Syria Inside
السباق المحموم شرق الفرات

السباق المحموم شرق الفرات

الكاتب: حمود عبد العزيز الكروم

تاريخ النشر: 2019/11/13

 

كانت الولايات المتحدة الأمريكية، ومازالت تعتبر نفسها صمام الأمان في كافة أماكن النزاعات في العالم كما تقول، وأن مهمتها حفظ الأمن والسلم الدوليين.

وفي حال كانت هذه الاعتبارات لديها أم لم تكن، فإنه أمرٌ واقعٌ، وعلى الجميع أن يُنَفذ ما يُملى عليه من الإدارة الأمريكية، راغبًا أو مكرهًا، أحيانا في السياسة، وبليّ الذراع أحياناً أخرى.

 

بعد أن أعلنت تركيا عن العملية العسكرية شرق الفرات وحددت اسمها وأهدافها وخط سيرها، وبعد الحصول على الضوء الأخضر الأمريكي غير المعلن، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 7 أكتوبر / تشرين الأول بسحب قواتها من نقاطها العسكرية، في مدينتي تل أبيض بريف الرقة غربا، ورأس العين بريف الحسكة شرقا، وإخلاء منطقةٍ بطول نحو 120 كيلومتراً.

وكان هذا التصرف الأمريكي إيذانا لتركيا ببدء عمليتها العسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" ، والسماح بدخول القوات التركية والجيش الوطني كي لا يحصل أي اصطدام بينهما، وذلك وفق تفاهمات تم الاتفاق عليها بين الأتراك والأمريكيين.

 

 ومع بدء الأعمال العسكرية لعملية نبع السلام بتاريخ 9 أكتوبر / تشرين الأول، وتمكن تركيا والجيش الوطني خلالها من التقدم باتجاه العمق السوري، وفي أعقاب ثلاثة أيامٍ من بدء العملية، اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية تركيّا بأن قواتها استهدفت القوات الأمريكية في مدينة عين العرب بقذائف صاروخية، ولكن القوات التركية نفت ذلك، وبعد يومين على حادثة الاتهام والمشادّة بينهما، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بسحب قواتها المتواجدة في المدينة ومحيطها وإخلاء كافة مواقعها، وخاصة قاعدة (خراب عشك) ومن ثم أغارت عليها طائراتها ودمرتها بالكامل.

تم تفسير هذا العمل على أنه تمهيد الطريق وإفساحه أمام القوات التركية لدخول المدينة، وطرد قوات سوريا الديمقراطية منها.

 

على الفور، استشعرت "قوات سوريا الديمقراطية" الخطر، وسارعت لعقد صفقة مع "نظام الأسد" لإدخاله الى مدينة عين العرب، كي يكون دِرْعًا أمام تقدم القوات التركية والجيش الوطني.

 

وبتاريخ 16 أكتوبر/ تشرين الأول تم الإعلان عن دخول قوات النظام الى المدينة، وكان هذا الإعلان يخالف الواقع على الأرض، فلم تدخل أي قواتٍ للنظام الى المدينة، ولكن كان هناك عدة عناصر بأعدادٍ قليلةٍ تمكنوا بمساعدة "قوات سوريا الديمقراطية" من الوصول الى المدخل الغربي للمدينة، ورفعوا أعلام النظام بدلا من أعلام "قوات سوريا الديمقراطية" (عملية فبركة) للضغط على الجانب التركي، ولإدارة اللعبة بإتقان، وخشية الاصطدام بين قوات الأسد والجيش التركي.

 

تم في اليوم التالي التوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار لمدة /120/ ساعة بين الجانبين الأمريكي والتركي، ريثما تتمكن "قوات سوريا الديمقراطية" من سحب قواتها على طول الحدود السورية ـ التركية بعمق 20 ميلاً.

 

وقد كان الانسحاب الأمريكي بمثابة ضوء أخضر ثانٍ للقوات التركية لدخول المدينة، ولكن الرؤية كانت ضبابية وغير واضحة، بل ومريبة ومثيرة للشك بالنسبة للجانب التركي، وتوقفوا عن التقدم باتجاه العمق السوري وفق ما خططوا له خوفا من فخٍّ قد يكون الجانب الأمريكي نصبه لهم، وقاموا بالتواصل مع الجانب الروسي لسدّ الثغرة التي تركها الأمريكان، وفعلا سارعت روسيا بالدخول الى المدينة، ورغم استعجالهم إلا أنهم كانوا مرتابين من الموقف الأمريكي، وقاموا بالدفع بميليشيات النظام للدخول الى المدينة، حيث تعتبر روسيا بأن لا مشكلة لديها في مقتل هذه الميليشيات، كما اعتبرها الروس بأنها فرصة ذهبية لعقد صفقة جديدة ومساومات مع الأتراك، تعطيهم أوراقًا جديدةً في سوريا.

 

كما أن المليشيات الإيرانية لم تتجرأ على الدخول والمشاركة مع قوات النظام، واستشعروا بوجود شيء غريب، وفضلوا الانتظار ريثما تنقشع غمامة الانسحاب الأمريكي، على مبدأ ما يربحه الشريك فنحن شركاء فيه، ولنا حصة في كل ما يسيطر عليه النظام من دون تعب أو دماء، واستطاعت روسيا الدخول على خط اللعب مباشرة وعقدت صفقة جديدة مع تركيا بتاريخ 22 أكتوبر/ تشرين الأول، تم بموجبها تمديد الهدنة /150/ ساعة أخرى، كما تم استثناء مدينة القامشلي وعين العرب من المنطقة الآمنة، ومُنحت روسيا بموجبه امتيازات جديدة في سوريا لم تكن تحلم بها.

 

ووصفت الولايات المتحدة الاتفاق بأن فيه الكثير من الثغرات (الولايات المتحدة غير راضية عن الاتفاق) الذي بموجبه ستُسلّمُ إدارة عين العرب إلى الروس والنظام (هذا يغضب الولايات المتحدة) ولكن المواقف المتناقضة للولايات المتحدة جعلت الأتراك يقفزون الى الحضن الروسي من جديد، ويترددون في دخول المدينة على رأي المثل القائل: "قد يفوتك من الكاذب صدق كثير"، وبذلك يكون الأتراك قد أضاعوا فرصة يمكن ألا تتكرر.

 

وأمام هذه اللوحة الجديدة التي بدأت ترسمها روسيا شمال شرق سوريا، أعلنت الولايات المتحدة عن العودة الى المنطقة لخلط الأوراق وقلب الطاولة على الروس والنظام، تحت عدة عناوين منها (حماية آبار النفط ـ الحفاظ على شركائهم الأكراد ـ محاربة تنظيم داعش)

 

ويوم الجمعة 25أكتوبر/ تشرين الأول وصلت طلائع القوات العسكرية الأمريكية البالغ عددها /500/ عنصر مجهزين بكافة صنوف الأسلحة، بما فيها الدبابات الهجومية نوع (أبرامز) وأعادوا انتشارهم في المنطقة، ويوم الخميس 31 أكتوبر / تشرين الأول عادوا الى قاعدتهم في بلدة صرين (مطاحن صرين) شرق الفرات، على الطريق الدولي M4 جنوب عين العرب بنحو 30 كم وذلك بعد طرد القوات الروسية منها، وتعتبر هذه القاعدة أكبر قاعدة للتحالف شرق الفرات.

وبدأوا بتسيير أول دورية أمريكية بمرافقة قوات سوريا الديمقراطية، وطالبوا القوات الروسية والميليشيات المرافقة لها بإخلاء المدينة خلال فترة زمنية محددة.

 

ولكن ما لبثت القوات في المكان الأخير (قاعدة صرين) حوالي /60/ ساعة، ثم غادرت المنطقة بالكامل باتجاه مدينة الحسكة.

 

القول الفصل للولايات المتحدة الأمريكية، ولن تسمح لروسيا بأن تأخذ راحتها في سوريا إلا بمقدار ما تسمح به لها، ولن تسمح لها بالخروج من سوريا منتصرة، هذا تاريخ العلاقات الأمريكية الروسية، فالولايات المتحدة دائما تُخرجُ روسيا من حلبة الصراع خاسرة بالضربة القاضية، فمن هي الذراع التي ستستخدمها الولايات المتحدة في سوريا؟

 

لعبة عض الأصابع لم تعد تُفِدْ كافة اللاعبين في سوريا عامةً، وشرق الفرات خاصة، فالولايات المتحدة تُعوِّل على دور كردي (سياسي ـ عسكري) في المنطقة، بعد ما فشلت عملية نبع السلام في تحقيق أهدافها المرجوّة، باستثناء تقطيع أواصر الدولة الكردية المزعومة، بسبب إدخال الروسي على خط اللعب والذي ساعد على تعقيد الأمور بدلا من حلحلتها.

 

مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة

-------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2019

 

 

 

Follow Us on Facebook

Newsletter


Follow Us on Twitter

2015 © Copyrights reserved for Syria Inside for studies and researches