورية لا يكمن في النص على استقلال المحكمة، وإنما في بناء نظام قانوني يجعل هذا الاستقلال قابلاً للممارسة العملية. ولذلك ينبغي أن يركز القانون المنتظر على وضع ضمانات واضحة لتشكيل المحكمة، ومدد العضوية، والعزل، والحياد، والاستقلال المالي والإداري، أكثر من تركيزه على التفاصيل الإجرائية البحتة. فالقضاء الدستوري لا يستمد قوته من اتساع اختصاصاته، بل من استقلال المؤسسة التي تمارس هذه الاختصاصات.
المطلب الثاني : متطلبات التنظيم التشريعي لعمل المحكمة
لا يكفي النص في الإعلان الدستوري على إنشاء المحكمة الدستورية العليا وتحديد اختصاصاتها بصورة عامة، لأن فعالية المحكمة تتوقف إلى حد كبير على جودة القانون المنظم لها. فالقانون لا يقتصر دوره على بيان الإجراءات الشكلية لسير الدعوى الدستورية، وإنما يشكل الإطار الذي يترجم المبادئ الدستورية إلى قواعد عملية تضمن حسن سير العدالة الدستورية واستقلالها. ومن ثم، فإن جودة التنظيم التشريعي تعد أحد أهم مقاييس نجاح أي نظام للقضاء الدستوري[60].
ولا ينبغي أن ينظر إلى القانون المنظم للمحكمة بوصفه قانوناً إجرائياً محضاً، بل باعتباره قانوناً ذا طبيعة دستورية، لأنه ينظم مؤسسة دستورية ويحدد كيفية ممارستها لاختصاصاتها. ولهذا السبب اتجهت العديد من الدساتير المقارنة إلى اشتراط صدور هذا القانون في صورة قانون عضوي أو قانون ذي طبيعة خاصة، ضماناً لاستقراره وعدم تعديله بسهولة تبعاً لتغير الأغلبية السياسية[61].
وتزداد أهمية هذا التنظيم في المرحلة الانتقالية، لأن المحكمة ستكون مطالبةً بالفصل في منازعات ذات حساسية سياسية ودستورية عالية، الأمر الذي يقتضي وجود قواعد واضحة ومستقرة، تمنع تضارب الإجراءات أو اختلاف تفسيرها، وتحول دون استعمال الوسائل الإجرائية لتعطيل عمل المحكمة أو التأثير في استقلالها.
أولاً: تنظيم طرق الاتصال بالمحكمة
تعد طرق الاتصال بالمحكمة الدستورية من أهم عناصر التنظيم التشريعي، لأنها تحدد من يملك الوصول إلى القضاء الدستوري، وفي أي الحالات، وبأي إجراءات. وقد أثبتت التجارب المقارنة أن قيمة الرقابة الدستورية لا تقاس باتساع اختصاص المحكمة وحده، وإنما بسهولة الوصول إليها ضمن ضوابط تمنع التعسف[62].
ولذلك ينبغي أن يحدد القانون بصورة دقيقة الجهات التي تملك تحريك الدعوى الدستورية، سواء بطريق الطعن المباشر، أو الإحالة من المحاكم، أو الدفع بعدم الدستورية، مع بيان شروط قبول كل طريق وآثاره الإجرائية. كما ينبغي أن يتجنب المشرع الإفراط في تقييد الوصول إلى المحكمة، لأن تضييق وسائل الاتصال قد يؤدي عملياً إلى تعطيل الرقابة الدستورية رغم وجودها من الناحية النظرية.
ويرى الباحث أن أفضل تنظيم هو الذي يحقق التوازن بين أمرين متعارضين ظاهرياً: ضمان وصول المسائل الدستورية الجدية إلى المحكمة، ومنع استغلال الدعوى الدستورية لإطالة أمد الخصومات أو تعطيل تنفيذ القوانين.
ثانياً: تنظيم إجراءات الخصومة الدستورية
تتميز الخصومة الدستورية بطبيعة تختلف عن الخصومة المدنية أو الجزائية أو الإدارية، لأنها لا تهدف إلى حماية مصلحة فردية فحسب، وإنما إلى حماية المشروعية الدستورية ذاتها. ولذلك ينبغي أن يضع القانون إجراءات تتلاءم مع هذه الطبيعة الخاصة.
ويجب أن ينظم القانون شكل صحيفة الدعوى، وآجال تقديمها، ووسائل تبادل المذكرات، وحق الجهات المعنية في تقديم ملاحظاتها، وآلية تدخل السلطات العامة عند الاقتضاء، ومواعيد الفصل في الدعوى، مع مراعاة التوازن بين سرعة الفصل وضمان حقوق الدفاع.
كما ينبغي أن يحدد القانون الحالات التي يجوز فيها للمحكمة الفصل من دون مرافعة، والحالات التي تستوجب عقد جلسة علنية، لأن العلنية تمثل ضمانة للشفافية، في حين قد تقتضي بعض المنازعات ذات الطبيعة الدستورية البحتة الاكتفاء بالمذكرات المكتوبة[63].
ثالثاً: تسبيب الأحكام الدستورية
لا تكمن أهمية الحكم الدستوري في منطوقه وحده، وإنما في الأسباب التي بني عليها. فالأسباب هي التي تحدد القاعدة الدستورية الواجبة التطبيق، وترسم حدود الاجتهاد المستقبلي، وتمكن الفقه والمحاكم والسلطات العامة من فهم الأساس الذي اعتمدته المحكمة.
ولهذا ينبغي أن يفرض القانون التزام المحكمة بتسبيب جميع أحكامها وقراراتها الجوهرية، وأن يكون التسبيب كافياً وواضحاً ومبنياً على تحليل النصوص والمبادئ الدستورية، لا على عبارات عامة أو نتائج مجردة.
ويرى الباحث أن جودة التسبيب تعد أهم ضمانة لشرعية القضاء الدستوري؛ فالمحكمة لا تستمد قوتها من سلطتها في الإلغاء، وإنما من قوة الحجة القانونية التي تقنع بها المجتمع والسلطات بصحة النتيجة التي انتهت إليها.
رابعاً: نشر الأحكام والاجتهادات
لا يؤدي القضاء الدستوري دوره الكامل إذا بقيت أحكامه غير متاحة للباحثين والمحاكم والسلطات العامة. فاستقرار الاجتهاد الدستوري يفترض إمكان الاطلاع على الأحكام السابقة، وتحليل تطورها، والاحتجاج بها في المنازعات اللاحقة.
ولهذا ينبغي أن يلزم القانون بنشر جميع الأحكام والقرارات الدستورية، مع أسبابها كاملةً، في الجريدة الرسمية، وأن تعمل المحكمة على إصدار مجموعة دورية لاجتهاداتها، وإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية تتيح الوصول إليها بسهولة.
ولا يحقق النشر الشفافية فحسب، بل يسهم أيضاً في توحيد تفسير النصوص الدستورية، ويعزز الأمن القانوني، وييسر عمل القضاة والمحامين والباحثين.
خامساً: تنفيذ أحكام المحكمة
لا تكتمل فعالية القضاء الدستوري بمجرد صدور الحكم، بل تتوقف على احترامه وتنفيذه. ولذلك ينبغي أن يتضمن القانون قواعد واضحة تبين أثر الأحكام، والجهات الملزمة بتنفيذها، والآثار المترتبة على الامتناع عن التنفيذ[64].
ويجب أن يكون الأصل هو التزام جميع سلطات الدولة بأحكام المحكمة فور صدورها، لأن حجية الحكم الدستوري لا تستند إلى سلطة المحكمة وحدها، وإنما إلى مبدأ سمو الدستور ذاته. كما ينبغي أن يحدد القانون الوسائل الكفيلة بإزالة آثار النصوص التي يقضى بعدم دستوريتها، مع مراعاة مقتضيات الأمن القانوني وحماية المراكز القانونية المستقرة.
ويرى الباحث أن من أهم متطلبات القانون المنتظر النص صراحةً على أن أحكام المحكمة الدستورية العليا ملزمة لجميع سلطات الدولة، وأن الامتناع عن تنفيذها يشكل مخالفةً دستورية تمس مبدأ سيادة القانون، لأن القضاء الدستوري يفقد قيمته إذا بقيت أحكامه مجرد إعلان نظري بعدم الدستورية.
سادساً: الأمن القانوني واستقرار الاجتهاد
يمثل الأمن القانوني أحد المبادئ التي ينبغي أن يراعيها القانون المنظم للمحكمة. فاستقرار الاجتهاد لا يعني جمود المحكمة، وإنما يعني ألا تعدل عن مبادئها إلا لأسباب قانونية واضحة تبرر هذا العدول.
كما ينبغي أن تكون أسباب العدول عن الاجتهاد السابق صريحةً في الحكم، حتى يتسنى للفقه والمحاكم فهم التطور الذي طرأ على تفسير النصوص الدستورية. فالتقلب غير المبرر في الاجتهاد قد يؤدي إلى زعزعة الثقة بالمحكمة وإضعاف اليقين القانوني.
ويرى الباحث أن تطوير الاجتهاد الدستوري أمر طبيعي، بل قد يكون ضرورياً لمواكبة تطور المجتمع، إلا أن هذا التطوير يجب أن يتم في إطار من الاستقرار والوضوح، حتى لا يتحول القضاء الدستوري إلى مصدر لعدم اليقين القانوني.
التقييم النقدي
يتبين من التحليل السابق أن نجاح المحكمة الدستورية لا يرتبط باتساع اختصاصاتها بقدر ارتباطه بجودة القانون الذي ينظم عملها. فالقانون هو الذي يحدد كيفية ممارسة هذه الاختصاصات، ويضع الضمانات الإجرائية اللازمة لتحقيق التوازن بين سرعة الفصل، وحماية الحقوق، واستقرار النظام الدستوري.
ويرى الباحث أن القانون المنتظر للمحكمة الدستورية العليا ينبغي ألا يقتصر على معالجة الجوانب الإجرائية التقليدية، وإنما يجب أن يؤسس لثقافة دستورية حديثة، تقوم على الشفافية، والتسبيب، واستقرار الاجتهاد، وسهولة الوصول إلى القضاء الدستوري، والالتزام الفعلي بتنفيذ الأحكام. فهذه العناصر مجتمعةً هي التي تمنح المحكمة مكانتها بوصفها الضامن الأعلى لسمو الإعلان الدستوري، وتكفل تحولها من مؤسسة دستورية منشأة بالنص إلى مؤسسة فاعلة في حماية الشرعية الدستورية.
المطلب الثالث : متطلبات النظام الداخلي للمحكمة واجتهادها القضائي
لا يقتصر نجاح المحكمة الدستورية العليا على جودة الإعلان الدستوري أو القانون المنظم لها، وإنما يتوقف كذلك على النظام الداخلي الذي يحكم سير عملها اليومي. فالقانون يحدد الاختصاصات والضمانات العامة، أما النظام الداخلي فينظم كيفية ممارسة هذه الاختصاصات عملياً، ويبين قواعد انعقاد الجلسات، وإدارة المداولات، وإعداد الأحكام، وتنظيم العمل الإداري داخل المحكمة. ومن ثم، فإن النظام الداخلي لا يعد مجرد لائحة إدارية، وإنما يمثل إحدى الأدوات الأساسية لضمان حسن سير العدالة الدستورية[65].
وتزداد أهمية النظام الداخلي في المراحل الانتقالية، لأن المحكمة تكون بصدد بناء تقاليدها القضائية للمرة الأولى، فيغدو النظام الداخلي مرجعاً لتنظيم العمل المؤسسي وتوحيد الإجراءات ومنع تضارب الممارسات بين تشكيلات المحكمة المختلفة. ولهذا السبب، تحرص العديد من المحاكم الدستورية المقارنة على أن يتضمن نظامها الداخلي قواعد دقيقة تكفل انتظام العمل واستقلاله، مع ترك مساحة كافية للمحكمة لتطوير ممارساتها القضائية وفقاً لما يقتضيه التطبيق العملي.
أولاً: تنظيم المداولات وإصدار الأحكام
تعد المداولة القضائية من أهم الضمانات التي تكفل استقلال القاضي الدستوري، لأنها تتيح لأعضاء المحكمة مناقشة النزاع بحرية بعيداً عن أي تأثير خارجي. ولهذا ينبغي أن يحدد النظام الداخلي قواعد واضحة تتعلق بطريقة انعقاد المداولات، والنصاب اللازم لصحتها، وآلية التصويت، وحالات تعادل الأصوات، والمحافظة على سريتها.
كما ينبغي أن ينظم النظام الداخلي إجراءات إعداد مشروع الحكم، والجهة التي تتولى صياغته، وآلية مناقشته واعتماده قبل النطق به، لأن وضوح هذه الإجراءات يسهم في تعزيز استقرار العمل القضائي ويحد من الخلافات الداخلية التي قد تؤثر في جودة الأحكام.
ويرى الباحث أن سرية المداولات يجب أن تبقى من المبادئ الأساسية التي لا يجوز الإخلال بها، لأنها تمثل ضمانة لاستقلال الرأي القضائي، وتمكن أعضاء المحكمة من التعبير عن آرائهم القانونية بحرية كاملة، بعيداً عن أي ضغوط سياسية أو إعلامية.
ثانياً: تنظيم العمل القضائي والإداري
لا يمكن للمحكمة أن تؤدي وظيفتها بكفاءة إذا غابت قواعد واضحة لتوزيع العمل بين أعضائها والأجهزة الإدارية التابعة لها. ولذلك ينبغي أن يحدد النظام الداخلي آلية قيد الدعاوى، وتوزيعها، وإعداد الملفات، وإدارة الجلسات، وحفظ الوثائق، وتنظيم أعمال الأمانة العامة.
كما ينبغي أن ينظم العلاقة بين رئيس المحكمة وأعضائها، بما يحقق حسن الإدارة من جهة، ويحافظ على المساواة بين القضاة من جهة أخرى. فلا يجوز أن تتحول الصلاحيات الإدارية إلى وسيلة للتأثير في استقلال القاضي أو في توزيع القضايا وفق اعتبارات غير موضوعية[66].
ثالثاً: نشر الاجتهاد الدستوري
لا تقتصر قيمة أحكام المحكمة الدستورية على الفصل في النزاع المعروض عليها، وإنما تمتد إلى تكوين اجتهاد دستوري تسترشد به المحاكم والسلطات العامة والباحثون. ولهذا ينبغي أن يضع النظام الداخلي قواعد واضحة لنشر الأحكام والقرارات، وتصنيفها، وإتاحتها بصورة يسهل الرجوع إليها.
ولا يكفي نشر منطوق الحكم وحده، بل ينبغي نشر أسبابه كاملةً، لأنها تمثل المصدر الحقيقي للقاعدة الدستورية التي تقررها المحكمة. كما يستحسن إعداد مجموعات دورية للاجتهاد القضائي، وفهارس موضوعية تسهل تتبع تطور المبادئ الدستورية.
ويرى الباحث أن نشر الاجتهادات بصورة منتظمة يعد من أهم وسائل ترسيخ الأمن القانوني، لأنه يحقق وحدة تفسير الإعلان الدستوري، ويحد من تضارب التطبيقات القضائية، ويعزز ثقة المجتمع بعمل المحكمة.
رابعاً: الشفافية والانفتاح المؤسسي
لا يتعارض استقلال المحكمة مع انفتاحها على المجتمع القانوني، بل إن الشفافية تعد أحد عناصر شرعيتها. ولذلك ينبغي أن يتضمن النظام الداخلي قواعد تكفل نشر جدول الجلسات، وإتاحة الأحكام، وإصدار تقارير سنوية تبين نشاط المحكمة، وعدد الدعاوى، وأهم المبادئ التي أرستها.
ولا يقصد بذلك إخضاع المحكمة للرأي العام، وإنما تعزيز الثقة بعملها من خلال إظهار منهجها القضائي واحترامها لمبادئ العدالة والحياد.
خامساً: تطوير الاجتهاد القضائي
لا يعرف القضاء الدستوري الجمود، لأن تطور المجتمع يفرض على المحكمة إعادة النظر في بعض اجتهاداتها متى اقتضت الضرورة ذلك. غير أن هذا التطور يجب أن يتم في إطار من الاستقرار، بحيث يكون العدول عن الاجتهاد السابق استثناءً تبرره أسباب قانونية ودستورية واضحة.
ولهذا ينبغي أن يبين النظام الداخلي، أو تستقر المحكمة في ممارستها القضائية، على قواعد تحدد كيفية العدول عن المبادئ السابقة، مع إلزام المحكمة ببيان أسباب هذا العدول بصورة صريحة، حفاظاً على الأمن القانوني واستقرار المعاملات[67].
ويرى الباحث أن قيمة الاجتهاد الدستوري لا تقاس بعدد الأحكام الصادرة، وإنما بقدرته على بناء مبادئ مستقرة وقابلة للتطور في آن واحد. فالقضاء الدستوري الناجح هو الذي يجمع بين الاستقرار والمرونة، دون أن يضحي بأحدهما على حساب الآخر.
سادساً: خصوصية النظام الداخلي في المرحلة الانتقالية
تفرض المرحلة الانتقالية على المحكمة أن تعتمد نظاماً داخلياً يتسم بالمرونة والانضباط في الوقت نفسه. فالمرونة ضرورية لمواجهة المنازعات الجديدة التي قد لا تكون القواعد التقليدية كافية لتنظيمها، أما الانضباط فيحول دون تحول هذه المرونة إلى مصدر لاختلاف الإجراءات أو المساس بمبدأ المساواة بين الخصوم.
ومن ثم، ينبغي أن يكون النظام الداخلي قابلاً للتطوير كلما كشفت الممارسة العملية عن الحاجة إلى تعديل بعض أحكامه، شريطة أن يتم ذلك بقرارات مؤسسية معلنة، لا بممارسات غير مكتوبة تختلف باختلاف تشكيل المحكمة أو تغير أعضائها.
ويرى الباحث أن نجاح المحكمة الدستورية السورية لن يعتمد على جودة قانونها المنظم فحسب، بل سيتوقف أيضاً على جودة نظامها الداخلي، لأن هذا النظام هو الذي سيحول المبادئ الدستورية والقانونية إلى ممارسة قضائية يومية. وكلما كان النظام الداخلي أكثر دقة ووضوحاً، ازدادت قدرة المحكمة على بناء اجتهاد دستوري مستقر يرسخ الثقة بالقضاء الدستوري في مرحلة تحتاج فيها الدولة إلى مؤسسات قوية أكثر من حاجتها إلى نصوص مجردة.
التقييم النقدي
يكشف التحليل أن النظام الداخلي ليس مجرد أداة لتنظيم العمل الإداري، بل يمثل جزءاً من الضمانات المؤسسية لاستقلال المحكمة وفاعلية أدائها. فالقواعد التي تنظم المداولات، وإعداد الأحكام، ونشر الاجتهادات، وإدارة العمل القضائي، تؤثر بصورة مباشرة في جودة القضاء الدستوري وفي الثقة التي يحظى بها.
ويرى الباحث أن المشرع، عند إصداره القانون المنظم للمحكمة، ينبغي أن يترك للمحكمة مساحة مناسبة لوضع نظامها الداخلي بنفسها، لأن استقلال المؤسسة لا يكتمل إذا بقيت قواعد عملها اليومية خاضعة لتنظيم السلطة التنفيذية أو لأي جهة خارجها. كما ينبغي أن ينظر إلى النظام الداخلي باعتباره وثيقةً قابلة للتطوير مع تطور التجربة القضائية، لا مجموعة جامدة من الإجراءات، حتى يتمكن القضاء الدستوري السوري من بناء تقاليد مؤسسية راسخة تواكب تطور النظام الدستوري خلال المرحلة الانتقالية وما بعدها.
المبحث الثاني : المحكمة الدستورية العليا بوصفها إحدى مؤسسات المرحلة الانتقالية
المطلب الأول : المحكمة الدستورية العليا وضمان استمرارية الشرعية الدستورية
تمثل المرحلة الانتقالية في الأنظمة الدستورية إحدى أكثر المراحل حساسيةً في حياة الدولة، لأنها تشهد انتقالاً من نظام دستوري إلى آخر، أو من شرعية سياسية إلى شرعية دستورية جديدة. وخلال هذه المرحلة تزداد احتمالات تضارب الاختصاصات، وتعدد مصادر السلطة، وصدور تشريعات وإجراءات استثنائية تفرضها متطلبات إعادة بناء مؤسسات الدولة. ولذلك لا يكفي وجود إعلان دستوري ينظم المرحلة الانتقالية، بل يصبح من الضروري وجود مؤسسة دستورية مستقلة تتولى ضمان احترام هذا الإعلان وصون سموه، حتى لا تتحول المرحلة الانتقالية إلى مرحلة فراغ دستوري أو إلى مجال تتوسع فيه السلطات العامة خارج حدود المشروعية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب المحكمة الدستورية العليا أهمية تختلف عن تلك التي تتمتع بها في الظروف الدستورية المستقرة. ففي الدولة المستقرة تمارس المحكمة رقابتها على دستورية القوانين في ظل مؤسسات قائمة واختصاصات مستقرة، أما في المرحلة الانتقالية فإنها تضطلع، إضافةً إلى وظيفتها القضائية التقليدية، بمهمة حماية الشرعية الدستورية ذاتها، بما تفرضه هذه المهمة من المحافظة على التوازن بين ضرورات الانتقال ومتطلبات احترام الدستور. ولهذا أصبحت المحاكم الدستورية في العديد من التجارب المقارنة إحدى الأدوات الرئيسة لضمان نجاح الانتقال الدستوري ومنع الانحراف به عن أهدافه الأصلية[68].
ولا يقصد بالشرعية الدستورية في المرحلة الانتقالية مجرد الالتزام الشكلي بأحكام الإعلان الدستوري، وإنما يقصد بها خضوع جميع السلطات العامة للقواعد التي تنظم المرحلة الانتقالية، والتزامها بالحدود التي رسمتها الوثيقة الدستورية المؤقتة. فالسلطات الانتقالية، مهما اتسعت اختصاصاتها، لا تستمد مشروعيتها من الضرورات السياسية وحدها، وإنما من النصوص الدستورية التي منحتها هذه الاختصاصات وحددت نطاقها. ومن ثم، فإن أي خروج على هذه الحدود لا يعد مجرد مخالفة قانونية، بل يمثل مساساً بالمشروعية الدستورية التي تقوم عليها المرحلة الانتقالية بأكملها.
ويبرز دور المحكمة الدستورية في هذا السياق بوصفها الجهة التي تتولى الرقابة على مدى التزام السلطات الانتقالية بأحكام الإعلان الدستوري، بما يضمن عدم تحول الظروف الاستثنائية إلى مبرر دائم لتجاوز الحدود الدستورية. فالتجارب الدستورية المقارنة أثبتت أن معظم الإخلالات التي شهدتها المراحل الانتقالية لم تكن نتيجة غياب النصوص، وإنما نتيجة غياب المؤسسة القادرة على فرض احترامها[69] .
ولا يعني ذلك أن المحكمة تحل محل السلطات السياسية أو تشاركها في رسم السياسات العامة، وإنما يقتصر دورها على التحقق من بقاء هذه السياسات ضمن الإطار الذي رسمه الإعلان الدستوري. فالمحكمة لا تقيم الملاءمة السياسية للقرارات، وإنما تراقب مشروعيتها الدستورية، وهو تمييز جوهري يحول دون تحول القضاء الدستوري إلى سلطة سياسية، وفي الوقت ذاته يمنع السلطات الانتقالية من الانفراد بتفسير حدود اختصاصاتها.
ومن ناحية أخرى، تسهم المحكمة الدستورية في منع الفراغ الدستوري الذي قد ينشأ خلال المرحلة الانتقالية نتيجة غياب قواعد مستقرة لتنظيم العلاقة بين السلطات العامة أو نتيجة تعارض النصوص أو اختلاف تفسيرها. ففي مثل هذه الحالات، لا يقتصر دور المحكمة على الفصل في المنازعات الدستورية، وإنما يمتد إلى توحيد تفسير الإعلان الدستوري، وإزالة الغموض الذي قد يعتري بعض نصوصه، بما يحقق استقرار العمل الدستوري ويمنع تضارب الممارسات بين مؤسسات الدولة.
وتزداد أهمية هذه الوظيفة عندما تكون مؤسسات الدولة في طور إعادة التأسيس، لأن غياب المرجعية الدستورية القضائية قد يؤدي إلى تعدد التفسيرات الدستورية تبعاً لاختلاف الجهات التي تمارس السلطة. ولذلك فإن وجود محكمة دستورية مستقلة يسهم في توحيد المرجعية القانونية التي تستند إليها مؤسسات المرحلة الانتقالية، ويحول دون نشوء نزاعات دستورية قد تهدد استقرار النظام العام.
ويرى الباحث أن الوظيفة الأساسية للمحكمة الدستورية العليا خلال المرحلة الانتقالية لا تتمثل في الرقابة على دستورية القوانين فحسب، وإنما في حماية استمرارية الشرعية الدستورية ذاتها. فالمحكمة لا تراقب نصوصاً قانونية مجردة، وإنما تحمي الإطار الدستوري الذي تستمد منه جميع السلطات الانتقالية مشروعيتها. ومن ثم، فإن أي إضعاف لدور المحكمة أو الحد من استقلالها خلال هذه المرحلة لا ينعكس على القضاء الدستوري وحده، بل يمتد أثره إلى سلامة عملية الانتقال الدستوري برمتها.
ويؤكد الفقه الدستوري المقارن أن الانتقال الدستوري الناجح لا يتحقق بمجرد إصدار إعلان دستوري أو وضع جدول زمني لإعداد الدستور الجديد، وإنما يتطلب وجود مؤسسات دستورية قادرة على ضمان احترام قواعد المرحلة الانتقالية إلى حين اكتمال بناء النظام الدستوري الدائم. وفي مقدمة هذه المؤسسات تأتي المحكمة الدستورية، لأنها تمثل المرجع النهائي في تفسير الوثيقة الدستورية، والفصل في المنازعات المتعلقة بها، وضمان خضوع جميع السلطات العامة لأحكامها[70].
ومن ثم، فإن المحكمة الدستورية العليا لا تمارس خلال المرحلة الانتقالية وظيفةً قضائيةً فحسب، وإنما تؤدي وظيفةً دستوريةً ذات طبيعة تأسيسية، لأنها تسهم في تثبيت قواعد النظام الدستوري الجديد منذ نشأته، وتمنع الانحراف عن أهداف المرحلة الانتقالية، وتوفر الضمانة القانونية لاستمرار المشروعية الدستورية إلى حين إقرار الدستور الدائم ودخول مؤسساته حيز التطبيق.
التقييم النقدي
تكشف التجارب الدستورية المقارنة أن نجاح المرحلة الانتقالية لا يرتبط فقط بوجود سلطة سياسية قادرة على إدارة التحول، وإنما بوجود مؤسسات دستورية مستقلة تضبط هذا التحول في إطار المشروعية الدستورية. ولذلك فإن المحكمة الدستورية لا تمثل خلال المرحلة الانتقالية مجرد هيئة للفصل في المنازعات الدستورية، بل تعد إحدى الضمانات المؤسسية لاستمرار الدولة القانونية ومنع تحول السلطة الانتقالية إلى سلطة مطلقة.
ويرى الباحث أن أهمية المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية لا ينبغي أن تقاس باتساع اختصاصاتها أو بعدد الدعاوى التي تنظرها، وإنما بقدرتها على حماية الشرعية الدستورية خلال المرحلة الانتقالية، وضمان خضوع جميع السلطات العامة لأحكام الإعلان الدستوري، بما يمهد للانتقال الآمن إلى النظام الدستوري الدائم، ويحول دون أن تتحول مقتضيات الضرورة السياسية إلى أساس دائم لممارسة السلطة.
المطلب الثاني : دور المحكمة الدستورية العليا في ضبط عمل السلطات الانتقالية
تتميز المرحلة الانتقالية في الدولة السورية بخصوصية دستورية تجعلها تختلف عن المراحل الانتقالية التقليدية التي عرفتها بعض الدول بعد تعديل دساتيرها أو انتقال السلطة فيها بصورة سلمية. فالانتقال الدستوري في سوريا لا يتمثل في مجرد انتقال من حكومة إلى أخرى، وإنما في إعادة تأسيس الشرعية الدستورية للدولة بعد انهيار النظام السياسي السابق، وظهور سلطات انتقالية تتولى إدارة شؤون البلاد استناداً إلى الإعلان الدستوري بوصفه الوثيقة الناظمة للمرحلة الانتقالية. ويترتب على ذلك أن جميع السلطات القائمة خلال هذه المرحلة تستمد مشروعيتها من الإعلان الدستوري، لا من دستور دائم مستقر، الأمر الذي يجعل من احترام أحكام الإعلان الدستوري شرطاً لازماً لاستمرار شرعية هذه السلطات نفسها.
وفي هذا السياق، لا يقتصر دور المحكمة الدستورية العليا على مراقبة دستورية التشريعات، وإنما يمتد إلى ضمان التزام السلطات الانتقالية بالحدود التي رسمها الإعلان الدستوري لاختصاص كل منها. فالمرحلة الانتقالية بطبيعتها تمنح السلطات العامة صلاحيات واسعة لمواجهة تحديات إعادة بناء الدولة، إلا أن اتساع هذه الصلاحيات لا يعني إطلاقها من كل قيد، لأن الاستثناء لا يجوز أن يتحول إلى أصل، كما أن مقتضيات الضرورة لا تصلح بذاتها مصدراً دائماً للشرعية الدستورية. ومن هنا تبرز المحكمة الدستورية باعتبارها الجهة التي تكفل بقاء ممارسة السلطة ضمن الإطار الذي حدده الإعلان الدستوري، وتحول دون تحول السلطة الانتقالية إلى سلطة غير خاضعة للرقابة[71].
وتزداد أهمية هذه الرقابة في الحالة السورية بسبب تعقيد البيئة الدستورية والسياسية التي تعمل فيها مؤسسات المرحلة الانتقالية. فالدولة تواجه في الوقت ذاته تحديات إعادة بناء المؤسسات العامة، وإصلاح المنظومة التشريعية، واستعادة وحدة الإدارة العامة، ومعالجة آثار النزاع المسلح، والتحضير لمرحلة دستورية جديدة. وهذه الاعتبارات قد تدفع السلطات العامة إلى إصدار تشريعات أو اتخاذ تدابير استثنائية بدافع تحقيق الاستقرار أو تسريع عملية إعادة البناء. غير أن مشروعية هذه التدابير لا تقاس بغاياتها السياسية وحدها، وإنما بمدى توافقها مع أحكام الإعلان الدستوري والمبادئ الدستورية الحاكمة للمرحلة الانتقالية.
ومن ثم، فإن المحكمة الدستورية العليا لا تقف في مواجهة السلطات الانتقالية، كما لا تمثل قيداً على قدرتها في إدارة شؤون الدولة، وإنما تؤدي وظيفة مختلفة تتمثل في إضفاء المشروعية الدستورية على ممارسة السلطة. فالقرار الذي يصدر عن سلطة انتقالية وفق الحدود التي رسمها الإعلان الدستوري يكتسب شرعية قانونية تعزز الثقة بالمؤسسات العامة، في حين أن تجاوز هذه الحدود، مهما كانت مبرراته السياسية، يؤدي إلى إضعاف الشرعية الدستورية التي تستند إليها المرحلة الانتقالية بأكملها.
ولا تقتصر هذه الوظيفة على الرقابة اللاحقة بعد وقوع المخالفة، بل تمتد إلى بناء حالة من الانضباط الدستوري داخل مؤسسات الدولة. فمجرد وجود محكمة دستورية مستقلة وقادرة على ممارسة اختصاصها بكفاءة يدفع السلطات العامة إلى مراعاة أحكام الإعلان الدستوري عند إعداد التشريعات أو إصدار القرارات ذات الطبيعة الدستورية، الأمر الذي يجعل الرقابة الدستورية تؤدي وظيفة وقائية إلى جانب وظيفتها العلاجية.
ومن ناحية أخرى، قد تنشأ خلال المرحلة الانتقالية منازعات دستورية لا تتعلق بمخالفة قانون للدستور، وإنما بتداخل الاختصاصات بين السلطات الانتقالية، أو باختلاف تفسير بعض أحكام الإعلان الدستوري، أو بالنزاع حول مدى مشروعية بعض التدابير الاستثنائية. وفي مثل هذه الحالات، تؤدي المحكمة الدستورية دوراً يتجاوز الرقابة على النصوص إلى تنظيم العلاقة الدستورية بين مؤسسات المرحلة الانتقالية، بما يحول دون تحول الخلافات السياسية إلى أزمات دستورية تهدد استقرار الدولة.
وتبرز هذه الوظيفة بصورة أوضح في الدول الخارجة من النزاعات، حيث تكون الثقة بين المؤسسات لا تزال في طور التشكل، وتكون الحدود الفاصلة بين الاختصاصات أقل وضوحاً من الأنظمة الدستورية المستقرة. ولذلك، فإن المحكمة الدستورية لا تعمل بوصفها حكماً بين السلطات فحسب، وإنما بوصفها مؤسسة تبني قواعد التعامل الدستوري بين هذه السلطات من خلال اجتهاداتها، وهو ما يسهم تدريجياً في ترسيخ تقاليد دستورية مستقرة تتجاوز نصوص الإعلان الدستوري نفسها.
ويرى الباحث أن إحدى أهم الوظائف التي ينبغي أن تضطلع بها المحكمة الدستورية العليا في سوريا تتمثل في حماية التوازن الدستوري بين مقتضيات الانتقال ومتطلبات سيادة القانون. فالمرحلة الانتقالية تحتاج بلا شك إلى قدر من المرونة في اتخاذ القرارات، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى حدود دستورية تحول دون تحول هذه المرونة إلى سلطة تقديرية غير محدودة. ومن ثم، فإن نجاح المحكمة لا يقاس بمدى تدخلها في عمل السلطات الانتقالية، وإنما بقدرتها على رسم الحدود الفاصلة بين السلطة المشروعة والسلطة المتجاوزة لاختصاصها، مع المحافظة في الوقت ذاته على استقرار مؤسسات الدولة وعدم تعطيل وظائفها الأساسية.
ويؤكد الفقه الدستوري المقارن أن استقرار المراحل الانتقالية لا يتحقق بإضعاف الرقابة القضائية على السلطة، وإنما بإخضاع السلطة، مهما كانت طبيعتها الانتقالية، لرقابة قانونية مستقلة تكفل احترام الوثيقة الدستورية التي تستمد منها مشروعيتها. ولذلك، فإن المحكمة الدستورية العليا تمثل في الحالة السورية أحد أهم الضمانات المؤسسية لمنع انتقال الدولة من استثناء سياسي إلى استثناء دستوري دائم، وهي النتيجة التي حذرت منها العديد من تجارب الانتقال الدستوري المقارنة[72].
التقييم النقدي
يكشف تحليل الحالة السورية أن الخطر الحقيقي خلال المرحلة الانتقالية لا يتمثل في اتساع اختصاصات السلطات الانتقالية بحد ذاته، وإنما في غياب المرجعية الدستورية القادرة على مراقبة كيفية ممارسة هذه الاختصاصات. فكلما طالت المرحلة الانتقالية، ازدادت احتمالات تحول التدابير المؤقتة إلى أوضاع مستقرة، وهو ما قد يؤدي إلى نشوء شرعية سياسية منفصلة عن الشرعية الدستورية.
ويرى الباحث أن المحكمة الدستورية العليا تمثل صمام الأمان الدستوري لهذه المرحلة، لأنها ليست مطالبة بإدارة الانتقال السياسي، وإنما بضمان بقائه داخل الحدود التي رسمها الإعلان الدستوري. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية للمحكمة لا تكمن في رقابتها على القوانين وحدها، بل في قدرتها على منع انتقال الاستثناء من كونه وسيلة مؤقتة لإدارة المرحلة الانتقالية إلى أن يصبح أساساً دائماً لممارسة السلطة، وهو ما يشكل أحد أخطر التحديات التي تواجه الدول الخارجة من النزاعات أو التحولات السياسية الكبرى.
المطلب الثالث : المحكمة الدستورية العليا وأثرها في بناء النظام الدستوري الدائم
لا تنتهي وظيفة المحكمة الدستورية العليا بانتهاء المرحلة الانتقالية أو بإقرار الدستور الدائم، وإنما تمتد آثارها إلى النظام الدستوري الذي ينشأ بعد ذلك، لأن الاجتهادات التي ترسيها خلال المرحلة الانتقالية تتحول تدريجياً إلى مرجع دستوري تستند إليه السلطات العامة والمحاكم والفقه الدستوري في تفسير النصوص الدستورية الجديدة. ومن ثم، فإن المحكمة لا تؤدي وظيفةً مؤقتةً تنقضي بانتهاء المرحلة الانتقالية، وإنما تمارس وظيفةً تأسيسية تسهم في بناء النظام الدستوري الذي سيخلفها.
ويرجع ذلك إلى أن الانتقال الدستوري لا يقتصر على استبدال وثيقة دستورية بأخرى، وإنما يمثل عمليةً متكاملة لإعادة بناء الشرعية الدستورية، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والحرية، وبين الدولة والمواطن، وبين السلطات العامة بعضها ببعض. وفي هذه المرحلة، لا يقتصر دور المحكمة الدستورية على مراقبة مدى التزام السلطات الانتقالية بأحكام الإعلان الدستوري، وإنما يمتد إلى بلورة المبادئ الدستورية التي ستشكل الأساس العملي للدستور الدائم، من خلال تفسير النصوص الانتقالية وإرساء قواعد دستورية مستقرة تحكم ممارسة السلطة العامة[73].
ولا يقف أثر المحكمة عند حدود الفصل في المنازعات الدستورية، بل يتجاوز ذلك إلى بناء ثقافة دستورية جديدة داخل مؤسسات الدولة. فكل حكم دستوري يصدر خلال المرحلة الانتقالية لا يعالج النزاع المعروض فحسب، وإنما يحدد مضمون المبادئ الدستورية الحاكمة للعلاقة بين السلطات، ويبين حدود ممارسة الحقوق والحريات، ويؤسس لقواعد قانونية تسترشد بها مؤسسات الدولة في ممارساتها المستقبلية. ومن ثم، فإن الاجتهاد القضائي للمحكمة يصبح جزءاً من البناء الدستوري للدولة، وليس مجرد تطبيق للنصوص القائمة.
وتؤكد التجارب الدستورية المقارنة هذه الوظيفة التأسيسية للمحاكم الدستورية خلال المراحل الانتقالية. ففي جنوب أفريقيا[74] اضطلعت المحكمة الدستورية بدور حاسم في مراقبة توافق مشروع الدستور الجديد مع المبادئ الدستورية المتفق عليها خلال عملية الانتقال، الأمر الذي منح الدستور الجديد شرعيةً دستوريةً وقانونيةً قبل دخوله حيز النفاذ، ورسخ الثقة بالمؤسسات الدستورية الناشئة. كما أبرزت التجربة الإسبانية [75]بعد الانتقال إلى النظام الديمقراطي أهمية المحكمة الدستورية في ترسيخ احترام الدستور الجديد، وضبط العلاقة بين السلطات، ومنع العودة إلى الممارسات التي تتعارض مع مبادئ الدولة الدستورية. وفي دول أوروبا الوسطى والشرقية[76] التي شهدت تحولاً من الأنظمة الاشتراكية إلى الأنظمة الديمقراطية، لعبت المحاكم الدستورية دوراً محورياً في حماية الشرعية الدستورية أثناء إعادة بناء مؤسسات الدولة، وأسهمت من خلال اجتهاداتها في تكريس مبادئ سيادة القانون والفصل بين السلطات وحماية الحقوق والحريات، بما جعلها إحدى الركائز الأساسية لنجاح الانتقال الدستوري[77].
ولا يقصد من استحضار هذه التجارب الدعوة إلى نقلها إلى الحالة السورية، لأن لكل تجربة ظروفها التاريخية والسياسية والدستورية الخاصة، وإنما المقصود استخلاص قاعدة دستورية عامة مؤداها أن نجاح الانتقال الدستوري لا يتحقق بمجرد إصدار إعلان دستوري أو إعداد دستور جديد، وإنما يتطلب وجود محكمة دستورية مستقلة تحول النصوص الدستورية إلى قواعد ملزمة لجميع السلطات، وتضمن ألا تتحول المرحلة الانتقالية إلى مرحلة استثناء دستوري دائم.
وتزداد أهمية هذا الدور في الحالة السورية بالنظر إلى خصوصية السياق الوطني. فالانتقال الجاري لا يقتصر على إعادة تنظيم السلطات العامة، بل يشمل إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات طويلة من النزاع، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة، وإصلاح المنظومة القانونية، وتهيئة البيئة الدستورية لإقرار دستور دائم يعبر عن الإرادة الوطنية. وفي مثل هذا السياق، تصبح المحكمة الدستورية أكثر من مجرد هيئة قضائية، إذ تغدو إحدى المؤسسات التي تضطلع بحماية الاستقرار الدستوري أثناء عملية إعادة التأسيس، وتؤدي دوراً في الحد من التوتر بين ضرورات الإصلاح ومتطلبات المشروعية الدستورية.
كما تؤدي المحكمة دوراً مهماً في حماية مبدأ استمرارية الدولة. فالانتقال الدستوري لا يعني القطيعة مع الدولة أو مع نظامها القانوني، وإنما يقتضي إعادة تنظيم مؤسساتها وفق أسس دستورية جديدة. ومن ثم، فإن المحكمة الدستورية تسهم في تحقيق التوازن بين مبدأ استمرارية المرافق العامة، وبين ضرورة إصلاح البنية الدستورية للدولة، بما يمنع انهيار المؤسسات من جهة، ويحول دون استمرار الممارسات المخالفة لمبادئ الدولة الدستورية من جهة أخرى.
ومن ناحية أخرى، فإن الأحكام التي تصدرها المحكمة خلال المرحلة الانتقالية سيكون لها أثر يتجاوز زمن المرحلة نفسها، لأن المبادئ التي تقررها ستصبح مرجعاً لتفسير نصوص الدستور الدائم، وستؤثر في تكوين الفقه الدستوري الوطني، وفي اتجاهات القضاء، وفي الممارسة التشريعية مستقبلاً. ولهذا، فإن المحكمة لا تحمي الإعلان الدستوري بوصفه وثيقةً مؤقتة فحسب، وإنما تؤسس من خلال اجتهادها لبنية دستورية تستمر آثارها بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.
ويرى الباحث أن القيمة الحقيقية للمحكمة الدستورية العليا خلال المرحلة الانتقالية لا تكمن في عدد القوانين التي تقضي بعدم دستوريتها، وإنما في قدرتها على بناء اجتهاد دستوري يؤسس للمبادئ التي سيقوم عليها النظام الدستوري الدائم. فالقاضي الدستوري خلال هذه المرحلة لا يمارس رقابةً قانونيةً مجردة، بل يسهم في بناء الثقة بالمؤسسات، وترسيخ فكرة خضوع السلطة للدستور، وتحويل الإعلان الدستوري من وثيقة سياسية مؤقتة إلى إطار قانوني ملزم يحكم جميع سلطات الدولة.
التقييم النقدي
تكشف التجارب الدستورية المقارنة أن المحاكم الدستورية في المراحل الانتقالية لا تكتسب أهميتها من اختصاصاتها النظرية، وإنما من قدرتها على تحويل الشرعية الدستورية إلى ممارسة مؤسسية مستقرة. ولذلك فإن نجاحها لا يقاس بعدد الأحكام التي تصدرها، بل بقدرتها على بناء تقاليد دستورية تنتقل مع الدولة من المرحلة الانتقالية إلى المرحلة الدستورية الدائمة، بحيث تصبح هذه التقاليد جزءاً من الثقافة الدستورية الوطنية.
ويرى الباحث أن المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية لا تمثل مجرد آلية للرقابة على دستورية القوانين خلال المرحلة الانتقالية، وإنما تعد إحدى المؤسسات الدستورية المؤسسة للانتقال الدستوري ذاته، لأنها تتولى حماية الشرعية الدستورية في مرحلة لم تستقر فيها مؤسسات الدولة بعد، وتضمن خضوع السلطات الانتقالية لأحكام الإعلان الدستوري، وتؤسس من خلال اجتهادها القضائي للمبادئ الدستورية التي سيقوم عليها النظام الدستوري الدائم. ومن ثم، فإن المحكمة لا تحرس الإعلان الدستوري فحسب، بل تسهم في تهيئة البيئة القانونية والمؤسسية اللازمة لقيام الدستور الدائم وترسيخ دولة القانون.
المبحث الثالث :النموذج المقارن الأنسب لتنظيم المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية
المطلب الأول: المقارنة بين النماذج السورية والمصرية والفرنسية والألمانية
لا تهدف المقارنة بين نظم القضاء الدستوري إلى البحث عن نموذج مثالي يصلح للتطبيق في جميع الدول، لأن كل محكمة دستورية تنشأ داخل سياق سياسي وقضائي وتاريخي خاص. فالنموذج الذي يلائم دولةً اتحاديةً مستقرةً قد لا يصلح لدولة موحدة تمر بمرحلة انتقالية، كما أن المؤسسة التي تطورت اختصاصاتها واجتهاداتها خلال عقود لا يمكن نقلها بصورة آلية إلى نظام دستوري ما تزال مؤسساته في طور التأسيس.
ومن ثم، فإن المقارنة التي تحتاج إليها الحالة السورية لا تقوم على المفاضلة المجردة بين المحاكم الدستورية، وإنما على تحديد العناصر التي يمكن الاستفادة منها في بناء نموذج وطني يراعي بنية القضاء السوري، وطبيعة المرحلة الانتقالية، والحاجة إلى حماية الحقوق والحريات، وضبط عمل السلطات العامة، ومنع تركيز السلطة، من دون أن تتحول المحكمة إلى مؤسسة سياسية تنافس السلطات التي تراقبها.
وتتناول هذه المقارنة أربعة نماذج: النموذج السوري الناشئ بوصفه نقطة الانطلاق، والنموذج المصري لقربه من البيئة القانونية والقضائية السورية، والنموذج الفرنسي لما يتضمنه من رقابة سابقة ولاحقة وتوزيع لسلطة التعيين، والنموذج الألماني لما يتميز به من استقلال مؤسسي واتساع في طرق الوصول إلى القضاء الدستوري وقوة في حجية الأحكام.
أولاً: النموذج السوري الناشئ
يقوم النموذج السوري الحالي على أساس دستوري مقتضب؛ إذ نصت المادة (47) من الإعلان الدستوري على حل المحكمة الدستورية العليا القائمة وإنشاء محكمة دستورية عليا جديدة تتكون من سبعة أعضاء يسميهم رئيس الجمهورية من ذوي النزاهة والكفاءة والخبرة، ثم أحالت تنظيم آلية عمل المحكمة واختصاصاتها إلى القانون[78].
ويكشف هذا التنظيم عن أن الإعلان الدستوري حسم مسألة وجود المحكمة وعدد أعضائها والجهة التي تتولى تسميتهم، لكنه ترك للقانون معظم العناصر التي تحدد طبيعة القضاء الدستوري وفاعليته، وفي مقدمتها نطاق الاختصاص، وطرق تحريك الرقابة، وضمانات الاستقلال، وإجراءات التقاضي، وحجية الأحكام، وآليات تنفيذها. ومن ثم، فإن النموذج السوري ما يزال نموذجاً تأسيسياً مفتوحاً، لا يمكن الحكم على طبيعته النهائية قبل صدور القانون المنظم للمحكمة واستقرار ممارستها القضائية.
وتتمثل ميزة هذا الأسلوب في أنه يتيح للمشرع فرصة بناء نظام حديث يستفيد من التجارب المقارنة، ولا يبقى مقيداً بتفاصيل دستورية جامدة قد يصعب تعديلها في المستقبل. غير أن هذه المرونة تحمل في الوقت ذاته خطراً دستورياً؛ إذ إن إحالة معظم عناصر المحكمة إلى القانون تجعل استقلالها وفاعليتها مرتبطين بمدى التزام المشرع بالغاية التي أنشئت من أجلها، وقد يؤدي التنظيم التشريعي الضعيف إلى إبقاء المحكمة قائمةً من الناحية الشكلية مع الحد من قدرتها على ممارسة رقابة دستورية حقيقية.
كما تثير تسمية جميع أعضاء المحكمة من رئيس الجمهورية إشكاليةً تتعلق بالتوازن المؤسسي، لأن المحكمة قد تكون مدعوةً إلى مراقبة قوانين أو أنظمة أو أعمال تتصل مباشرةً بممارسة رئيس الجمهورية والسلطة التنفيذية لاختصاصاتهما. ولا يؤدي ذلك، بذاته، إلى انتفاء استقلال المحكمة أو التشكيك في نزاهة أعضائها، لكنه يجعل استقلالها معتمداً بصورة أكبر على الضمانات التي ينبغي أن يقررها القانون، ولا سيما مدة العضوية غير القابلة للتجديد، وعدم القابلية للعزل إلا وفق حالات وإجراءات محددة، والاستقلال المالي والإداري، وحظر تعارض المصالح.
ويرى الباحث أن النموذج السوري يتميز بإمكان تطويره، لكنه يفتقر في وضعه الحالي إلى التوازن بين سلطة إنشاء المحكمة وضمان استقلالها؛ فالإعلان الدستوري أنشأ المؤسسة، لكنه لم يقرر الحد الأدنى الكافي من الضمانات التي تحميها من تدخل السلطات التي ستخضع أعمالها لرقابتها.
ثانياً: النموذج المصري
يقوم النموذج المصري على محكمة دستورية عليا وصفها الدستور بأنها جهة قضائية مستقلة قائمة بذاتها، تتمتع بموازنة مستقلة، وتتولى جمعيتها العامة شؤونها، كما تختص دون غيرها بالرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، وتفسير النصوص التشريعية، والفصل في تنازع الاختصاص وبعض المنازعات المتعلقة بتنفيذ الأحكام المتعارضة وأحكام المحكمة ذاتها[79].
وقد نظم قانون المحكمة الدستورية العليا رقم (48) لسنة 1979 بنيتها واختصاصاتها وإجراءات العمل أمامها. ويقرر القانون أن المحكمة هيئة قضائية مستقلة قائمة بذاتها، كما ينظم شروط اختيار رئيسها ونواب رئيس المحكمة والجهات التي يمكن أن يختار أعضاؤها منها[80].
وتتمثل السمة الأساسية للنموذج المصري في مركزية الرقابة الدستورية؛ فالمحكمة الدستورية العليا وحدها صاحبة الاختصاص بالفصل في دستورية القوانين واللوائح، ولا تملك المحاكم الأخرى إلغاء النص التشريعي أو استبعاده بصورة نهائية لمخالفته الدستور، وإنما تتصل المحكمة الدستورية بالدعوى وفق الطرق التي حددها القانون.
ولا تنحصر الرقابة المصرية في القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية بالمعنى الشكلي، بل تمتد إلى القواعد العامة المجردة التي تتمتع بطبيعة تشريعية، ولو صدرت عن السلطة التنفيذية في صورة لوائح. وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا أن ولايتها تنصب على النصوص التشريعية بمعناها الموضوعي، سواء وردت في تشريع أصلي أو في تشريع فرعي تصدره السلطة التنفيذية ضمن اختصاصها[81].
كما تتمتع أحكام المحكمة وقراراتها بالتفسير بحجية مطلقة، وتكون ملزمةً لجميع سلطات الدولة وللكافة، وهو ما يمنع استمرار تطبيق النص المقضي بعدم دستوريته على أشخاص آخرين، ويجعل الحكم الدستوري متعلقاً بصلاحية القاعدة القانونية ذاتها، لا بالعلاقة بين الخصوم وحدهم[82].
ويقدم النموذج المصري للحالة السورية مزايا مهمة؛ فهو نموذج عربي يقوم على محكمة مركزية متخصصة، وينتمي إلى بيئة قانونية متأثرة بالتقاليد المدنية الفرنسية، ويقدم تنظيماً واضحاً للخصومة الدستورية، والدفع بعدم الدستورية، والإحالة من محاكم الموضوع، وحجية الأحكام.
غير أن تطبيقه في سوريا بصورة كاملة لا يبدو ملائماً. فالمحكمة المصرية تعمل داخل بنية قضائية متراكمة ومؤسسات مستقرة نسبياً، بينما تنشأ المحكمة السورية في مرحلة انتقالية لم تستقر فيها بعد العلاقة بين السلطات. كما أن طرق الوصول إلى المحكمة في النموذج المصري قد تكون أكثر تقييداً مما تحتاج إليه المرحلة السورية، ولا سيما إذا أريد للمحكمة أن تؤدي وظيفةً تتجاوز الرقابة الفردية إلى حماية الشرعية الدستورية الانتقالية.
وقد أظهرت التجربة المصرية ذاتها مقدار التأثير الذي يمكن أن تحدثه المحكمة في الفترات الانتقالية، إذ قضت بعدم دستورية أحكام تشريعية نظمت انتخابات مجلس الشعب، ورتبت على ذلك بطلان تكوين المجلس، مع المحافظة على صحة القوانين والقرارات التي صدرت عنه قبل نشر الحكم حمايةً للاستقرار القانوني[83] وتكشف هذه التجربة في الوقت نفسه عن قوة القضاء الدستوري وحساسية آثاره في المراحل الانتقالية.
ويرى الباحث أن النموذج المصري هو الأقرب إلى سوريا من حيث الطبيعة القضائية المركزية، وتنظيم الخصومة الدستورية، وامتداد الرقابة إلى القوانين واللوائح، إلا أنه لا ينبغي أن يكون المرجع الوحيد، ولا سيما في مسائل تشكيل المحكمة وتعدد طرق الوصول إليها والرقابة الوقائية على القوانين.
ثالثاً: النموذج الفرنسي
يقوم النموذج الفرنسي على مجلس دستوري يتكون من تسعة أعضاء، مدة عضويتهم تسع سنوات غير قابلة للتجديد، ويجدد ثلث أعضائه كل ثلاث سنوات. ويتوزع تعيين الأعضاء بين رئيس الجمهورية ورئيس الجمعية الوطنية ورئيس مجلس الشيوخ، بحيث يعين كل منهم ثلاثة أعضاء[84].
ويحقق هذا النظام عدة ضمانات متكاملة؛ فتوزيع التعيين يمنع احتكار جهة واحدة لتشكيل المجلس، والولاية الطويلة غير القابلة للتجديد تحرر العضو من انتظار إعادة تعيينه، والتجديد الجزئي يحول دون تغيير تكوين المجلس كاملاً عند حدوث تحول سياسي واحد.
ويجمع النظام الفرنسي بين نوعين من الرقابة. فقد قررت المادة (61) رقابةً سابقةً إلزاميةً على القوانين العضوية والأنظمة الداخلية للمجالس البرلمانية، ورقابةً سابقةً اختياريةً على القوانين العادية بناءً على إحالة من رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو رئيس أحد مجلسي البرلمان أو ستين نائباً أو ستين عضواً في مجلس الشيوخ. ويترتب على الإحالة وقف ميعاد إصدار القانون إلى حين الفصل في دستوريته[85].
ثم أضيفت الرقابة اللاحقة من خلال المادة (61-1)، التي تتيح للمتقاضي أثناء دعوى منظورة أن يدفع بأن حكماً تشريعياً يمس الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور، على أن تصل المسألة إلى المجلس عن طريق مجلس الدولة أو محكمة النقض وفق الشروط التي يحددها القانون العضوي[86].
وتتمتع قرارات المجلس بحجية نهائية؛ فلا تقبل أي طريق من طرق الطعن، وتلزم السلطات العامة والجهات الإدارية والقضائية. كما يملك المجلس، في الرقابة اللاحقة، تأجيل تاريخ إلغاء النص غير الدستوري وتحديد الشروط التي يمكن ضمنها مراجعة الآثار التي سبق أن أنتجها، وهو ما يتيح له الموازنة بين تصحيح المخالفة الدستورية والمحافظة على الأمن القانوني.
وتتمثل القيمة الأساسية للنموذج الفرنسي بالنسبة إلى سوريا في أربعة عناصر: توزيع سلطة التعيين، والولاية الواحدة غير القابلة للتجديد، والجمع بين الرقابة السابقة واللاحقة، ومنح الأقلية البرلمانية وسيلةً لتحريك الرقابة. وتكتسب هذه العناصر أهمية خاصة في المرحلة الانتقالية، لأنها تمنع احتكار السلطة التنفيذية أو الأغلبية التشريعية لتشكيل المحكمة أو الوصول إليها.
غير أن نقل النموذج الفرنسي بحذافيره يثير عدة تحفظات. فالمجلس الدستوري ليس محكمةً مندمجةً في السلطة القضائية بالمعنى التقليدي، كما أن نظام تصفية الدفع الدستوري من خلال مجلس الدولة ومحكمة النقض يرتبط بازدواجية القضاء الفرنسي وبنيته المؤسسية الخاصة. كذلك نشأ المجلس أساساً لضبط العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ثم تطورت وظيفته في حماية الحقوق والحريات بصورة تدريجية، بينما تحتاج سوريا منذ البداية إلى هيئة ذات طبيعة قضائية واضحة وولاية مباشرة في حماية الحقوق والشرعية الدستورية.
ويرى الباحث أن النموذج الفرنسي لا يناسب سوريا من حيث طبيعة المؤسسة، لكنه يقدم عناصر تنظيمية ضرورية، وفي مقدمتها تعدد جهات التعيين، وعدم قابلية الولاية للتجديد، والرقابة السابقة على القوانين المؤسسية، وحق الأقلية البرلمانية في الإحالة.
رابعاً: النموذج الألماني
تعد المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية محكمةً اتحاديةً مستقلةً عن سائر الهيئات الدستورية، وتتكون من مجلسين قضائيين، يضم كل منهما ثمانية قضاة. وينتخب نصف أعضاء المحكمة المجلس النيابي الاتحادي، بينما ينتخب النصف الآخر المجلس الاتحادي، كما يشترط في عملية الاختيار أغلبية الثلثين، بما يفرض درجةً مرتفعةً من التوافق السياسي ويحد من سيطرة أغلبية عابرة على تكوين المحكمة[87].
وتبلغ مدة عضوية القاضي اثنتي عشرة سنة، ولا تجوز إعادة انتخابه، كما تتمتع المحكمة بسلطة وضع نظامها الداخلي. ويعكس ذلك مستوىً مرتفعاً من الاستقلال الشخصي والمؤسسي، ويقطع الصلة الوظيفية بين القاضي والجهة التي شاركت في انتخابه بعد توليه المنصب[88].
وتتمتع المحكمة باختصاصات واسعة، من بينها الفصل في المنازعات المتعلقة بحقوق وواجبات الهيئات الدستورية العليا، والرقابة على توافق القانون الاتحادي وقوانين الولايات مع القانون الأساسي، والفصل في بعض المنازعات بين الاتحاد والولايات، والنظر في الشكاوى الدستورية التي يستطيع الأفراد تقديمها عند ادعاء انتهاك حقوقهم الأساسية من جانب السلطة العامة[89].
كما تلزم قرارات المحكمة الهيئات الدستورية والمحاكم والسلطات العامة، وتتمتع بعض قراراتها بقوة القانون، ولا سيما الأحكام المتعلقة بدستورية القوانين[90].
ويتميز النموذج الألماني بقوة الحماية الدستورية التي يمنحها للأفراد من خلال الشكوى الدستورية، وباتساع ولاية المحكمة في الفصل في منازعات السلطات، وبالتوازن في طريقة تشكيلها، وبقوة أحكامها، وبمكانة مبدأ التناسب في اجتهادها المتعلق بالحقوق والحريات.
غير أن اعتماد هذا النموذج بصورة كاملة في سوريا يواجه صعوبات واضحة. فالمحكمة الألمانية تعمل داخل دولة اتحادية مستقرة، وتستند إلى تقاليد دستورية وقضائية متراكمة ومؤسسات قادرة على استيعاب عدد كبير من المنازعات. أما منح المحكمة السورية منذ بداية عملها اختصاصاً مباشراً بالشكاوى الدستورية الفردية فقد يؤدي إلى إغراقها بالطلبات، ولا سيما في ظل كثرة التشريعات القديمة والانتقالية واحتمال ضعف آليات الحماية القضائية الأخرى.
كما أن المنازعات الاتحادية بين الاتحاد والولايات لا تتلاءم مع بنية الدولة السورية الموحدة. ومع ذلك، لا يمنع اختلاف البنية الدستورية من الاستفادة من العناصر المتعلقة باستقلال المحكمة، وتوزيع اختيار الأعضاء، والولاية غير القابلة للتجديد، وحجية الأحكام، وتنظيم منازعات الاختصاص بين السلطات العامة.
ويرى الباحث أن النموذج الألماني يمثل المرجع الأقوى في مجال ضمانات الاستقلال المؤسسي والشخصي وقوة الأحكام وحماية الحقوق، لكنه لا يصلح نموذجاً كاملاً للحالة السورية بسبب اختلاف بنية الدولة واتساع اختصاصاته وتعقيد إجراءات الشكوى الدستورية الفردية.
التقييم النقدي
تكشف المقارنة أن كل نموذج يقدم جانباً يمكن الاستفادة منه، لكنه يحمل في الوقت ذاته عناصر لا تتلاءم مع الواقع السوري.
فالنموذج المصري هو الأقرب من حيث الطبيعة القضائية المركزية وتنظيم الدعوى الدستورية وامتداد الرقابة إلى القوانين واللوائح. ويقدم النموذج الفرنسي أفضل الأدوات في توزيع سلطة التعيين، والولاية غير القابلة للتجديد، والرقابة السابقة، وإحالة الأقلية البرلمانية. أما النموذج الألماني فيوفر أعلى درجات الاستقلال المؤسسي، وقوة الأحكام، والرقابة على الحقوق، وتسوية المنازعات بين الهيئات الدستورية.
ولا ينبغي، لذلك، أن يختار المشرع السوري نموذجاً واحداً وينقله كما هو، لأن الاختيار الصحيح لا يقوم على استيراد المؤسسة، وإنما على تركيب العناصر التي تتفق مع طبيعة الدولة السورية واحتياجات المرحلة الانتقالية.
ويرى الباحث أن النموذج الأنسب لسوريا يجب أن يكون نموذجاً قضائياً مركزياً على غرار النموذج المصري، ومتوازناً في طريقة التشكيل والرقابة السابقة على غرار النموذج الفرنسي، وقوياً في ضمانات الاستقلال وحجية الأحكام وحماية الحقوق على غرار النموذج الألماني. أما الخصوصية السورية، فينبغي أن تظهر في تكييف هذه العناصر مع متطلبات المرحلة الانتقالية، وبناء المحكمة بصورة تدريجية تمنع إغراقها بالمنازعات، وتضمن في الوقت نفسه عدم تحصين التشريعات والسلطات الانتقالية من الرقابة.
المطلب الثاني : عناصر النماذج المقارنة القابلة للاستفادة في الحالة السورية
لا تهدف الدراسة المقارنة في مجال القضاء الدستوري إلى المفاضلة بين النظم الدستورية أو ترتيبها بحسب الأفضلية، وإنما ترمي إلى استخلاص المبادئ التي أثبتت التجارب نجاحها وإمكان الإفادة منها عند بناء مؤسسات دستورية جديدة. فالمحاكم الدستورية، وإن اشتركت جميعها في حماية سمو الدستور، فإنها تختلف في بنيتها التنظيمية، وطرق تشكيلها، واختصاصاتها، وآليات عملها تبعاً للبيئة الدستورية والسياسية التي نشأت فيها. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية للمقارنة لا تكمن في استنساخ نموذج معين، وإنما في تحليل عناصر القوة التي تميز كل تجربة، وبيان مدى صلاحيتها للاستفادة منها في ضوء خصوصية النظام الدستوري محل الدراسة[91].
وتكشف المقارنة بين النماذج السورية والمصرية والفرنسية والألمانية أن ثمة مجموعة من المبادئ المشتركة أصبحت تمثل ركائز أساسية للقضاء الدستوري المعاصر، بصرف النظر عن اختلاف البناء المؤسسي لكل تجربة. وتتمثل هذه المبادئ في استقلال المحكمة، وتوازن تشكيلها، وفعالية الرقابة الدستورية، وإلزامية أحكامها، وضمان الوصول إليها، وهي عناصر أثبتت التجارب المقارنة أن غياب أي منها ينعكس مباشرة على قدرة المحكمة في أداء وظيفتها الدستورية.
أولاً: الطبيعة القضائية المستقلة للمحكمة
تجمع التجارب المقارنة، رغم اختلاف نماذجها، على أن المحكمة الدستورية لا تستطيع أداء وظيفتها إلا إذا تمتعت باستقلال مؤسسي ووظيفي حقيقي. ويقصد بذلك استقلالها عن السلطتين التشريعية والتنفيذية في ممارسة اختصاصها، وعدم خضوعها لأي توجيه أو رقابة خارجية عند إصدار أحكامها.
وتظهر هذه الفكرة بصورة واضحة في المحكمة الدستورية العليا المصرية، التي منحها الدستور مركزاً مستقلاً واختصاصاً حصرياً في الرقابة على دستورية القوانين واللوائح، مع تقرير حجية مطلقة لأحكامها، بما يكرس مكانتها بوصفها قمة القضاء الدستوري[92].
أما في ألمانيا، فقد اعتبر القانون الأساسي المحكمة الدستورية الاتحادية هيئة دستورية مستقلة، تتمتع بمكانة متميزة داخل النظام الدستوري، بما يمكنها من ممارسة الرقابة على أعمال جميع السلطات العامة، والفصل في المنازعات الدستورية الكبرى[93].
ورغم اختلاف الطبيعة المؤسسية للمجلس الدستوري الفرنسي، فإن التطور الذي شهدته الرقابة الدستورية، ولا سيما بعد إدخال نظام المسألة الأولية ذات الأولوية في الدستورية (QPC)، عزز الطابع القضائي للمجلس وأكد دوره في حماية الحقوق والحريات الدستورية[94].
ويستفاد من هذه التجارب أن الاستقلال لا يتحقق بمجرد النص عليه، وإنما من خلال مجموعة متكاملة من الضمانات، تشمل طريقة التشكيل، ومدة العضوية، والاستقلال المالي والإداري، وحجية الأحكام، وعدم قابلية القضاة للعزل إلا وفق ضوابط قانونية دقيقة.
ثانياً: التوازن في تشكيل المحكمة
لا تقل طريقة تشكيل المحكمة أهمية عن طبيعة اختصاصاتها، لأن الثقة باستقلال القضاء الدستوري تبدأ من الثقة بالكيفية التي يتم بها اختيار أعضائه.
وتتباين النظم المقارنة في هذا المجال. ففي فرنسا، يتوزع تعيين أعضاء المجلس الدستوري بين رئيس الجمهورية ورئيس الجمعية الوطنية ورئيس مجلس الشيوخ، بما يمنع احتكار جهة واحدة لتشكيل المجلس[95]. أما في ألمانيا، فينتخب قضاة المحكمة من قبل مجلسي البرلمان الاتحادي بأغلبية معززة، الأمر الذي يفرض قدراً كبيراً من التوافق السياسي ويحول دون استئثار أغلبية عادية بتكوين المحكمة[96].
وفي مصر، ورغم اختلاف آلية الاختيار، فقد حرص المشرع الدستوري على توفير ضمانات لاستقلال القضاة بعد تعيينهم، بما يحد من إمكان التأثير في عمل المحكمة أثناء مباشرتها لاختصاصاتها[97].
وتكشف هذه النماذج أن المبدأ المشترك بينها لا يتمثل في طريقة معينة للتعيين، وإنما في ضرورة إيجاد توازن مؤسسي يحول دون خضوع المحكمة لإرادة سلطة واحدة، ويعزز استقلالها أمام الرأي العام والمتقاضين.
ثالثاً: الولاية القضائية المستقرة
أثبتت التجارب المقارنة أن استقرار عضوية المحكمة يمثل أحد أهم ضمانات استقلالها، ولذلك اتجهت معظم النظم الدستورية إلى اعتماد مدة طويلة للعضوية، مع الحد من إمكان إعادة التعيين.
فالدستور الفرنسي جعل مدة العضوية تسع سنوات غير قابلة للتجديد، مع تجديد ثلث أعضاء المجلس كل ثلاث سنوات، بما يحقق الاستمرارية ويمنع تغير تكوين المحكمة دفعة واحدة[98].
كما حدد القانون الألماني مدة عضوية قضاة المحكمة الدستورية الاتحادية باثنتي عشرة سنة دون إمكان إعادة الانتخاب، وهو ما يعزز استقلال القاضي ويحرره من الاعتبارات المرتبطة بإعادة التعيين[99].
وتؤكد هذه التجارب أن الغاية من الولاية الطويلة ليست منح امتياز شخصي للقاضي، وإنما تحصين المحكمة من الضغوط السياسية، وضمان استمرار اجتهادها القضائي بصورة مستقرة ومتراكمة.
رابعاً: تنوع وسائل الرقابة الدستورية
لا يقتصر نجاح القضاء الدستوري على وجود محكمة مستقلة، وإنما يتوقف كذلك على فعالية الوسائل التي تمكنها من ممارسة الرقابة.
وقد أخذت النظم المقارنة بأكثر من أسلوب في هذا المجال. فالنظام الفرنسي يجمع بين الرقابة السابقة على بعض القوانين قبل إصدارها، والرقابة اللاحقة التي تمارس عن طريق المسألة الأولية ذات الأولوية في الدستورية[100].
أما المحكمة الدستورية العليا المصرية، فتعتمد بصورة رئيسة الرقابة اللاحقة من خلال الدفع بعدم الدستورية والإحالة من المحاكم، وهو ما جعل القضاء الدستوري مرتبطاً مباشرة بالمنازعات الواقعية التي تعرض أمام القضاء[101].
في حين يتيح النظام الألماني، بالإضافة إلى ذلك، الشكوى الدستورية الفردية، التي تمكن الأفراد من اللجوء مباشرة إلى المحكمة عند ادعاء انتهاك أحد الحقوق الأساسية، وفق شروط دقيقة للقبول[102].
ويكشف هذا التنوع أن النظم المقارنة لا تتقيد بنموذج واحد للرقابة، وإنما تعتمد الوسائل التي تحقق أكبر قدر من الفاعلية في حماية الدستور والحقوق الدستورية.
خامساً: الحجية الملزمة لأحكام المحكمة
يشكل الأثر الملزم لأحكام المحكمة أحد أهم عناصر فاعلية القضاء الدستوري، لأن الرقابة على الدستورية تفقد قيمتها إذا بقي تنفيذ الأحكام رهناً بإرادة السلطات العامة.
ولهذا قررت الدساتير المقارنة أن تكون أحكام المحاكم الدستورية نهائية وملزمة للكافة ولجميع سلطات الدولة. ويظهر ذلك بوضوح في الدستور المصري، وفي المادة (62) من الدستور الفرنسي، وكذلك في المادة (31) من قانون المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية، التي تمنح بعض أحكام المحكمة قوة القانون[103].
ولا يقتصر أثر هذه الحجية على إلغاء النصوص المخالفة للدستور، وإنما يمتد إلى توحيد تفسير القواعد الدستورية، وتحقيق الأمن القانوني، وإرساء الاستقرار في النظام الدستوري.
سادساً: بناء اجتهاد دستوري متراكم
لا تقاس مكانة المحكمة الدستورية بعدد النصوص التي تراقبها، وإنما بما تؤسسه من مبادئ دستورية مستقرة من خلال أحكامها.
وقد أسهمت المحكمة الدستورية العليا المصرية في بناء نظرية متكاملة حول الحقوق والحريات ومبدأ المساواة والرقابة على السلطة التشريعية، كما أسهم المجلس الدستوري الفرنسي في تطوير المبادئ ذات القيمة الدستورية، في حين أرست المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية واحداً من أكثر الاجتهادات الدستورية تأثيراً في حماية الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية[104].
ويؤكد ذلك أن الاجتهاد القضائي لا يقل أهمية عن النصوص الدستورية ذاتها، بل يمثل الأداة التي تمنح النصوص الدستورية مضمونها العملي، وتجعلها قادرة على مواكبة التطورات السياسية والاجتماعية.
التقييم النقدي
تكشف الدراسة المقارنة أن النظم الدستورية، على اختلافها، تتفق على مجموعة من المبادئ الأساسية التي أصبحت تمثل القاسم المشترك للقضاء الدستوري المعاصر، وفي مقدمتها استقلال المحكمة، وتوازن تشكيلها، واستقرار عضويتها، وفعالية وسائل الرقابة، وإلزامية أحكامها، والدور الخلاق للاجتهاد القضائي في حماية الدستور.
ولا يرتبط نجاح هذه المبادئ بالنموذج المؤسسي الذي تطبق في إطاره، وإنما بمدى تكاملها وتفاعلها داخل النظام الدستوري. ولذلك فإن المقارنة لا تؤدي إلى تفضيل تجربة على أخرى، بقدر ما تسمح باستخلاص العناصر التي أثبتت نجاحها في حماية الشرعية الدستورية.
ومن هنا، فإن هذه العناصر لا تمثل غاية في ذاتها، وإنما تشكل الأساس الذي يمكن الانطلاق منه لاستخلاص النموذج الأكثر ملاءمة للحالة السورية، وهو ما تتناوله الدراسة في المطلب التالي.
المطلب الثالث: استخلاص النموذج المقارن الأنسب للحالة السورية
تكشف الدراسة المقارنة أن النظم الدستورية المختلفة لم تصل إلى نموذج موحد لتنظيم القضاء الدستوري، بل طورت كل دولة مؤسساتها وفقاً لخصوصية نظامها الدستوري وتطورها التاريخي وبنيتها السياسية والقضائية. ولذلك فإن القيمة العلمية للتجارب المقارنة لا تتمثل في البحث عن نموذج مثالي يصلح للتطبيق في جميع الدول، وإنما في استخلاص المبادئ التي أثبتت نجاحها، ثم إعادة تكييفها بما يتلاءم مع الخصوصية الدستورية لكل دولة. ومن هذا المنطلق، فإن البحث عن النموذج الأنسب للمحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية لا ينبغي أن ينطلق من فكرة استنساخ إحدى التجارب المقارنة، وإنما من بناء نموذج وطني يستفيد من تلك التجارب ويستجيب في الوقت ذاته لخصوصية المرحلة الانتقالية السورية[105].
أولاً: لماذا لا يصلح استنساخ أي نموذج مقارن؟
تؤكد التجارب الدستورية المقارنة أن المحاكم الدستورية ليست مؤسسات مستقلة عن البيئة التي نشأت فيها، وإنما تعكس طبيعة النظام الدستوري والسياسي لكل دولة. فالمحكمة الدستورية العليا في مصر جاءت في إطار نظام قانوني ذي تقاليد قضائية راسخة، والمجلس الدستوري الفرنسي ارتبط بالتطور التاريخي للنظام شبه الرئاسي الفرنسي، أما المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية فقد نشأت في ظل نظام اتحادي ودستور وضع بعد الحرب العالمية الثانية بهدف منع عودة الاستبداد وترسيخ حماية الحقوق الأساسية[106].
ولهذا فإن نقل أي من هذه النماذج كما هو إلى الحالة السورية سيؤدي إلى نقل حلول صممت لمعالجة أوضاع دستورية مختلفة. فالنصوص القانونية لا تعمل بمعزل عن البيئة التي تطبق فيها، كما أن نجاح مؤسسة دستورية في دولة معينة لا يعني بالضرورة نجاحها في دولة أخرى تختلف عنها في طبيعة نظامها السياسي أو القضائي أو في المرحلة التاريخية التي تمر بها.
ولا يقتصر الأمر على اختلاف البناء المؤسسي، بل يمتد إلى اختلاف الوظيفة الدستورية ذاتها. فالمحاكم الدستورية في الديمقراطيات المستقرة تمارس اختصاصاتها في ظل مؤسسات مستقرة وقواعد دستورية راسخة، بينما تعمل المحكمة السورية في إطار مرحلة انتقالية ما تزال تشهد إعادة بناء مؤسسات الدولة وصياغة قواعد النظام الدستوري الجديد. ولذلك فإن معيار الاختيار لا ينبغي أن يكون أي النماذج أفضل، وإنما أي المبادئ أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات الواقع الدستوري السوري[107].
ثانياً: خصوصية الحالة الدستورية السورية خلال المرحلة الانتقالية
تتميز الحالة السورية بكون المحكمة الدستورية العليا تنشأ في ظل إعلان دستوري انتقالي، وليس في ظل دستور دائم استقرت أحكامه واكتملت مؤسساته. ويترتب على ذلك أن المحكمة ستباشر اختصاصها في مرحلة تتسم بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإعادة تنظيم العلاقة بين السلطات العامة، وإعادة النظر في جانب كبير من المنظومة التشريعية القائمة، وهي ظروف تختلف بصورة جوهرية عن الظروف التي نشأت فيها غالبية المحاكم الدستورية المقارنة.
كما أن المرحلة الانتقالية تفرض تحديات لا تواجهها المحاكم الدستورية في الظروف العادية، إذ قد يثور النزاع حول مدى مشروعية الإجراءات الانتقالية، أو حدود اختصاص السلطات المؤقتة، أو استمرار نفاذ التشريعات السابقة، أو مشروعية التدابير الاستثنائية التي تفرضها ضرورات الانتقال. وفي مثل هذه الحالات، لا يقتصر دور المحكمة على الرقابة على دستورية القوانين، وإنما يمتد إلى حماية استمرارية الشرعية الدستورية، ومنع الفراغ المؤسسي، وضمان بقاء جميع السلطات ضمن الحدود التي رسمها الإعلان الدستوري[108].
ومن ثم، فإن المحكمة الدستورية العليا لا تؤدي في المرحلة الانتقالية وظيفة قضائية تقليدية فحسب، وإنما تمارس وظيفة دستورية ذات طبيعة تأسيسية، تسهم من خلالها في بناء الثقة بالمؤسسات العامة، وإرساء مبادئ سيادة القانون، وتهيئة البيئة القانونية اللازمة للانتقال إلى النظام الدستوري الدائم.
ويرى الباحث أن خصوصية المرحلة الانتقالية السورية تفرض النظر إلى المحكمة الدستورية العليا باعتبارها إحدى مؤسسات الانتقال الدستوري، لا مجرد محكمة متخصصة في الرقابة على دستورية القوانين، لأن نجاح عملية الانتقال لا يتوقف على وجود نصوص دستورية جديدة فحسب، وإنما على وجود مؤسسة مستقلة قادرة على ضمان احترام تلك النصوص وإنفاذها.
ثالثاً: الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها النموذج السوري
في ضوء ما تقدم، ينبغي أن يقوم النموذج السوري على مجموعة من الأسس الدستورية التي تستجيب لمتطلبات المرحلة الانتقالية، وفي الوقت نفسه تؤسس لقضاء دستوري مستقر بعد إقرار الدستور الدائم.
ويتمثل الأساس الأول في تكريس الطبيعة القضائية المستقلة للمحكمة، بحيث تكون هيئة دستورية مستقلة تمارس اختصاصها وفق ضمانات التقاضي واستقلال القضاء، مع تمتعها بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري.
أما الأساس الثاني، فيتمثل في تحقيق التوازن في تشكيل المحكمة، بما يمنع احتكار سلطة واحدة لاختيار جميع أعضائها، ويعزز الثقة باستقلالها وحيادها، دون أن يؤدي ذلك إلى تحويل عملية التعيين إلى محاصصة سياسية.
ويتمثل الأساس الثالث في اعتماد نظام رقابة مرن يجمع بين الرقابة السابقة والرقابة اللاحقة، ويتيح للمحكمة التدخل الوقائي لحماية الإعلان الدستوري، مع الإبقاء على إمكان مراجعة دستورية النصوص عند التطبيق العملي لها.
أما الأساس الرابع، فيتمثل في ضمان فعالية الوصول إلى المحكمة من خلال تعدد وسائل تحريك الرقابة الدستورية، بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق والحريات، ومنع إساءة استعمال الدعوى الدستورية.
ويتمثل الأساس الخامس في إرساء حجية قوية لأحكام المحكمة، بحيث تكون ملزمة لجميع السلطات العامة، مع تمكين المحكمة، عند الضرورة، من تنظيم الأثر الزمني لأحكامها بما يحافظ على الأمن القانوني ويحول دون حدوث فراغ تشريعي يهدد استقرار الدولة.
ولا تمثل هذه المبادئ مجرد حلول تقنية، وإنما تشكل إطاراً متكاملاً لبناء قضاء دستوري قادر على أداء وظيفته خلال المرحلة الانتقالية، ثم الاستمرار في أداء هذه الوظيفة بعد اعتماد الدستور الدائم.
رابعاً: ملامح النموذج المقارن الأنسب
انتهت هذه الدراسة إلى أن النموذج الأنسب للجمهورية العربية السورية هو نموذج قضائي دستوري مختلط، يجمع بين أفضل العناصر التي كشفت عنها التجارب المقارنة، دون أن يستنسخ أيّاً منها بصورة كاملة.
فمن التجربة المصرية، ينبغي الاستفادة من فكرة المحكمة الدستورية المركزية، ووحدة الاجتهاد الدستوري، وتنظيم الدعوى الدستورية، والحجية المطلقة للأحكام. ومن التجربة الفرنسية، يمكن الإفادة من التوازن في تشكيل المحكمة، والجمع بين الرقابة السابقة والرقابة اللاحقة، وتعدد طرق تحريك الرقابة الدستورية. أما التجربة الألمانية، فتقدم نموذجاً متقدماً في ضمان استقلال المحكمة، وفي تطوير اجتهاد دستوري راسخ لحماية الحقوق الأساسية والفصل في المنازعات بين السلطات الدستورية.[109]
غير أن النموذج السوري يجب أن يضيف إلى هذه العناصر بعداً لم تعرفه تلك التجارب بالقدر نفسه، وهو ارتباط المحكمة بعملية الانتقال الدستوري ذاتها. فالمحكمة السورية مطالبة، منذ بداية عملها، بالمساهمة في تثبيت الشرعية الدستورية، وحماية المؤسسات الناشئة، ومنع تعارض أعمال السلطات الانتقالية مع الإعلان الدستوري، وإرساء المبادئ التي ستشكل المرجعية الدستورية للدولة في المستقبل.
ولا يعني ذلك توسيع اختصاصات المحكمة إلى الحد الذي يجعلها تحل محل السلطات السياسية، وإنما تمكينها من أداء دورها كحارس للشرعية الدستورية، مع احترام مبدأ الفصل بين السلطات، والالتزام بحدود الرقابة القضائية وعدم الانزلاق إلى رقابة الملاءمة السياسية.
ولإبراز نتائج الدراسة المقارنة بصورة أكثر وضوحاً، يمكن تلخيص أبرز عناصر النماذج المقارنة، وما انتهت إليه الدراسة بشأن النموذج الأنسب للحالة السورية، في الجدول الآتي:
جدول مقارنة بين أبرز عناصر النماذج الدستورية المقارنة والنموذج المقترح للمحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية
|
العنصر |
مصر |
فرنسا |
ألمانيا |
النموذج السوري المقترح |
|
الطبيعة القانونية |
محكمة دستورية مستقلة |
مجلس دستوري |
محكمة دستورية اتحادية |
محكمة دستورية مستقلة ذات وظيفة انتقالية |
|
طريقة التشكيل |
تعيين وفق النظام الدستوري المصري |
توزيع سلطة التعيين بين رئيس الجمهورية ورئيسي مجلسي البرلمان |
انتخاب من مجلسي البرلمان بأغلبية معززة |
توزيع سلطة التعيين بين أكثر من سلطة دستورية بما يحقق التوازن والاستقلال |
|
مدة العضوية |
يحددها القانون |
9 سنوات غير قابلة للتجديد |
12 سنة غير قابلة للتجديد |
مدة طويلة غير قابلة للتجديد تكفل الاستقلال واستقرار الاجتهاد |
|
نمط الرقابة |
رقابة لاحقة أساساً |
رقابة سابقة ولاحقة (QPC) |
رقابة لاحقة مع الشكوى الدستورية |
رقابة مختلطة تراعي متطلبات المرحلة الانتقالية |
|
طرق الوصول إلى المحكمة |
الإحالة والدفع بعدم الدستورية |
الإحالة الدستورية والرقابة السابقة وQPC |
الإحالة، المنازعات الدستورية، والشكوى الدستورية |
الإحالة والدفع بعدم الدستورية مع التدرج في توسيع طرق الوصول |
|
الرقابة على السلطات |
رقابة على التشريعات واللوائح |
رقابة على القوانين وبعض الاختصاصات الدستورية |
رقابة واسعة تشمل منازعات السلطات وحماية الحقوق الأساسية |
رقابة على أعمال السلطات الانتقالية في حدود الإعلان الدستوري دون الحلول محلها |
|
حجية الأحكام |
مطلقة وملزمة للكافة |
نهائية وملزمة للسلطات العامة |
ملزمة لجميع السلطات، وبعضها له قوة القانون |
أحكام نهائية وملزمة لجميع السلطات مع إمكانية تنظيم الأثر الزمني عند الضرورة |
|
الاستقلال المؤسسي |
ضمانات دستورية وقانونية |
ضمانات مؤسسية |
ضمانات قوية في التعيين والولاية والاستقلال المالي |
استقلال دستوري ومالي وإداري ينسجم مع خصوصية المرحلة الانتقالية |
|
الدور الدستوري |
حماية الدستور والرقابة على التشريعات |
ضمان احترام الدستور ومنع مخالفة القوانين له |
حماية النظام الدستوري والحقوق الأساسية |
حماية الشرعية الدستورية، وضبط عمل السلطات الانتقالية، والمساهمة في بناء النظام الدستوري الدائم |
|
النتيجة المستفادة |
الاستفادة من المحكمة الدستورية المركزية وتنظيم الدعوى الدستورية |
الاستفادة من توازن التشكيل والجمع بين الرقابة السابقة واللاحقة |
الاستفادة من ضمانات الاستقلال وقوة الاجتهاد الدستوري |
نموذج سوري مختلط يستفيد من التجارب المقارنة دون استنساخها، ويراعي خصوصية المرحلة الانتقالية |
التقييم النقدي
تكشف الدراسة المقارنة أن بناء المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية لا ينبغي أن يقوم على النقل الحرفي لأي تجربة أجنبية، لأن اختلاف السياقات الدستورية والسياسية يجعل استنساخ المؤسسات أقل فاعلية من استلهام المبادئ التي قامت عليها تلك المؤسسات. كما أن المرحلة الانتقالية السورية تفرض احتياجات دستورية لا تستجيب لها النماذج المقارنة إلا بصورة جزئية، الأمر الذي يقتضي إعادة صياغة هذه المبادئ في إطار وطني يراعي خصوصية الواقع السوري.
ويرى الباحث أن نجاح المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية لن يتوقف على مقدار ما تستعيره من التجارب المقارنة، وإنما على قدرتها على تحويل هذه الخبرات إلى نموذج وطني يستجيب لخصوصية الدولة السورية. فالمقارنة لا تهدف إلى استنساخ المؤسسات، وإنما إلى استلهام المبادئ. ولذلك فإن النموذج المقترح في هذه الدراسة ليس نموذجاً مصرياً معدلاً، ولا مجلساً دستورياً فرنسياً، ولا محكمةً دستورية ألمانية مصغرة، وإنما نموذج سوري مستقل، يستند إلى الإعلان الدستوري، ويستفيد من أفضل ما استقرت عليه التجارب المقارنة، ويعيد تكييفها بما يتفق مع متطلبات المرحلة الانتقالية، ويؤسس منذ الآن للقضاء الدستوري الذي سيحمي الدستور الدائم مستقبلاً.
الخاتمة
شكل إنشاء المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية بموجب الإعلان الدستوري تحولاً دستورياً مهماً في مسار بناء مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية، إذ انتقل التنظيم الدستوري السوري من الاكتفاء بالنص على سمو الإعلان الدستوري إلى إنشاء مؤسسة دستورية متخصصة تتولى حمايته وضمان خضوع جميع السلطات العامة لأحكامه. ولا تقتصر أهمية هذا التطور على استحداث جهة قضائية جديدة، وإنما تتمثل في إرساء أحد أهم مقومات الدولة الدستورية الحديثة، وهو وجود قضاء دستوري مستقل يكفل احترام مبدأ سمو الدستور وسيادة القانون.
وقد انطلقت هذه الدراسة من فرضية مؤداها أن إنشاء المحكمة الدستورية العليا لا يعني بذاته اكتمال بناء القضاء الدستوري، وإنما يمثل الخطوة الأولى في هذا البناء، الذي يتوقف نجاحه على الإطار التشريعي المنظم للمحكمة، وعلى الضمانات التي تكفل استقلالها، وعلى الاجتهاد القضائي الذي ستؤسسه في ممارسة اختصاصاتها. ومن هذا المنطلق، سعت الدراسة إلى تحليل الإطار الدستوري لإنشاء المحكمة، وبيان طبيعتها القانونية، واختصاصاتها، وحدود رقابتها، ومتطلبات تنظيمها، مع الاستفادة من التجارب الدستورية المقارنة، وصولاً إلى استخلاص النموذج الأنسب للحالة السورية.
وقد بينت الدراسة أن الإعلان الدستوري لم يكتف بالنص على إنشاء المحكمة، بل أسس لوجود قضاء دستوري مستقل، مع ترك جانب مهم من تنظيمه إلى القانون. وأوضحت أن الإحالة إلى القانون لا تعني منح المشرع سلطة إعادة تشكيل المحكمة أو الانتقاص من اختصاصاتها، وإنما تهدف إلى استكمال البناء المؤسسي للمحكمة في الحدود التي رسمها الإعلان الدستوري، بما يضمن قدرتها على أداء وظيفتها الدستورية.
كما خلصت الدراسة إلى أن المحكمة الدستورية العليا لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد جهة من جهات القضاء العادي، ولا بوصفها سلطة رابعة مستقلة عن السلطات الدستورية، وإنما باعتبارها هيئة قضائية دستورية مستقلة ذات وظيفة دستورية عليا، تستمد وجودها واختصاصها مباشرة من الإعلان الدستوري، وتمارس رقابتها على أعمال السلطات العامة جميعها، بما يكفل حماية الشرعية الدستورية وترسيخ مبدأ سيادة القانون.
وفيما يتعلق بالاختصاصات، أوضحت الدراسة أن الرقابة على دستورية القوانين تمثل جوهر عمل المحكمة، إلا أن وظيفتها لا تقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى تفسير نصوص الإعلان الدستوري، والفصل في المنازعات الدستورية، بما يسهم في توحيد تفسير النصوص الدستورية وتحقيق الأمن القانوني. وفي المقابل، أكدت الدراسة ضرورة التمييز بين الرقابة على الدستورية والرقابة على الملاءمة، التزاماً بمبدأ الفصل بين السلطات، وحرصاً على عدم تحول المحكمة إلى فاعل سياسي أو مشرع بديل.
وانتقلت الدراسة بعد ذلك إلى بيان متطلبات بناء المحكمة الدستورية العليا، فأكدت أن استقلال المحكمة لا يتحقق بالنصوص المجردة، وإنما بمنظومة متكاملة من الضمانات تشمل طريقة تشكيلها، وشروط عضوية قضاتها، واستقلالها المالي والإداري، وحصانة أعضائها، وحجية أحكامها، ووضوح إجراءاتها، مع ضرورة أن يراعي القانون المنظم للمحكمة خصوصية القضاء الدستوري، وألا يعاملها معاملة المحاكم العادية.
ومن أهم النتائج التي انتهت إليها الدراسة أن المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية ينبغي النظر إليها بوصفها إحدى مؤسسات المرحلة الانتقالية، لا مجرد محكمة دستورية بالمعنى التقليدي. فالمرحلة الانتقالية تفرض على المحكمة وظائف إضافية تتمثل في حماية استمرارية الشرعية الدستورية، وضبط العلاقة بين السلطات الانتقالية، ومنع الفراغ الدستوري، وضمان احترام الحقوق والحريات في ظل التدابير الاستثنائية، والمساهمة في بناء الاجتهاد الدستوري الذي سيشكل المرجعية القانونية للدستور الدائم. وبهذا المعنى، فإن المحكمة لا تكتفي بتطبيق الإعلان الدستوري، بل تسهم في ترسيخ الثقافة الدستورية وبناء الثقة في مؤسسات الدولة.
كما كشفت الدراسة المقارنة أن النماذج المصرية والفرنسية والألمانية، على الرغم من نجاح كل منها في بيئته الدستورية، لا يمكن نقل أي منها إلى الحالة السورية بصورة حرفية، لأن كل نموذج ارتبط بظروف تاريخية وسياسية ودستورية خاصة. ولذلك فإن القيمة الحقيقية للمقارنة لا تكمن في استنساخ المؤسسات، وإنما في استلهام المبادئ التي أثبتت نجاحها، وإعادة تكييفها بما يتفق مع خصوصية النظام الدستوري السوري.
وانتهت الدراسة، في ضوء ذلك، إلى أن النموذج الأنسب للجمهورية العربية السورية يتمثل في نموذج قضائي دستوري مختلط، يستفيد من مركزية المحكمة وتنظيم الدعوى الدستورية في التجربة المصرية، ومن التوازن المؤسسي والجمع بين الرقابة السابقة واللاحقة في التجربة الفرنسية، ومن الضمانات الواسعة لاستقلال المحكمة والاجتهاد المتقدم في حماية الحقوق الأساسية في التجربة الألمانية، مع إعادة دمج هذه العناصر في إطار وطني يستجيب لمتطلبات المرحلة الانتقالية السورية، ولا يخل بخصوصية بنيتها الدستورية.
وتبرز الإضافة العلمية لهذه الدراسة في أنها لم تقتصر على تحليل النصوص الدستورية أو عرض التجارب المقارنة، وإنما سعت إلى تقديم تصور متكامل لبناء المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية، من خلال بيان موقعها ضمن النظام الدستوري، وتحليل دورها خلال المرحلة الانتقالية، واستخلاص النموذج المقارن الأنسب لتنظيمها، ثم اقتراح مجموعة من المبادئ التشريعية التي يمكن أن تشكل أساساً للقانون المنظم للمحكمة.
ويرى الباحث أن نجاح المحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية لن يتوقف على مقدار ما تستعيره من التجارب المقارنة، وإنما على قدرتها على تحويل هذه الخبرات إلى نموذج وطني يستجيب لخصوصية الدولة السورية. فالمقارنة لا تهدف إلى استنساخ المؤسسات، وإنما إلى استلهام المبادئ. ولذلك فإن النموذج المقترح في هذه الدراسة ليس نموذجاً مصرياً معدلاً، ولا مجلساً دستورياً فرنسياً، ولا محكمةً دستورية ألمانية مصغرة، وإنما نموذج سوري مستقل، يستند إلى الإعلان الدستوري، ويستفيد من أفضل ما استقرت عليه التجارب المقارنة، ويعيد تكييفها بما يتفق مع متطلبات المرحلة الانتقالية، ويؤسس منذ الآن للقضاء الدستوري الذي سيحمي الدستور الدائم مستقبلاً.
وأخيراً، فإن هذه الدراسة لا تدعي أنها تقدم تصوراً نهائياً أو كاملاً لتنظيم المحكمة الدستورية العليا، لأن بناء القضاء الدستوري عملية تراكمية تتطور مع تطور الممارسة الدستورية والاجتهاد القضائي. غير أنها تأمل أن تسهم في إثراء النقاش الأكاديمي والتشريعي حول المحكمة الدستورية العليا، وأن تمثل مرجعاً علمياً يمكن الإفادة منه عند إعداد القانون المنظم للمحكمة، بما يعزز بناء دولة القانون والمؤسسات، ويرسخ أسس النظام الدستوري السوري في مرحلته الانتقالية وما بعدها.
التوصيات
أولاً: التوصيات الدستورية
- تكريس المكانة الدستورية للمحكمة الدستورية العليا بوصفها هيئة قضائية دستورية مستقلة، تستمد وجودها واختصاصاتها مباشرة من الدستور، بما يضمن عدم المساس بوظيفتها أو الانتقاص من اختصاصاتها من خلال التشريع العادي.
- تأكيد مبدأ سمو الدستور بوصفه الأساس الذي تقوم عليه الرقابة الدستورية، مع النص صراحة على التزام جميع السلطات العامة بتنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا واحترام آثارها القانونية.
- الحفاظ على مبدأ الفصل بين السلطات من خلال تحديد اختصاصات المحكمة بصورة دقيقة، بما يمكنها من ممارسة الرقابة على دستورية التشريعات دون أن تتحول إلى جهة تمارس الرقابة على الملاءمة السياسية أو تحل محل السلطتين التشريعية والتنفيذية.
- تعزيز الدور الدستوري للمحكمة خلال المرحلة الانتقالية باعتبارها إحدى المؤسسات الضامنة لاستمرار الشرعية الدستورية، وضبط العلاقة بين السلطات العامة، وحماية الحقوق والحريات إلى حين استقرار النظام الدستوري الدائم.
ثانياً: التوصيات التشريعية
- الإسراع في إصدار القانون المنظم للمحكمة الدستورية العليا باعتباره الحلقة المكملة للإعلان الدستوري، على أن يراعي خصوصية القضاء الدستوري، وألا يقتصر على تنظيم الجوانب الإجرائية، بل يضع إطاراً متكاملاً لاستقلال المحكمة واختصاصاتها.
- النص على الضمانات الكاملة لاستقلال المحكمة، بما يشمل استقلالها المالي والإداري، وضمان عدم قابلية قضاتها للعزل إلا وفق حالات وإجراءات يحددها القانون، وبما يحفظ استقلالهم أثناء مباشرة مهامهم.
- اعتماد نظام متوازن لتشكيل المحكمة يحقق الاستقلال والتعدد، ويحول دون احتكار أي سلطة عامة لتكوينها، بما يعزز الثقة باستقلالها وحيادها.
- تنظيم طرق تحريك الرقابة الدستورية بصورة تحقق التوازن بين ضمان الوصول إلى المحكمة ومنع إساءة استعمال الدعوى الدستورية، مع تحديد إجراءات واضحة للدفع بعدم الدستورية والإحالة من المحاكم.
- النص على الحجية المطلقة لأحكام المحكمة وإلزام جميع السلطات العامة بتنفيذها، مع منح المحكمة صلاحية تنظيم الأثر الزمني لبعض أحكامها كلما اقتضت المصلحة الدستورية ذلك، حفاظاً على الأمن القانوني ومنع الفراغ التشريعي.
- وضع نظام إجرائي خاص بالمحكمة الدستورية العليا يراعي طبيعة المنازعة الدستورية، ويختلف عن القواعد العامة للإجراءات المدنية أو الجزائية، بما يحقق سرعة الفصل وجودة الأحكام.
ثالثاً: التوصيات المؤسسية
- وضع نظام داخلي متكامل للمحكمة ينظم توزيع العمل بين دوائرها، وإجراءات المداولة، وآليات إصدار الأحكام، ونشر المبادئ الدستورية التي تقررها.
- العمل على نشر الاجتهاد القضائي للمحكمة بصورة منتظمة من خلال إصدار مجموعة رسمية للأحكام والمبادئ الدستورية، بما يسهم في توحيد التفسير الدستوري وتعزيز الأمن القانوني.
- توفير برامج تدريب وتأهيل مستمر لقضاة المحكمة ومعاونيهم في مجال القضاء الدستوري المقارن، والاستفادة من الخبرات الدولية دون الإخلال باستقلال القضاء الوطني.
- تعزيز التواصل العلمي بين المحكمة والجامعات ومراكز البحوث القانونية من خلال المؤتمرات والدراسات والندوات المتخصصة، بما يسهم في تطوير الفقه الدستوري السوري.
رابعاً: التوصيات المتعلقة بالمرحلة الانتقالية
- مراعاة خصوصية المرحلة الانتقالية عند تنظيم المحكمة، بحيث تمنح الأدوات القانونية الكفيلة بحماية الشرعية الدستورية، دون أن يؤدي ذلك إلى توسيع اختصاصاتها بما يمس مبدأ الفصل بين السلطات.
- إسناد دور محوري للمحكمة في حماية الحقوق والحريات عند النظر في دستورية التشريعات الصادرة خلال المرحلة الانتقالية، بما يضمن التوازن بين متطلبات الأمن والاستقرار واحترام الحقوق الدستورية.
- تمكين المحكمة من الفصل في المنازعات الدستورية بين السلطات العامة متى كان ذلك ضرورياً لضمان حسن سير مؤسسات الدولة ومنع تعارض الاختصاصات خلال المرحلة الانتقالية.
- الاستفادة من التجارب الدستورية المقارنة عند إعداد القانون المنظم للمحكمة، ولا سيما التجارب المصرية والفرنسية والألمانية، مع إعادة تكييف المبادئ المستفادة منها بما يتفق مع خصوصية البيئة الدستورية السورية، بعيداً عن النقل الحرفي لأي نموذج أجنبي.
خامساً: التوصية الختامية
- يوصي الباحث بأن يشكل القانون المنظم للمحكمة الدستورية العليا نقطة الانطلاق الفعلية لبناء القضاء الدستوري في الجمهورية العربية السورية، وأن يستند إلى رؤية وطنية تستفيد من التجارب المقارنة دون أن تستنسخها، بما يضمن إنشاء محكمة دستورية مستقلة وفعالة، قادرة على حماية الشرعية الدستورية خلال المرحلة الانتقالية، وترسيخ المبادئ التي سيقوم عليها النظام الدستوري الدائم.
"واستكمالاً لما انتهت إليه الدراسة من توصيات تشريعية، يقترح الباحث فيما يأتي مجموعة من المبادئ الأساسية التي يمكن أن تشكل إطاراً استرشادياً للقانون المنظم للمحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية."
ملحق: المبادئ الأساسية المقترحة للقانون المنظم للمحكمة الدستورية العليا في الجمهورية العربية السورية
الباب الأول
الأحكام العامة
المادة (1) إنشاء المحكمة وطبيعتها القانونية
المحكمة الدستورية العليا هيئة قضائية دستورية مستقلة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وتباشر اختصاصاتها باستقلال تام وفقاً لأحكام الدستور والقانون، وتتولى حماية سمو الدستور وضمان احترام أحكامه وصيانة الشرعية الدستورية.
المادة (2(رسالة المحكمة
تهدف المحكمة الدستورية العليا إلى حماية مبدأ سمو الدستور، وصون الحقوق والحريات الدستورية، وضمان خضوع جميع السلطات العامة لأحكام الدستور، وترسيخ مبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات.
المادة (3( استقلال المحكمة
تمارس المحكمة اختصاصاتها باستقلال كامل، ولا يجوز لأي سلطة أو جهة أو شخص التدخل في أعمالها أو التأثير في قضاتها أو أحكامها أو إجراءاتها بأي صورة كانت.
ويعد كل تدخل في شؤون المحكمة أو التأثير على قضاتها مخالفاً لمبدأ استقلال القضاء، ويترتب عليه المسؤولية وفقاً للقانون.
المادة (4( اختصاص المحكمة
تعد المحكمة الدستورية العليا الجهة القضائية الوحيدة المختصة بالفصل في المنازعات الدستورية، ولا يجوز إنشاء أي جهة أخرى تمارس الاختصاصات المقررة لها بموجب الدستور أو القانون.
المادة (5( مقر المحكمة
يكون المقر الرئيس للمحكمة الدستورية العليا في العاصمة دمشق.
ويجوز للمحكمة، عند الضرورة، أن تعقد جلساتها في أي مكان آخر داخل أراضي الجمهورية العربية السورية بقرار من رئيسها.
المادة (6( لغة المحكمة
اللغة العربية هي اللغة الرسمية للمحكمة.
ويجوز للمحكمة الاستعانة بالترجمة أو بالخبراء عند الاقتضاء وفقاً للقانون.
المادة (7( استقلال الموازنة
تكون للمحكمة الدستورية العليا موازنة مستقلة تدرج رقماً واحداً ضمن الموازنة العامة للدولة، وتتولى المحكمة إدارة شؤونها المالية والإدارية وفقاً للقانون.
المادة (8( النظام الداخلي
تضع المحكمة نظامها الداخلي، الذي ينظم سير العمل فيها، وتوزيع القضايا، وإجراءات المداولة، وإدارة الجلسات، وتنظيم أجهزتها الإدارية والفنية، وذلك بما لا يتعارض مع أحكام الدستور أو هذا القانون.
المادة (9( علانية أعمال المحكمة
تكون جلسات المحكمة علنية، ويجوز عقدها بصورة سرية إذا اقتضت المصلحة الدستورية أو النظام العام أو حماية الخصوصية ذلك، ويصدر القرار بأغلبية أعضاء المحكمة.
وتكون مداولات المحكمة في جميع الأحوال سرية.
المادة (10( المبادئ الحاكمة لعمل المحكمة
تلتزم المحكمة عند مباشرتها اختصاصاتها بالمبادئ الآتية:
- سمو الدستور.
- سيادة القانون.
- استقلال القضاء.
- الفصل بين السلطات.
- حماية الحقوق والحريات العامة.
- الأمن القانوني.
- استقرار الاجتهاد القضائي.
- علنية الأحكام وشفافية القضاء.
الباب الثاني
تشكيل المحكمة وضمانات أعضائها
المادة (11( تشكيل المحكمة
تتألف المحكمة الدستورية العليا من رئيس ونائب للرئيس وعدد من الأعضاء، ويحدد القانون عددهم بما يكفل حسن سير العمل وتحقيق التوازن في تشكيل المحكمة.
ويراعى عند تشكيل المحكمة تنوع الخبرات القضائية والدستورية والفقهية بما يضمن كفاءة المحكمة واستقلالها.
المادة (12( شروط العضوية
يشترط فيمن يعين عضواً في المحكمة الدستورية العليا أن:
- يكون سورياً متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية.
- يكون مشهوداً له بالنزاهة والاستقلال وحسن السيرة.
- يكون من ذوي الكفاءة والخبرة في القضاء أو القانون الدستوري أو الفقه القانوني.
- ألا يكون قد صدر بحقه حكم مبرم في جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة، ما لم يرد إليه اعتباره.
- تتوافر فيه الشروط الأخرى التي يحددها القانون.
المادة (13( معايير اختيار الأعضاء
يراعى في اختيار أعضاء المحكمة تحقيق أعلى درجات الكفاءة والاستقلال والخبرة القانونية، ويقوم الاختيار على أسس موضوعية بعيدة عن الاعتبارات الحزبية أو السياسية أو الشخصية.
المادة (14( أداء اليمين
قبل مباشرة مهامهم يؤدي رئيس المحكمة وأعضاؤها اليمين الآتية:
"أقسم بالله العظيم أن أحترم الدستور والقانون، وأن أؤدي عملي بالأمانة والاستقلال والحياد، وأن أحكم بالعدل، والله على ما أقول شهيد."
المادة (15( مدة العضوية
تكون مدة عضوية رئيس المحكمة وأعضائها طويلة بما يكفل استقرار المحكمة واستقلالها.
ويفضل أن تكون مدة العضوية غير قابلة للتجديد، وذلك ضماناً لاستقلال القاضي الدستوري وعدم تأثره باعتبارات إعادة التعيين.
المادة (16(نتهاء العضوية
تنتهي العضوية في إحدى الحالات الآتية:
- انتهاء مدة العضوية.
- الوفاة.
- الاستقالة المقبولة.
- فقدان أحد شروط العضوية.
- العجز الصحي الدائم المثبت أصولاً.
- العزل وفقاً لأحكام هذا القانون.
المادة (17( عدم القابلية للعزل
لا يجوز عزل رئيس المحكمة أو أي من أعضائها إلا في حالات الإخلال الجسيم بواجبات الوظيفة أو فقدان أحد شروط العضوية، وبقرار يصدر وفق الإجراءات والضمانات التي يحددها القانون، وبعد تمكين العضو من ممارسة حق الدفاع.
المادة (18( الحصانة الوظيفية
لا يسأل رئيس المحكمة أو أي من أعضائها مدنياً أو جزائياً أو تأديبياً عما يصدر عنه من آراء أو أحكام أو مداولات أثناء ممارسته وظيفته القضائية، وذلك دون الإخلال بأحكام المسؤولية في حالات الغش أو الفساد أو الجرائم التي يحددها القانون.
المادة (19( عدم قابلية النقل
لا يجوز نقل رئيس المحكمة أو أي من أعضائها إلى وظيفة أخرى أو إنهاء خدمته قبل انتهاء مدة عضويته إلا في الحالات التي ينص عليها هذا القانون.
المادة (20( التفرغ
يتفرغ رئيس المحكمة وأعضاؤها لممارسة مهامهم القضائية، ولا يجوز لهم الجمع بين عضوية المحكمة وأي وظيفة عامة أو عمل مهني أو نشاط قد يؤثر في استقلالهم أو حيادهم، وذلك وفقاً لما يحدده القانون.
المادة (21( حالات عدم الجمع
لا يجوز لعضو المحكمة طوال مدة عضويته:
- الانتماء إلى أي حزب سياسي.
- ممارسة التجارة أو أي نشاط ربحي.
- تولي أي منصب تنفيذي.
- ممارسة المحاماة أو تقديم الاستشارات القانونية الخاصة.
- ممارسة أي عمل من شأنه المساس باستقلال المحكمة أو هيبتها.
المادة (22( واجب التحفظ
يلتزم رئيس المحكمة وأعضاؤها بالمحافظة على استقلال القضاء وهيبة المحكمة، والامتناع عن الإدلاء بتصريحات أو مواقف تتعلق بالقضايا المنظورة أمام المحكمة أو تمس حيادها.
المادة (23(الذمة المالية
يلتزم رئيس المحكمة وأعضاؤها بتقديم إقرار بالذمة المالية عند مباشرة مهامهم وعند انتهاء عضويتهم، وذلك وفقاً للقانون.
المادة (24( الاستقلال المالي والإداري
يكون للمحكمة جهاز إداري مستقل، ويعين أمين عام للمحكمة يتولى إدارة شؤونها الإدارية والمالية تحت إشراف رئيس المحكمة.
المادة (25(الضمانات المؤسسية
تكفل الدولة جميع الضمانات اللازمة لحماية استقلال المحكمة الدستورية العليا، وتلتزم بتوفير الموارد البشرية والمالية والفنية التي تمكنها من أداء اختصاصاتها بكفاءة واستقلال.
المادة (25( حماية استقلال المحكمة
يحظر على أي سلطة أو جهة أو شخص، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، التدخل في أعمال المحكمة الدستورية العليا أو التأثير في قضاتها أو ممارسة أي ضغط عليهم أو محاولة التأثير في إجراءاتها أو مداولاتها أو أحكامها.
وتلتزم جميع سلطات الدولة باحترام استقلال المحكمة وتمكينها من ممارسة اختصاصاتها بحرية واستقلال، ويعاقب القانون كل فعل من شأنه المساس باستقلال المحكمة أو عرقلة قيامها بمهامها أو الامتناع عن تنفيذ أحكامها.
الباب الثالث
اختصاصات المحكمة الدستورية العليا
المادة (27( الاختصاصات الدستورية
تمارس المحكمة الدستورية العليا اختصاصاتها المنصوص عليها في الدستور وهذا القانون، ولا يجوز التوسع في تفسير هذه الاختصاصات أو الانتقاص منها إلا بتعديل دستوري.
المادة (28( الرقابة على دستورية التشريعات
تختص المحكمة بالفصل في دستورية:
- القوانين.
- المراسيم التشريعية.
- الأنظمة واللوائح التي لها قوة القانون.
- النصوص التشريعية الأخرى التي يحددها الدستور أو القانون.
المادة (29( تفسير الدستور
تختص المحكمة بتفسير نصوص الدستور بناءً على طلب الجهات التي يحددها الدستور أو القانون، ويكون تفسيرها ملزماً لجميع السلطات العامة.
المادة (30( الفصل في المنازعات الدستورية
تختص المحكمة بالفصل في المنازعات ذات الطبيعة الدستورية بين السلطات العامة متى نص الدستور أو القانون على اختصاصها بذلك.
المادة (31( حماية الحقوق والحريات
تراعي المحكمة، عند ممارسة اختصاصاتها، المبادئ الدستورية المتعلقة بحماية الحقوق والحريات العامة، وتفسر النصوص الدستورية بما يحقق أكبر قدر من الحماية لهذه الحقوق، في الحدود التي يسمح بها الدستور.
المادة (32( حدود الرقابة الدستورية
تنحصر رقابة المحكمة في مدى مطابقة النصوص القانونية للدستور، ولا تمتد إلى تقدير ملاءمة التشريعات أو تقييم السياسات العامة، ما لم يترتب عليها مخالفة دستورية.
المادة (33( الامتناع عن الحلول محل السلطات الدستورية
تمارس المحكمة الدستورية العليا اختصاصاتها في الحدود التي رسمها الدستور والقانون، ولا يجوز لها أن تحل محل السلطتين التشريعية أو التنفيذية في ممارسة اختصاصاتهما، أو أن تمارس رقابة على ملاءمة الخيارات التشريعية أو السياسية، ويقتصر دورها على التحقق من مدى توافقها مع أحكام الدستور
المادة (34( المبادئ الدستورية
تعتمد المحكمة، عند تفسيرها للدستور، على:
- نصوص الدستور.
- وحدة البناء الدستوري.
- المبادئ العامة للقانون.
- مبادئ الدولة الديمقراطية وسيادة القانون.
- اجتهادها القضائي المستقر.
المادة (35( الاجتهاد القضائي
تلتزم المحكمة بتحقيق استقرار الاجتهاد الدستوري، ولا يجوز العدول عن مبدأ دستوري مستقر إلا بقرار مسبب يصدر بأغلبية موصوفة يحددها النظام الداخلي للمحكمة.
المادة (36( أثر التفسير الدستوري
يكون التفسير الصادر عن المحكمة جزءاً من القاعدة الدستورية الواجبة التطبيق، ويلتزم به جميع القضاة والسلطات العامة.
المادة (37( مبدأ التناسب
تلتزم المحكمة، عند رقابتها على القيود الواردة على الحقوق والحريات، بمراعاة مبدأ التناسب، بحيث يكون أي قيد ضرورياً ومناسباً لتحقيق الغاية الدستورية المشروعة، وألا يجاوز ما تقتضيه تلك الغاية.
هذه المادة من أهم المواد المقترحة، لأنها تستفيد من القضاء الدستوري الألماني والأوروبي، وتضيف أداة حديثة للقضاء الدستوري السوري.
المادة (38( احترام السلطة التقديرية للمشرع
تحترم المحكمة السلطة التقديرية للمشرع في اختيار الوسائل التشريعية المناسبة لتحقيق المصلحة العامة، ولا تبطل التشريع إلا إذا ثبتت مخالفته للدستور.
المادة (39( حدود الرقابة على السلطة التأسيسية
لا تمتد رقابة المحكمة إلى أعمال السلطة التأسيسية الأصلية، وتمارس رقابتها على السلطة التأسيسية الفرعية في الحدود التي يرسمها الدستور.
المادة (40( المبادئ الحاكمة لاختصاص المحكمة
تلتزم المحكمة عند ممارسة اختصاصاتها بالمبادئ الآتية:
- سمو الدستور.
- استقلال القضاء.
- الفصل بين السلطات.
- الأمن القانوني.
- حماية الحقوق والحريات.
- احترام الإرادة الدستورية للمشرع.
- عدم الحلول محل السلطات العامة.
الباب الرابع
إجراءات الدعوى الدستورية
المادة (41( طرق اتصال المحكمة بالدعوى الدستورية
تباشر المحكمة الدستورية العليا اختصاصها وفق طرق الاتصال التي يحددها الدستور وهذا القانون، وتشمل بوجه خاص:
- الإحالة من المحاكم.
- الدفع بعدم الدستورية.
- الطلبات الدستورية المقدمة من الجهات التي يحددها الدستور.
- أي طريق آخر يقرره الدستور أو القانون.
المادة (42( الإحالة من المحاكم
إذا تراءى لأي محكمة أثناء نظر نزاع يدخل في اختصاصها أن الفصل فيه يتوقف على مدى دستورية نص قانوني واجب التطبيق، جاز لها أن توقف الدعوى وتحيل المسألة الدستورية إلى المحكمة الدستورية العليا بقرار مسبب.
المادة (43( الدفع بعدم الدستورية
يجوز لأي من الخصوم أن يدفع بعدم دستورية النص الواجب التطبيق على النزاع.
فإذا قدرت المحكمة المنظور أمامها النزاع أن الدفع جدي ومنتج في الفصل في الدعوى، أوقفت السير فيها، وحددت للخصم أجلاً لرفع الدعوى أمام المحكمة الدستورية العليا وفق الإجراءات التي يحددها القانون.
المادة (44( شرط المصلحة
لا تقبل الدعوى الدستورية إلا إذا كان الفصل في المسألة الدستورية لازماً للفصل في النزاع الموضوعي، وتوافرت للمدعي مصلحة شخصية ومباشرة.
المادة (45( شكل صحيفة الدعوى
تقدم الدعوى الدستورية بصحيفة مكتوبة تتضمن:
- اسم مقدمها وصفته.
- النص المطعون فيه.
- النصوص الدستورية المدعى بمخالفتها.
- أوجه المخالفة الدستورية.
- الطلبات.
وتحدد اللائحة التنفيذية البيانات والإجراءات الأخرى.
المادة (46( قيد الدعوى
يقيد قلم المحكمة الدعوى في سجل خاص بحسب ترتيب ورودها، ويخطر ذوو الشأن بميعاد الجلسة الأولى.
المادة (47( تمثيل الخصوم
يجوز للخصوم الحضور بأنفسهم أو بواسطة محامٍ، وذلك وفقاً للقواعد التي يحددها القانون.
المادة (48( تدخل الغير
يجوز للمحكمة أن تقبل تدخل كل ذي مصلحة مباشرة في الدعوى إذا رأت أن الفصل فيها قد يؤثر في مركزه القانوني.
المادة (49( الخبرة
للمحكمة، من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب أحد الخصوم، أن تستعين بمن تراه من الخبراء أو المختصين أو تطلب الرأي العلمي من الجهات الأكاديمية أو البحثية، كلما كان ذلك لازماً للفصل في الدعوى.
المادة (50( علانية الجلسات
تعقد المحكمة جلساتها علناً.
ولها، بقرار مسبب، أن تعقد الجلسة أو جزءاً منها بصورة سرية إذا اقتضى ذلك النظام العام أو الأمن الوطني أو حماية الحياة الخاصة.
المادة (51( المداولة
تكون مداولات المحكمة سرية، ولا يجوز لأي عضو الإفصاح عما دار فيها.
المادة (52( إصدار الأحكام
تصدر الأحكام باسم الشعب، وتكون مسببة، وتشتمل على الوقائع والأسباب والمنطوق.
المادة (53( نشر الأحكام
تنشر الأحكام النهائية الصادرة عن المحكمة في الجريدة الرسمية، كما تنشر في الموقع الإلكتروني الرسمي للمحكمة متى أنشئ.
المادة (54( تصحيح الأخطاء
يجوز للمحكمة، من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب ذوي الشأن، تصحيح الأخطاء المادية البحتة التي تقع في أحكامها أو قراراتها، دون المساس بمضمون الحكم.
المادة (55( مراجعة الأحكام
لا تقبل أحكام المحكمة أي طريق من طرق الطعن.
ولا يجوز إعادة النظر فيها إلا لتصحيح الأخطاء المادية أو في الحالات التي ينص عليها الدستور صراحة.
المادة (56( أولوية الفصل في الدعاوى الدستورية
مع مراعاة ترتيب قيد الدعاوى، يجوز للمحكمة أن تقرر نظر بعض الدعاوى على وجه الاستعجال إذا تعلقت بما يأتي:
- حماية الحقوق والحريات الأساسية المكفولة دستورياً.
- الفصل في المنازعات المتعلقة باختصاصات السلطات الدستورية.
- الطعون التي يترتب على الفصل فيها أثر مباشر في استقرار النظام الدستوري أو انتظام سير مؤسسات الدولة.
- الحالات الأخرى التي ترى المحكمة أنها تقتضي سرعة الفصل تحقيقاً لمقتضيات العدالة الدستورية.
ويصدر قرار نظر الدعوى على وجه الاستعجال بقرار مسبب من المحكمة، ولا يخل ذلك بضمانات المحاكمة العادلة أو بحقوق الدفاع.
المادة (57( الوسائل الإلكترونية
يجوز للمحكمة، وفقاً لما يحدده نظامها الداخلي، استخدام الوسائل الإلكترونية في قيد الدعاوى، وتبادل المذكرات، وإعلان الخصوم، ونشر الأحكام، وأرشفة الملفات، بما يضمن سلامة الإجراءات وسريتها وحماية البيانات.
الباب الخامس
الأحكام وآثارها
المادة (58( نهائية الأحكام
تصدر أحكام المحكمة الدستورية العليا نهائية وباتة، ولا تقبل أي طريق من طرق الطعن المنصوص عليها في القوانين الإجرائية، وتكون واجبة الاحترام والتنفيذ من تاريخ صدورها، ما لم تقرر المحكمة خلاف ذلك وفقاً لأحكام هذا القانون.
المادة (59( حجية الأحكام
تكون الأحكام والقرارات التفسيرية الصادرة عن المحكمة الدستورية العليا ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة، وتتمتع بالحجية المطلقة في المسائل الدستورية التي فصلت فيها.
المادة (60( أثر الحكم بعدم الدستورية
إذا قضت المحكمة بعدم دستورية نص تشريعي، اعتبر هذا النص غير قابل للتطبيق اعتباراً من تاريخ نشر الحكم في الجريدة الرسمية، ما لم تحدد المحكمة تاريخاً آخر لسريان أثر الحكم.
المادة (61( تنظيم الأثر الزمني
يجوز للمحكمة، إذا اقتضت المصلحة الدستورية أو الأمن القانوني أو استقرار المراكز القانونية، أن تحدد في حكمها تاريخاً آخر لسريان آثاره، على أن يكون ذلك بقرار مسبب.
المادة (62( الحقوق المكتسبة
يراعى عند تحديد آثار الحكم عدم المساس بالحقوق المكتسبة أو بالمراكز القانونية التي استقرت بحكم نهائي، وذلك ما لم تقتضِ أحكام الدستور أو طبيعة المخالفة الدستورية خلاف ذلك.
المادة (63( تنفيذ الأحكام
تلتزم جميع السلطات العامة والأشخاص الاعتباريين بتنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا فور صدورها، ويعد الامتناع عن تنفيذها أو تعطيل آثارها مخالفة دستورية تستوجب المسؤولية وفقاً للقانون.
المادة (64( نشر الأحكام
تنشر جميع الأحكام والقرارات التفسيرية الصادرة عن المحكمة في الجريدة الرسمية، ويجوز نشرها في وسائل النشر الرسمية الأخرى، وتعد حجة على الكافة من تاريخ نشرها.
المادة (65( المبادئ الدستورية
تعمل المحكمة على استخلاص المبادئ الدستورية التي تقررها في أحكامها، ويجوز إصدار مجموعة رسمية دورية تتضمن هذه المبادئ بهدف توحيد الاجتهاد وتعزيز الأمن القانوني.
المادة (66( العدول عن الاجتهاد
إذا رأت المحكمة العدول عن مبدأ دستوري سبق أن استقر عليه قضاؤها، وجب أن يكون الحكم مسبباً، وأن يبين أسباب العدول ومقتضياته، تحقيقاً لاستقرار الاجتهاد القضائي والأمن القانوني.
المادة (67( تفسير الأحكام
يجوز لكل ذي مصلحة أن يطلب من المحكمة تفسير منطوق أحد أحكامها إذا شابه غموض أو لبس يؤثر في تنفيذه، ولا يجوز أن يترتب على التفسير تعديل الحكم أو المساس بحجيته.
المادة (68( تصحيح الأخطاء المادية
للمحكمة، من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب ذوي الشأن، تصحيح ما يقع في أحكامها من أخطاء مادية أو حسابية بقرار يصدر في غرفة المذاكرة، ويعد القرار جزءاً متمماً للحكم الأصلي.
المادة (69( حفظ السوابق القضائية
تنشئ المحكمة سجلاً رسمياً لاجتهادها الدستوري، يتضمن المبادئ التي تقررها وأحكامها النهائية، ويكون متاحاً للسلطات العامة والباحثين، وفقاً للضوابط التي يحددها النظام الداخلي.
المادة (70( التقارير السنوية للمحكمة
تصدر المحكمة الدستورية العليا تقريراً سنوياً يتضمن عرضاً لأهم أحكامها ومبادئها الدستورية، والصعوبات العملية التي واجهتها في تطبيق القانون، وأي مقترحات تراها لازمة لتطوير التشريع الدستوري أو تعزيز ضمانات استقلال القضاء الدستوري، دون المساس باستقلالها أو بحجية أحكامها.
كلمة الباحث
تأتي هذه الدراسة في مرحلة مفصلية من التاريخ الدستوري للجمهورية العربية السورية، بالتزامن مع إنشاء المحكمة الدستورية العليا، وفي وقت لا يزال فيه القانون المنظم لها قيد الإعداد. وقد حاول الباحث من خلال هذه الدراسة أن يقدم معالجة علمية تجمع بين التحليل الدستوري، والدراسة المقارنة، والرؤية التطبيقية، انطلاقاً من قناعة مؤداها أن بناء المحكمة الدستورية لا يقتصر على إصدار النصوص القانونية، وإنما يتطلب ترسيخ ثقافة دستورية تؤمن باستقلال القضاء وسيادة القانون.
وإذا كانت هذه الدراسة قد انتهت إلى تقديم نموذج مقترح لتنظيم المحكمة الدستورية العليا، فإنها لا تدعي احتكار الحقيقة، وإنما تأمل أن تسهم في إثراء النقاش الأكاديمي والتشريعي، وأن تمثل مرجعاً علمياً يمكن الإفادة منه في بناء القضاء الدستوري السوري خلال المرحلة الانتقالية وما بعدها.
المحامي فراس حاج يحيى: باحث قانوني وسياسي
قائمة المراجع
أولاً: المراجع العربية
- المر، عوض، الرقابة القضائية على دستورية القوانين في ملامحها الرئيسية، مركز رينيه جان دبوي للقانون والتنمية، القاهرة.
- متولي، عبد الحميد، القانون الدستوري والأنظمة السياسية، منشأة المعارف، الإسكندرية.
- ليلة، محمد كامل، النظم السياسية: الدولة والحكومة، دار النهضة العربية، القاهرة.
ثانياً: المراجع باللغة الفرنسية
- Favoreu, Louis et al., Droit constitutionnel, Dalloz, Paris.
- Kelsen, Hans, « La garantie juridictionnelle de la Constitution (La justice constitutionnelle) », Revue du droit public et de la science politique en France et à l'étranger, 1928.
- Lambert, Édouard, Le gouvernement des juges et la lutte contre la législation sociale aux États-Unis, Marcel Giard, Paris, 1921.
- Rousseau, Dominique, Droit du contentieux constitutionnel, LGDJ, Paris.
- Troper, Michel, Le gouvernement des juges, Presses Universitaires de France ).
ثالثاً: المراجع باللغة الإنجليزية
- Alexy, Robert, A Theory of Constitutional Rights, Oxford University Press, Oxford, 2002.
- Cappelletti, Mauro, Judicial Review in the Contemporary World, Bobbs-Merrill, Indianapolis, 1971.
- Ginsburg, Tom, Judicial Review in New Democracies: Constitutional Courts in Asian Cases, Cambridge University Press, Cambridge, 2003.
- Kelsen, Hans, General Theory of Law and State, Harvard University Press, Cambridge, Massachusetts, 1945.
- Stone Sweet, Alec, Governing with Judges: Constitutional Politics in Europe, Oxford University Press, Oxford, 2000.
- Bruce Ackerman, The Future of Liberal Revolution, Yale University Press, 1992
- Bruce A. Ackerman The Future of Liberal Revolution
رابعاً: الوثائق الدستورية والقوانين
- الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية لعام 2025.
- دستور الجمهورية العربية السورية لعام 2012 (كلما اقتضت المقارنة).
- دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1958.
- دستور جمهورية مصر العربية.
- القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية (Grundgesetz).
- قانون المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية (Bundesverfassungsgerichtsgesetz).
- المرسوم رقم (149) لعام 2026 المتعلق بتعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا وتحديد مهامها المؤقتة.
خامساً: الأحكام القضائية
- المجلس الدستوري الفرنسي، القرار رقم 71-44 DC بتاريخ 16 تموز/يوليو 1971 (حرية تكوين الجمعيات(.
- أحكام المحكمة الدستورية العليا المصرية المتعلقة باستقلال المحكمة وحجية أحكامها.
- أحكام المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية المتعلقة بالرقابة على التعديلات الدستورية ومبدأ الدولة الدستورية.
سادساً: المواقع الإلكترونية الرسمية
- الموقع الرسمي للمجلس الدستوري الفرنسي.
- الموقع الرسمي للمحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية.
- الموقع الرسمي للمحكمة الدستورية العليا المصرية.
4 .البوابة الرسمية للتشريعات الفرنسية (Légifrance).
[1] عبد الحميد متولي، القانون الدستوري والأنظمة مع المقارنة بالمبادئ الدستورية في الشريعة الإسلامي ، منشأة المعارف، الإسكندرية، ص 15–21 (مرجع باللغة العربية(.
[2] هانس كلسن، La garantie juridictionnelle de la Constitution (La justice constitutionnelle)، Revue du droit public et de la science politique en France et à l'étranger، vol. 45, n°2، 1928، ص 198–205 (المرجع باللغة الفرنسية)..
[3] دومينيك روسو، Droit du contentieux constitutionnel، LGDJ، باريس، أحدث طبعة، الفصل الأول (المرجع باللغة الفرنسية)؛ وماورو كابيليتي، Judicial Review in the Contemporary World، Bobbs-Merrill، 1971، الفصل الأول (المرجع باللغة الإنجليزية
[4] توم غينسبرغ، Judicial Review in New Democracies: Constitutional Courts in Asian Cases، Cambridge University Press، 2003، المقدمة والفصل الأول (المرجع باللغة الإنجليزية(
[5] دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1958، المواد 61 و61-1 و62؛
[6] المجلس الدستوري الفرنسي، القرار رقم 71-44 DC الصادر بتاريخ 16 تموز/يوليو 1971، المتعلق بقانون حرية تكوين الجمعيات (الكتلة الدستورية). متاح على موقع ليجيفرانس الرسمي )الوثائق باللغة الفرنسية( ٫ https://www.legifrance.gouv.fr/cons/id/CONSTEXT000017665605
[7] الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية، الصادر بتاريخ 13 آذار/مارس 2025، دخل حيز التنفيذ في 16 آذار/مارس 2025. الرابط المباشر للنص الكامل (موسوعة الجزيرة(٫ https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2025/3/14/%D9%86%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-2025
[8] عبد الحميد متولي، القانون الدستوري والأنظمة السياسية، منشأة المعارف، الإسكندرية. (المرجع باللغة العربية(
[9] هانس كيلسن، "الضمانة القضائية للدستور (القضاء الدستوري)"، مجلة القانون العام والعلوم السياسية في فرنسا والخارج (RDP)، 1928، ص 197–257. السجل الأكاديمي:
Hans Kelsen, " La garantie juridictionnelle de la ... - Sign@l
[10] لوي فافورو وآخرون، القانون الدستوري، دار دالوز، باريس. المرجع على موقع الناشر الرسمي: https://www.editions-dalloz.fr/droit-constitutionnel-25103.html ٫ دومينيك روسو وآخرون، قانون القضاء الدستوري (قانون المنازعات الدستورية)، دار LGDJ، سلسلة دومات للقانون العام، باريس. المرجع في الفهرس الأكاديمي الموحد: https://www.sudoc.fr/172029333
[11] الدستور الفرنسي الصادر في 4 أكتوبر/تشرين الأول 1958، المواد 56 و61 و61-1 و62 (متاح على: https://www.legifrance.gouv.fr/loda/id/JORFTEXT000000571356/ ٫ ؛ قرار المجلس الدستوري الفرنسي رقم 71-44 DC الصادر في 16 تموز/يوليو 1971 المتعلق بحرية تكوين الجمعيات (متاح على: https://www.legifrance.gouv.fr/cons/id/CONSTEXT000017665605
[12] دستور جمهورية مصر العربية لسنة 2014 والمعدل بسنة 2019، الفصل الرابع: المحكمة الدستورية العليا، المواد (191–195(٫ متوفر علي الرابط التالي: https://www.constituteproject.org/constitution/Egypt_2019.pdf?lang=ar
[13] قانون المحكمة الدستورية العليا المصرية، رقم 48 لسنة 1979 والتعديلات اللاحقة عليه، الجريدة الرسمية، العدد 23 (مكرر)، الصادر في 9 يونيو 1979. متوفر على الرابط التالي:
https://manshurat.org/node/63719
[14] د. عوض المر، الرقابة القضائية على دستورية القوانين في ملامحها الرئيسية، منشورات مركز رينيه جان دوبوي للقانون والتنمية، القاهرة.
[15]مرجع سابق٫ الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية الصادر بتاريخ 13 آذار/مارس 2025، المادة (47(.
[16] مرجع سابق ٫ الدستور الفرنسي.
[17] مرجع سابق٫ الدستور المصري.
[18] المرسوم رقم (149) لعام 2026 المتعلق بتعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا وتحديد مهامها المؤقتة إلى حين صدور القانون المنظم لآلية عملها واختصاصاتها ٫ متوفر على الرابط التالي: https://syrianmemory.org/archive/documents/6a4e9825850e69edf4ee2191
[19] عوض المر، الرقابة القضائية على دستورية القوانين في ملامحها الرئيسية، مركز رينيه جان دبوي للقانون والتنمية، القاهرة.
[20] هانس كلسن، «الضمانة القضائية للدستور: العدالة الدستورية»، مجلة القانون العام والعلوم السياسية في فرنسا والخارج، 1928.
[21] ماورو كابيليتي، الرقابة القضائية في العالم المعاصر، دار بوبس-ميريل، إنديانابوليس، 1971. السجل الرقمي المتاح على الأرشيف الأكاديمي: https://archive.org/details/judicialreviewin0000maur_m5c5
[22] دستور جمهورية مصر العربية الصادر سنة 2014 والمعدل سنة 2019، المواد (191–195)؛ وقانون المحكمة الدستورية العليا رقم (48) لسنة 1979. (
[23] لويس فافور وآخرون، القانون الدستوري، دار دالوز، باريس. دومنيك روسو، قانون المنازعات الدستورية، دار LGDJ، باريس
[24] دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1958، المواد (56–63).
[25] المجلس الدستوري الفرنسي، القرار رقم (71-44 DC) الصادر بتاريخ 16 تموز/يوليو 1971، بشأن حرية تكوين الجمعيات.
[26] قانون المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية (BVerfGG)، المادة 1 والمادة 31. متاح على موقع التشريعات الألماني الرسمي: https://www.gesetze-im-internet.de/bverfgg/__31.html
https://www.gesetze-im-internet.de/bverfgg/__1.html
[27] دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1958، المادة (56)، المتعلقة بعدد أعضاء المجلس الدستوري.
[28] قانون المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية، المادة (1(.
[29] دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1958، المادة (56(
[30] دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1958، المادة (57(.
[31] قانون المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية، المادة (1(.
[32] دستور جمهورية جنوب أفريقيا المؤقت رقم 200 لسنة 1993، المادة 71 والجدول رقم 4 المتعلق بالمبادئ الدستورية الملزمة متاح على الرابط التالي: https://www.gov.za/documents/constitution/constitution-republic-south-africa-act-200-1993-repealed-28-jan-1994
[33] المحكمة الدستورية في جنوب أفريقيا، قضية منظمة شعوب أزانيا وآخرين ضد رئيس جمهورية جنوب أفريقيا وآخرين، رقم CCT 17/96، حكم صادر في 25 تموز/يوليو 1996، بشأن دستورية أحكام العفو في إطار الحقيقة والمصالحة. (الحكم باللغة الإنجليزية : https://www.justice.gov.za/trc/legal/azapo.htm?utm_source=chatgpt.com
[34] الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية الصادر بتاريخ 13 آذار/مارس 2025، المادة (47)؛ والمرسوم رقم (149) لعام 2026
[35] هانس كلسن، "الضمانة القضائية للدستور (القضاء الدستوري)"، مجلة القانون العام والعلوم السياسية في فرنسا والخارج (RDP)، 1928، ص 197–257. السجل الأكاديمي: https://signal.sciencespo-lyon.fr/article/907166/Hans-Kelsen--La-garantie-juridictionnelle-de-la-Constitution--RDP-1928-p-197-a-257
[36] دستور الجمهورية الفرنسية الصادر سنة 1958، المواد (61)، (61-1)، (62)؛ دستور جمهورية مصر العربية الصادر سنة 2014 والمعدل سنة 2019، المادة (192)؛ عوض المر، الرقابة القضائية على دستورية القوانين في ملامحها الرئيسية.
[37] دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1958، المادة (61(.
[38] دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1958، المادة (61-1)، المضافة بالتعديل الدستوري الصادر في 23 تموز/يوليو 2008 .
[39] دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1958، المادة (62).
[40] المرجع السابق نفسه.
[41]وزارة العدل الاتحادية الألمانية، قانون المحكمة الدستورية الاتحادية (BVerfGG)، الترجمة الإنجليزية الرسمية (ترجمة: كريستيان توموشات، ديفيد كوري، ودونالد كومرز)، المنشور على البوابة التشريعية الرسمية..
[42] المرسوم رقم (149) لعام 2026 المتعلق بتعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا وتحديد مهامها المؤقتة.
[43] قانون المحكمة الدستورية العليا المصرية رقم (48) لسنة 1979، المادة (26)، المتعلقة باختصاص المحكمة بتفسير النصوص التشريعية إذا أثارت خلافاً في التطبيق وكانت لها أهمية تقتضي توحيد تفسيرها؛ والمحكمة الدستورية العليا المصرية، قرار التفسير الصادر في طلب التفسير رقم (2) لسنة 17 قضائية، جلسة 1 تموز/يوليو 1995.متوفر على الرابط التالي : https://www.sccourt.gov.eg/SCC/faces/Rules_Html/585_17_1_2_2.html?timestamp=1711357365962&utm_source=chatgpt.com
[44] القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، المادة (94)، وقانون المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية، المادة (31( .
[45] المرسوم رقم (149) لعام 2026 .
[46] لويس فافور وآخرون، القانون الدستوري، دار دالوز، باريس .
[47] دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1958، المادة (62)، المتعلقة بإلزام قرارات المجلس الدستوري للسلطات العامة والجهات الإدارية والقضائية؛ وقانون المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية، المادة (31)، المتعلقة بإلزام قرارات المحكمة للهيئات الدستورية والمحاكم والسلطات العامة ومنح بعض قراراتها قوة القانون.
[48] دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1958، المادة (62)، المتعلقة بسلطة المجلس الدستوري في تأجيل تاريخ إلغاء الحكم التشريعي غير الدستوري وتحديد أثر القرار في الأوضاع السابقة
[49] أليك ستون سويت، الحكم بواسطة القضاة: السياسة الدستورية في أوروبا، مطبعة جامعة أكسفورد، أكسفورد، 2000، متوفر على الرابط : https://global.oup.com/academic/product/governing-with-judges-9780198297307?cc=fr&lang=en&
[50] دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1958، المادتان (61) و(62(
[51] قانون المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية، المادة (31)، المتعلقة بإلزام قرارات المحكمة للهيئات الدستورية والمحاكم والسلطات العامة، ومنح بعض قراراتها قوة القانون.
[52] إدوار لامبير، حكومة القضاة ومكافحة التشريع الاجتماعي في الولايات المتحدة، باريس، 1921 متاح على الأرشيف الرقمي: https://books.openedition.org/psorbonne/80649
[53] ميشيل تروبير، "حكومة القضاة: دليل استعمال"، ضمن كتاب: حكومة القضاة: 1921–2001 (إشراف: باتريك غلين)، منشورات جامعة لافال، كيبك، 2006، ص 27–42. السجل الأكاديمي: https://books.openedition.org/psorbonne/80649
[54] المحكمة الدستورية لجمهورية جنوب أفريقيا، «ما المقصود بالفصل بين السلطات؟ متوفر على الرابط https://www.concourt.org.za/index.php/46-what-is-a-constitution/what-is-the-separation-of-powers/109-what-is-the-separation-of-powers
[55] هانس كلسن، نظرية القانون والدولة، وكذلك: عبد الحميد متولي، القانون الدستوري والأنظمة السياسية، (المرجع باللغة العربية في التمييز بين السلطة التأسيسية الأصلية والسلطة التعديلية.
[56] القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، المادة (79/الفقرة الثالثة) المتعلقة بما يعرف بـ بند الأبدية (Eternity Clause)، وأحكام المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية المتعلقة بالرقابة على التعديلات الدستورية.
[57] هانس كلسن، الضمانة القضائية للدستور: العدالة الدستورية، مجلة القانون العام والعلوم السياسية في فرنسا والخارج، 1928
[58] لويس فافور وآخرون، القانون الدستوري، دار دالوز، باريس، في الأجزاء المتعلقة بضمانات استقلال المجلس الدستوري وتشكيله.
[59]توم غينسبرغ، الرقابة القضائية في الديمقراطيات الجديدة: المحاكم الدستورية في التجارب الآسيوية، مطبعة جامعة كامبريدج، 2003، في تحليله لضمانات استقلال المحاكم الدستورية في الدول الانتقالية.
[60] دومينيك روسو، قانون المنازعات الدستورية، دار LGDJ، باريس، في الأجزاء المتعلقة بتنظيم الخصومة الدستورية وإجراءاته.
[61] لويس فافور وآخرون، القانون الدستوري، دار دالوز، باريس.
[62] عوض المر، الرقابة القضائية على دستورية القوانين في ملامحها الرئيسية، مركز رينيه جان دبوي للقانون والتنمية، القاهرة.
[63] توم غينسبرغ، الرقابة القضائية في الديمقراطيات الجديدة: المحاكم الدستورية في التجارب الآسيوية، مطبعة جامعة كامبريدج، 2003
[64] المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية، قانون المحكمة الدستورية الاتحادية.
[65] دومينيك روسو، قانون المنازعات الدستورية، دار LGDJ، باريس.
[66] توم غينسبرغ، الرقابة القضائية في الديمقراطيات الجديدة: المحاكم الدستورية في التجارب الآسيوية، مطبعة جامعة كامبريدج، 2003
[67] عوض المر، الرقابة القضائية على دستورية القوانين في ملامحها الرئيسية، مركز رينيه جان دبوي للقانون والتنمية، القاهرة
[68] توم غينسبرغ، الرقابة القضائية في الديمقراطيات الحديثة: المحاكم الدستورية في الحالات الآسيوية، مطبعة جامعة كامبريدج، كامبريدج، 2003.
[69] أليك ستون سويت، الحكم بواسطة القضاة: السياسة الدستورية في أوروبا، مطبعة جامعة أكسفورد، أكسفورد، 2000.
[70] هانس كلسن، الضمانة القضائية للدستور: العدالة الدستورية، مجلة القانون العام والعلوم السياسية في فرنسا والخارج، 1928
[71] توم غينسبرغ، الرقابة القضائية في الديمقراطيات الحديثة: المحاكم الدستورية في الحالات الآسيوية، مطبعة جامعة كامبريدج، كامبريدج، 2003.
[72] أليك ستون سويت، الحكم بواسطة القضاة: السياسة الدستورية في أوروبا، مطبعة جامعة أكسفورد، أكسفورد، 2000.
[73] هانس كلسن، "الضمانة القضائية للدستور (القضاء الدستوري)"، مجلة القانون العام والعلوم السياسية في فرنسا والخارج (RDP)، 1928، ص 197–257
[74] هاينز كلوغ، تأسيس الديمقراطية: القانون والعولمة وإعادة البناء السياسي في جنوب أفريقيا، مطبعة جامعة كامبريدج، كامبريدج، 2000.
[75] فرانسيسكو روبيو يورينتي، شكل السلطة: دراسات حول الدستور، مركز الدراسات السياسية والدستورية، مدريد، 1997.
[76] أليك ستون سويت، الحكم بواسطة القضاة: السياسة الدستورية في أوروبا، مطبعة جامعة أكسفورد، أكسفورد، 2000.
[77] توم غينسبرغ، الرقابة القضائية في الديمقراطيات الحديثة: المحاكم الدستورية في الحالات الآسيوية، مطبعة جامعة كامبريدج، كامبريدج، 2003.
[78] الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية الصادر بتاريخ 13 آذار/مارس 2025، المادة (47(،
[79] دستور جمهورية مصر العربية، المواد (191–195(
[80] قانون المحكمة الدستورية العليا المصرية رقم (48) لسنة 1979
[81] المحكمة الدستورية العليا المصرية، حكمها المتعلق بنطاق الرقابة على القوانين واللوائح، وتأكيدها أن الرقابة تمتد إلى النصوص التشريعية بالمعنى الموضوعي، سواء صدرت عن السلطة التشريعية أو التنفيذية. متوفر على الرابط : https://www.sccourt.gov.eg/SCC/faces/Rules_Html/12213_40_82_1_2.html
[82] قانون المحكمة الدستورية العليا المصرية رقم (48) لسنة 1979 .
[83] المحكمة الدستورية العليا المصرية، الحكم المتعلق بعدم دستورية بعض الأحكام المنظمة لانتخابات مجلس الشعب وما ترتب عليه من بطلان تكوين المجلس، مع المحافظة على الآثار القانونية السابقة حمايةً للاستقرار القانوني٫ متوفر على الرابط : https://www.sccourt.gov.eg/SCC/faces/Rules_Html/3752_34_20_1_2.html
[84] دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1958، المادة (56(
[85] دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 تشرين الأول/أكتوبر 1958، المادة (61(
[86] المرجع السابق نفسه.
[87] المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية، التنظيم الرسمي للمحكمة، المتعلق بتكوينها متوفر على الرابط: https://www.bundesverfassungsgericht.de/EN/TheFederalConstitutionalCourt/TasksOrganisation/tasksorganisation_node.html
[88] القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، المادة (93)، المتعلقة باستقلال المحكمة، وتكوينها، ومدة العضوية، وعدم جواز إعادة الانتخاب، وسلطتها في وضع نظامها الداخلي مترفر على الرابط : https://www.gesetze-im-internet.de/gg/BJNR000010949.html
[89] المرجع السابق نفسه .
[90] قانون المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية، المادة (31(
[91] · لويس فافورو ولويك فيليب، القرارات الكبرى للمجلس الدستوري، الطبعة 20، دار دالوز، سلسلة "القرارات الكبرى"، باريس، 2022.دومينيك روسو، بيير-إيف غادون، وجوليان بونيه، قانون المنازعات الدستورية، الطبعة 13، دار LGDJ، باريس، 2023.
[92] دستور جمهورية مصر العربية، المواد (191–195)؛ عوض محمد عوض المر، الرقابة القضائية على دستورية القوانين في ملامحها الرئيسية
[93] القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية الصادر بتاريخ 23 مايو/أيار 1949 (الدستور الألماني( قانون المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية (BVerfGG) المستبدل في 11 أغسطس/آب 1993 وتعديلاته.
[94] دومينيك روسو، بيير-إيف غادون، وجوليان بونيه، قانون المنازعات الدستورية، الطبعة 13، دار LGDJ، باريس، 2023.
[95] دستور الجمهورية الفرنسية لسنة 1958، المادة (56(.
[96] دونالد كوميرس ورسل ميلر، الاجتهاد القضائي الدستوري لجمهورية ألمانيا الاتحادية، الطبعة الثالثة، مطبعة جامعة ديوك، دورام ولندن، 2012.
[97] دستور جمهورية مصر العربية؛ عوض المر، المرجع السابق
[98] دستور الجمهورية الفرنسية، المادة (56(
[99] المادة 4 (§4) من قانون المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية (BVerfGG) الصادر بتاريخ 11 أغسطس/آب 1993 وتعديلات
[100] دستور الجمهورية الفرنسية، المادتان (61) و(61-1(
[101] قانون المحكمة الدستورية العليا المصرية رقم (48) لسنة 1979
[102] توم غينسبرغ، الرقابة القضائية في الديمقراطيات الحديثة: المحاكم الدستورية في الحالات الآسيوية، مطبعة جامعة كامبريدج، 2003؛ ودونالد كوميرس ورسل ميلر، الاجتهاد القضائي الدستوري لجمهورية ألمانيا الاتحادية، الطبعة الثالثة، مطبعة جامعة ديوك، 2012.
[103] دستور جمهورية مصر العربية، المادة (195)؛ دستور الجمهورية الفرنسية، المادة (62)؛المادة (§ 31) من قانون المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية (BVerfGG) الصادر عام 1993 وتعديلاته.
[104] لويس فافورو وآخرون، مرجع سابق؛ دونالد كوميرس ورسل ميلر، مرجع سابق؛ عوض المر، مرجع سابق
[105] هانس كلسن، "الضمانة القضائية للدستور (القضاء الدستوري)"، مجلة القانون العام والعلوم السياسية في فرنسا والخارج (RDP)، 1928، ص 197–257؛ ودومينيك روسو وآخرون، قانون المنازعات الدستورية، الطبعة 13، دار LGDJ، باريس، 2023
[106] لويس فافورو ولويك فيليب، القرارات الكبرى للمجلس الدستوري، الطبعة 20، دار دالوز، باريس، 2022؛ ودونالد كوميرس ورسل ميلر، الاجتهاد القضائي الدستوري لجمهورية ألمانيا الاتحادية، الطبعة الثالثة، مطبعة جامعة ديوك، دورام ولندن، 2012.
[107] توم غينسبرغ، الرقابة القضائية في الديمقراطيات الحديثة: المحاكم الدستورية في الحالات الآسيوية، مطبعة جامعة كامبريدج، كامبريدج، 2003
[108] شيريل سوندرز، صناعة الدساتير في القرن الحادي والعشرين، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات (International IDEA) / المجلة الدولية للقانون، العدد 1، 2012؛ وتوم غينسبرغ، مرجع سابق.
[109] عوض المر، الرقابة القضائية على دستورية القوانين في ملامحها الرئيسية، مركز رينيه-جان دوبوي للقانون والتنمية، القاهرة؛ ودومينيك روسو، مرجع سابق؛ ودونالد كوميرس ورسل ميلر، مرجع سابق.
____________________________________________________________________
(للاطلاع على الدراسة كملف pdf يُرجى تحميل الملف المُرفق أسفل الصفحة)
---------------------------------------------------------------------------------------
الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2026