Syria Inside
المواطنة في الإسلام.. دراسة مقارنة مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

المواطنة في الإسلام.. دراسة مقارنة مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

المواطنة في الإسلام
دراسة مقارنة مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

 

الكاتب: الباحث رشيد حوراني
تاريخ النشر: 2020/04/01 م

 

المقدمة

انكبّ المسلمون في وقت مبكر على كتب اليونان وترجمتها ودراستها، وكانت تلك الكتب كافية أن تغريهم بعلم السياسة ومواضيعه وتحببه إليهم، إلا أن حظ العلوم السياسية في حركتهم العلمية تلك كان قليلا، إذا ما قورن بغيرها من العلوم، فلم يقفوا كثيرا عند كتاب "الجمهورية" لأفلاطون؛ أو كتاب "السياسة" لأرسطو[1] ، بينما مزجوا علوم الدين بما وجد في فلسفة اليونان من خير وشر، خاصة أن الإغريق أول من توصلوا إلى مفهوم المواطنة، وحق الفرد في المشاركة السياسية في مجتمع دولة "المدينة" التي تُعد الممارسة الديمقراطية لأثينا نموذجا عنها.  

 

أدّت التحولات الاجتماعية والسياسية منذ عهد الإغريق وصولاً إلى ولادة الدولة الحديثة في القرن الثامن عشر، وحتى التاريخ المعاصر إلى تطور تدريجي لمفهوم المواطنة وآليات تطبيقه، وتَطور كمًّا ونوعا من خلال ارتباطه بالتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية، والظروف المحيطة من حيث "الزمان والمكان" بكل أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأيديولوجية والتربوية، نظرا لآثارها الإيجابية المتمثلة في التفاعل الإيجابي بين المواطنين بسبب الشعور بالإنصاف والمشاركة الفعلية.

 

تُجمِعُ كل من دائرة المعارف البريطانية وموسوعة الكتاب الدولي وموسوعة كولير الأمريكية على تعريف المواطنة بأنها: عضوية كاملة تنشأ من علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات كدفع الضرائب والدفاع عن البلد، وبما تمنحه من حقوق كحق التصويت وحق تولي المناصب العامة في الدولة[2]. ويتجلى تعريف المواطنة في الفكر العربي المعاصر فيما ذكره د. برهان غليون في كتابه "نقد السياسة والدين والدولة ص146" بأنها تحالف يقوم على رفض التمييز بين أناس أحرار وممارسة حقوقهم المواطنية بصرف النظر عن درجة إيمانهم. وفي كتب ومؤلفات أخرى من قبيل "مواطنون لا رعايا" لمؤلِفه خالد محمد، و"مواطنون لا ذميون" لفهمي هويدي.

 

بما أن الفيلسوف الألماني كارل شميت، اعتبر أن مدخل شعوب الغرب إلى الحداثة وثمارها العلمية والسياسية كالمواطنة والديمقراطية، فهل يمكن أن يكون الإسلام مدخلا للحداثة والتطور؟! أو هل تتناقض قيم الديمقراطية والمواطنة مع الإسلام وتعاليمه؟ على اعتبار أنه جمع في منظومة واحدة متماسكة بين ضمير الإنسان ونظامه الاجتماعي، بين المادي والروحي والدنيوي والأخروي[3] ، وينعكس عمق قيمه في الوجدان والثقافة.

 

 نسلط في هذا البحث الضوء على موقع المواطنة في بناء الدولة وضرورتها، وما يمكن أن تواجهها من تحديات، وما تحتاجه من أدوات لتحقيقها، وأين تلتقي وأين تفترق مع ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟ ومفهومها في أدبيات بعض حركات الإسلام السياسي في ضوء ما تشهده المنطقة من صراع بيّن بين تيارين؛ الأول يدعو لاعتماد نموذج الدولة الغربية الحديثة، والثاني يدعو إلى الحفاظ على هوية الأمة وثوابت دينها من خلال التزاوج مع ما أنتجته الحضارة الغربية.

 

أولا: المواطنة كضرورة وحاجة لبناء الدولة المدنية "الحديثة"

تعد المواطنة كقيمة عليا تُرتب على الفرد حقوق وواجبات في إطار علاقة تبادلية يحددها العقد الاجتماعي أو القانون (الدستور)، الذي يربط الفرد بوطنه؛ رهينةً لقدرة البناء السياسي على الاستجابة للبناء الاجتماعي الاقتصادي، ومن ثم توافر القدرة لدى المواطن على ممارستها وبالتالي تعزيزها في المجتمع، ويرتبط ذلك بقدرة وسائل الإعلام الحديثة على الاقتراب من قضايا المجتمع و تمثيلها من وجهة نظر الجماهير وليس عبر منظور النظام القائم[4] ، لتحقيق تحول المجتمعات نحو الحداثة والديمقراطية الحقيقية، لأن الوعي بمقومات المواطنة، وما يتبعه من إحساس بالمسؤولية والتزام بالواجبات نحو الوطن، يتم اكتسابه بالتأهيل الاجتماعي، الأسري، وبتدخل المجتمع المدني والمؤسسات السياسية ووسائل الإعلام، وبالمناهج المدرسية، حيث يتم إعداد الطفل من المهد، مواطنا قادرا على المشاركة الفاعلة، في خدمة وطنه، قادرا على تحمل مسؤوليات هذه المشاركة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا وبيئيا.

 

تتجلى أهمية المواطنة وتتبلور كضرورة وحاجة لبناء الدولة الحديثة نظرا لـ:

  • ارتباطها بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمواطنين، حيث تشمل الحقوق المدنية والسياسية كل ما يهدف إلى تأمين سلامة الإنسان المادية والمعنوية، والحماية من التمييز، والمشاركة في ممارسة السلطة كمرشح أو ناخب، وتَوفر الرقابة والمساءلة المتبادلة بين مؤسسات النظام السياسي، بينما تضم الحقوق الاقتصادية حق المواطن في مستوى معيشة لائق، والحق في الضمان الاجتماعي، أما الحقوق الثقافية والاجتماعية تعني المشاركة في حياة المجتمع وهويته الثقافية والاجتماعية، وهي تؤثر على الجوانب الحياتية المختلفة للفرد، وتطويره لقدراته وتحقيقه لذاته، وتعتبر الحقوق القانونية الضمانة الحقة لتنمية الممارسة السياسية السلمية البعيدة عن العنف، وإدارة أوجه الخلاف ديمقراطيا[5]، وهنا لا بد من الإشارة أن العملية السياسية والمشاركة فيها لا يمكن أن تتحقق مالم تكن مسبوقة بتأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والقانونية.

  • ونظرا لعلاقتها الوثيقة بالنظام الديمقراطي الذي يستمد شرعيته من المواطنين، وتكون المواطنة الحقّة مقدمة له باعتبار الديمقراطية طريقة للحياة يستطيع كل فرد أن يتمتع بتكافؤ الفرص عندما يشارك في الحياة الاجتماعية.

  • وأصبحت المواطنة هي الآلية للحد من الصراعات الإثنية، والعرقية، والاجتماعية، على قاعدة مبدأي عدم التميز والمساواة، وأصبح من غير الغريب أن تجد مجتمعاً متعدد الأعراق والأصول كفئة موحدة وفق منظومة من البنى القانونية، والمفاهيم الاجتماعية والقيمية التي تشترط عدم التميز والمساواة في الحقوق والواجبات، ما أدى إلى إنهاء مفهوم العنصرية الذي أصبح مفهوماً مثيراً للاشمئزاز للإنسان، وتعزز من خلال كفاح الشعوب ضد أنظمة الاستعمار من أجل إزالة نظام التمييز العنصري كما حصل في كفاح شعب جنوب إفريقيا، وكذلك عبر حركة الحقوق المدنية والتي عبر عنها "مارتن لوثر كنج" في الولايات المتحدة الأمريكية، التي أفضت إلى إلغاء كل القوانين العنصرية بحق السود الذين كان يتم التعامل معهم بوصفهم كائنات إنسانية من الدرجة الثانية أو الثالثة[6] .

  • وفي سبيل تحقيق المواطنة تم إلغاء العديد من القوانين والإجراءات التمييزية بحق النساء، وأصبح الكثير منهن يتبوأن مراكز قيادية في الكثير من الأحزاب أو النقابات، أو يصبحن أعضاء برلمان، أو حتى رؤساء دول؛ واستطاعت الحركة النسوية العالمية تحقيق إنجازات رائعة على هذا الصعيد، كما حققت فئات اجتماعية كانت محرومة ومقهورة كثيراً من الإنجازات على صعيد حقوقها ومنها الحركة العمالية على سبيل المثال؛ وقد تعزز ذلك عن طريق المواثيق الدولية الكثيرة التي ضمنت حقوق العمال[7] ، حيث انتصر الزعيم "لولا" في البرازيل وهو قائد عمالي ونقابي سابق وأصبح رئيساً للدولة البرازيلية.

بناءً على ما سبق نرى العلاقة الوثيقة بين المواطنة والدولة الحديثة، ولذلك فإن النخب السياسية في منطقتنا إن أرادت الاستقرار لا بد لها من الشروع بالإصلاحات السياسية الشاملة التي ترسي دعائم المواطنة، والدولة الملتحمة في خياراتها وقراراتها الاستراتيجية مع خيارات مجتمعها، لأنها "المواطنة" هي قاعدة التضامن والتماهي الجماعي ومصدر الحرية، كقيمة مؤسسة وغاية للجميع، وكل فرد معا.

ثانيا: العقبات التي تقف في وجه تحقيق المواطنة

أدى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948، وكذلك العهدين الحقوقيين الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وكذلك السياسي والمدني، اللذين صدرا عن الأمم المتحدة عام 1966، إلى ترسيخ قيم ومفاهيم جديدة تستند إلى منطق المواطنة، وعدم التمييز والمساواة في كل التعاملات المجتمعية في نفس الدولة، وجعلت ما يميز دور الفرد هو فاعليته في تقدم المجتمع من خلال الأحزاب السياسية أو النقابات المهنية أو المنظمات الأهلية التي يمارس بها المواطن دوره وفاعليته ونشاطه ومشاركته في الحياة الاجتماعية الوطنية العامة على قدم المساواة مع الآخرين، أن تحقيق المواطنة الحقة، المبنية على احترام حرية المواطن وحقوقه، وتأمين العدالة الاجتماعية للجميع، وسبل بناء التناغم بين أبناء الشعب الواحد يعترضها جملة من التحديات. 

يمثل الوعي الديمقراطي والإلمام بالثقافة الديمقراطية واحدا من أهم مظاهر الفعالية السياسية، ويلعب دورا هاما في النشاط السياسي والاجتماعي للأفراد، وتأثير المواطنين في صياغة السياسة العامة، حيث يعتبر علماء الاجتماع أن الثقافة السياسية من أهم وسائل التأثير في الفعل الاجتماعي وتحقيق المواطنة، وفي الموقف السياسي الذي يتخذه الأفراد تجاه القضايا العامة والمواقف المتعلقة بما ينبغي أن تقوم به الحكومة، وكيف تقوم به وطبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، وبشكل عام يرتبط تطور الوعي الديمقراطي بتطور الممارسة الديمقراطية ففي المجتمعات الغربية تطورت الممارسة الديمقراطية والتي تشمل التمسك بحق الانتساب الحر لمختلف المنظمات والهيئات السياسية والاجتماعية، والاشتراك بفعالية في مختلف آليات الديمقراطية بدءا من المدرسة وصولا إلى التصويت في البرلمان ومنصب رئيس الدولة، وممارسة منظمات المجتمع المدني للديمقراطية في هياكلها الداخلية؛ وهو الأمر الذي يؤثر على السلوك الحياتي لأغلب الأفراد[8]، ودون تحقيق ذلك نكون أمام حالة تتمثل في انخفاض ميول المجتمع نحو العمل الاجتماعي بشكل عام، والعمل السياسي بشكل خاص، والميل للاستئثار بالسطلة التي تكون مدخلا للتمييز بين المواطنين، ومدى نيلهم حقوقهم الفردية والسياسية وتسبب تداعيات اجتماعية خطيرة تكون في مقدمتها ضرب التجانس الوطني بين أفراد الشعب ومكوناته.

 

يقول الفيلسوف السياسي "سلافوج جيجيك" في كتابه "دليل المنحرفين للإيديولوجيا" أن الدولة المستبدة تخلق عدوا داخليا وخارجيا وتبدأ بتخويف مواطنيها منه، وتعطي قناعة بأن النسيج الاجتماعي لن يتناغم إلا إذا تم إقصاء هذا العدو المتخيل من خلالها "الدولة المستبدة" وتعمل جاهدة لإقناع الشعب بأن المشاكل المتأصلة في المجتمع تحدث نتيجة وجود ذلك العدو الدخيل، ويصل الأمر أن تصور الآخر أنه منحرف يحاول أن يسرق ثرواتنا ويحتل أرضنا ويعكر حياتنا، وعليه فإن النظام السوري استثمر في العدو الإسرائيلي كعدو خارجي كغيره من الأنظمة العربية، ورفع شعار التحرير من دون تلبية متطلبات عناصر القوة (الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، الثقافية، العسكرية) وصدر نفسه بوصفه ضامنًا لأمن المجتمع، ومرجعًا يهرع إليه الجميع[9]، حيث فرق بين العرب والأكراد؛ واستشعر الأكراد بأن العرب هم أصحاب الحظوة وسارقو حقوقهم في الوطن عندما استثمر النظام ردات الفعل العفوية التي صدرت منهم ردا على أحداث الشغب التي اندلعت في العام 2004 في القامشلي، وعمل على تعبئتهم ضد شركائهم في الوطن من خلال تحريض الحزبيين لهم.
وسخّر إعلامه الرّسمي في العام 2000م لتكريس صورة مفادها بأنّ ما يجري في السويداء هو أحداث شغب بين البدو وأهل السويداء، حتى صار الإعلام المحلي والدولي يطلق عليها اسم "أحداث البدو"، كل ذلك أدى إلى تعميق الشروخ بين القوميات والإثنيات العرقية من جهة، وبين الإثنيات الدينية والطوائف من جهة أخرى. وانعكس هذا التمزيق والتّدمير الممنهج للنّسيج الاجتماعي على مكوّنات المجتمع السوري بشكل عام وبروز الانتماءات ما قبل الوطنية "الطائفية والمناطقية والعشائرية" وعلى الثورة والمعارضة التي فقد الجميع فيها الثّقة بالجميع.

 

ويعتبر عدم اهتمام التربية والمناهج التعليمية بالإضاءة على الإرث المتنوع داخل الوطن وعلى تقديم قراءة شاملة للتاريخ الوطني والذاكرة الجمعية، واستخدام العنف بكل أشكاله المعنوية والمادية التي تصل إلى الحروب الأهلية، وضعف ثقافة الحوار، والانتماءات الضيقة، تحديات تواجه تحقيق المواطنة والمساواة بين المواطنين.

 

ثالثا: المواطنة في فكر بعض الحركات أو الأحزاب الإسلامية "الإخوان المسلمون في سورية – حركة النهضة في تونس – العدالة والتنمية في تركيا – الشيعة الإمامية"

تُعد صحيفة المدينة التي كتبها النبي محمد صلى الله عليه وسلم دستورا تاريخيا، وبموجبها أصبحت المدينة دولة وفاقية، وكفلت جميع الحقوق الإنسانية كحق الاعتقاد والمساواة والحياة، وأسست بشكل واقعي للمجتمع المدني كعقد اجتماعي مدني تم تاريخيا بين النبي وأهل المدينة بجميع مكوناتها الاجتماعية والعقدية، ولم تقم اعتبارا للفوارق العرقية أو الاجتماعية، ولم تضع الإسلام معيارا للانتماء للدولة بل الالتزام بشروط العقد الاجتماعي[10]، ومع صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948م ونشوء الدول الوطنية، وظهور الحركات السياسية يحمل بعضها توجها إسلاميا، سنعرض فيما سيأتي كيف تنظر تلك الحركات لمفهوم المواطنة من خلال الفكر السياسي الذي تخص نفسها به وفق ما جاء في أدبياتها أو آراء منظريها. 

 

كتب الباحث الإسلامي السوري د. منير محمد الغضبان مقالة تحت عنوان "مبدأ المواطنة عند الدكتور مصطفى السباعي" يقول فيها :على الرغم من كل ما كتب في المواطنة، فلا يزال الحديث عنها بحاجة إلى تأصيل وتعميق شرعي، والدكتور السباعي رحمه الله رائد من رواد هذا المبدأ، وفي الشأن السوري عاد فتثبّت في مؤتمر رابطة العلماء الذي عُقد في العام 1939م كان للسباعي الدور الكبير في صياغة بيانه، وضمن قراراته إذاعة بيان من أعمال المؤتمر وفي مقدّمته إعلان المبادئ الإسلامية بين المسلمين وبقيّة المواطنين وشجب الدعايات المشوّهة لسمعة الإسلام، وبهذه المادة مع غيرها من المواد أصبح عقد غير المسلمين مع المسلمين على أساس المواطنة والتساوي في الحقوق والواجبات، وإنهاء عقد الذمّة الذي قام في الأصل على المقاتلة بين المسلمين وغيرهم، معتبرا أن المواطنين من غير المسلمين ممّن لم يحاربوا الدولة لا تُفرَض عليهم الجزية، وهو ما فعله عمر بن الخطّاب مع نصارى تغلب[11].

 

بينما يعتبر راشد الغنوشي السياسي والمفكر الإسلامي التونسي، وزعيم حركة النهضة التونسية أن مواطنة غير المسلم تظل ذات خصوصية لا ترتفع إلا بدخوله الإسلام، أي يظل متمتعا بحرية لا يتمتع بها غير المسلم؛ تتعلق بحياته الشخصية في أكله وشربه وزواجه محروما من حقوق يتمتع بها المسلم كتولي مواقع رئيسة في الدولة، وهنا ترسم حقوق غير المسلم حدودا واضحة لأي طموح سياسي كبير له في الدولة[12]، مخالفا بذلك ما تتطلع إليه الدول والشعوب، كما اعتبر أن الارتباط بين الدولة القومية والعلمانية والديمقراطية من جهة، والمواطنة من جهة أخرى  مجرد حدث غربي، وأن الغرب اعتاد في بحثه للظواهر الاجتماعية أن ينطلق من مسلّمة مركزيته الكونية، فما يصح في تاريخه ومجتمعاته يصح قانونا للبشرية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، علما أن المواطنة إذا كانت قد تحققت في التجربة الغربية فتلك واقعة وليست قانون، لأنها قد تحققت قبل ذلك على نحو أو آخر في سياق التجربة الإسلامية[13].

 

وعرض الكتاب المعنون بـ "التجربة النهضوية التركية" للكاتب التركي محمد زاهد جول، كيف اعتمد الحزب الحاكم النهج الفكري البراغماتي والمرن في المواءمة بين المرجعية الدينية وقواعد الدولة الحديثة على قاعدة رؤية شمولية وجذرية تضع الإنسان في صلب العملية التنموية، بوصفه محركها الحيوي، وهدفها في الآن ذاته جاعلا من العلمانية حرية ومساواة، ومن المواطنة انتماء وعطاء، ومن الإجماع دستورا، دون أن يجعل من العلمانية الأوروبية مرجعا قطعيا، وإنما عدها دعوة إلى العلم وتحرير تفكير الإنسان وعقله ورفض الأفكار التي تلغي حرية الإنسان وتحرمه من عقله وتمنعه من اتباع العلم واكتشاف الحياة وتسخيرها لمصلحة الإنسان[14]

 

وفي إيران التي تعتمد التراث السياسي والفكري للشيعة الإمامية، فإنها تقر بـ "رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين" بما تضمنته من حقوق للفرد على أنها الأصل في بناء مجتمع مدني حضاري متماسك وقوي، حيث بينت فيها العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وأن الحقوق بينهما متبادلة وليست اعتباطية؛ ومحكومة بضوابط شرعية وقانونية، إلا أن المراجع والمنظرين الشيعة اعتبروا أنه لا مواطنة بدون تربية مواطنية[15]، الهدف منها تخدير العقول والسيطرة عليها باسم الدين والنصوص.   

 

بشكل عام يمكن القول أن مفهوم المواطنة لم يأخذ حظه من الاهتمام كأولوية فكرية وسياسية واجتماعية لدى معظم الحركات الإسلامية، وربما يعود ذلك للظروف التاريخية لنشوئها، وما أعطته من أولوية للقضايا الكبرى التي عملت على مواجهتها من مواجهة للاستعمار تارة، أو تشكيل حركات المقاومة المسلحة لمواجهة الاحتلال الصهيوني، أو الدفاع عن الهوية الإسلامية في مواجهة الأفكار والعقائد الأخرى، كالشيوعية والقومية والرأسمالية تارة أخرى.

 

رابعا: قراءة مقارنة بين مفهوم المواطنة في الإسلام وما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

تضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10 كانون الأول 1948م؛ ديباجة أشارت إلى الدوافع التي أدت لهذا الإعلان وتبنيه، وضرورة إخراجه ليستهدف كافة الشعوب والأمم؛ و/30/ مادة تضمنت الحقوق والحريات الفردية التي يجب أن يكفلها القانون. وعُدّ منذ ذلك التاريخ معيارا يجب أن تبلغه كافة الشعوب وكافة الدول لتحقيق التقدم والتنمية في جو من السلم والتعايش والمساواة ووحدة المصير الإنساني نظرا لولادة جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق وفقا للمادة الأولى من الإعلان، وعلى الرغم من أن الإسلام أقر منذ بداياته بحقوق الإنسان ما جعله أن يُشكل ثورة في تاريخ النظم الاجتماعية، ونادى بالمساواة  بين الناس في القيمة الإنسانية المشتركة وذلك خلافا لما كان سائدا في البيئة التي انطلق منها، وما كان سائداً في الأمم والشرائع المحيطة به أو السابقة له، إلا أننا سنقف هنا على نقاط الاختلاف بين الجانبين.

 

ساوى الإعلان في مادته الثانية جميع الناس أمام القانون على اختلاف دينهم ومولدهم ولونهم وعنصرهم إلا أن ذلك ليس عدلا فالإنسان في إطار انتمائه "الديني أو العرقي..." مطالب بواجبات وحقوق ليس مطالبًا بها من هو خارج هذا الانتماء، فعلى سبيل المثال يكون إجحافا بحق المواطن المسيحي إذا ما تمت مساواته من خلال القانون مع غيره، بشكل يفرض عليه واجبات وحقوق المسلم ضمن انتمائه الديني. كما نصت المادة /16/ منه على حق المرأة بتزويج نفسها من دون ولي، الأمر الذي يتعارض مع ما جاء في الإسلام، وما تفرع عن مواضيع تخص المرأة من تعدد الزوجات ونسبتها في الإرث وغير ذلك. ويتعارض ما جاء في المادة /18/ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مع ما نص عليه الإسلام جهة حكم الارتداد في الإسلام. 

 

 أتى رد الفعل الإسلامي على ذلك بجملة من الإجراءات الهادفة إلى الاعتراف والتوفيق بين الطرفين وفق صور متعددة منها ما هو رسمي تمثل بصدور "البيان العالمي عن حقوق الإنسان في الإسلام" في العام 1981م عن المجلس الإسلامي الدولي للعالم، وهو منظمة غير دولية تعمل في أوروبا، وتتخذ من باريس مقرا لها، واعتبر المفكر محمد أركون، المتخصص بالدراسات الإسلامية والتراث الإسلامي التنويري وأستاذ العلوم الإسلامية في جامعة السوربون، هذا البيان والمبادئ المذكورة فيه أنها توضح لنا كيف يتوسل المسلمون للقرآن وكيف يطلبون منه تلبية حاجاتهم، و يفسرونه ويستخدمونه بالشكل الذي يتناسب مع حاجاتهم من أجل توليد حقوق إنسان إسلامية تقابل حقوق الإنسان الأوروبية والغربية، كما أعلنتها الثورة الفرنسية، وهذا الطموح لتأكيد الذات مفهوم ضمن ظروف الصراعات الدولية الراهنة، فهم يحاكون ويقلدون الأشياء الإيجابية في الثقافة والحضارة الأوروبية، ولكنهم ضمن السياق الصراعي والإيديولوجي الحالي، يأنفون من القيام بمجرد التقليد والمحاكاة. لهذا السبب يجدون أنفسهم مدعوين للبحث عن أصول أو جذور إسلامية خالصة لقيم مشابهة أو متطابقة مع قيم الحضارة الغربية[16].   

 

ورأى فريق آخر الانطلاق من علم مقاصد الشريعة الذي يرمي إلى تحقيق الأهداف العامة التي تسعى الشريعة إلى تحقيقها في حياة الناس، وما تسعى لتحقيقه عبر نوعين من الأهداف: الأهداف الخاصة، والأهداف العامة. ويعتبر الشيخ محمد الخضر الحسين رائدا في هذا المجال حيث اعتبر الحرية مقصدا خامسا من مقاصد الشريعة وأفرد لها كتابا خاص بعنوان الحرية في الإسلام[17].

 


 خامسا: أدوات تحقيق المواطنة ووسائلها

رأى الدكتور علي الصلابي في كتابه "المواطنة والوطن في الدولة الحديثة المسلمة" أن أهمية العمل على تأصيل مبدأ المواطنة نظرا لما شكلته من أساس للنقاشات الاجتماعية والسياسية والنداءات الشعبية بعد النجاح المبدئي للربيع العربي في بلدان تونس وليبيا ومصر عام 2011م، وبدء تبلور مفهومها من خلال حركة المجتمع الحقيقية وتطوراته الدستورية والسياسية، ولكي نضمن النجاح في اعتماد الثقافة السياسية الوطنية الجامعة، المبنية على مبدأ المواطنة، من أجل تفعيل المواطنة الحقيقية في الواقع العربي، نجد أنفسنا أمام ثلاثة محاور لا بد من العمل من خلالها للانتقال بمفهوم المواطنة من حيز التنظير إلى واقع التطبيق.

 

يبدأ المحور الأول من العمل ببناء نظام تعليمي يهيئ للطالب ممارسة حقوق وواجبات المواطنة، وجعل المواطنة على أنها هدف للنظام المدرسي بأكمله، حيث تتمثل وظيفة المدرسة الحديثة بإعداد الطلبة لأدوار المواطنة المختلفة انطلاقا من كون المواطنة مهارات وقيم مكتسبة بالممارسة، ويدعم الدور التربوي وجود نظام إعلام يساهم في التوعية المستمرة بمستلزمات المواطنة ويبتعد عن كل ما يجرح مفاهيم المواطنة، والعمل من خلاله على الارتقاء بالرؤى والتصورات التي تساعد الأفراد على أن يصبحوا قيمة مضافة في عملية التنمية، نظرا لدور الإعلام كوسيلة مهمة للتعبير عن آراء المواطن ومشكلاته، وعرض قضاياه، والاستثمار ما أمكن في وسائل الإعلام الحديثة في ضوء حرية تدفق المعلومات التي أصبحت من أبرز الأدوات لتبادل الثقافات والخبرات بين مواطني البلد الواحد، وصولا إلى منظمات المجتمع المدني ودورها في توجيه طاقات المواطنين نحو المشاركة البناءة في العمل داخل المجتمع المحلي، وتدريب القيادات، وتقوية الحساسية لدى التلاميذ والمواطنين نحو المشكلات والقضايا الإنسانية، وتدعيم الثقة في النظم السياسية النظامية، نظرا لقدرتها على التأثير في القرارات الاجتماعية والسياسية، مرورا بالمحور الثاني في ممارسة قيم المواطنة الذي يتمثل بممارسة قيم المواطنة المتضمنة حقوق الإنسان في المساواة بكل أشكالها وصورها، وإلغاء التمييز بكل أشكاله، وتطبيق العدالة، للوصول من خلال ذلك إلى المحور الثالث من خلال المشاركة في الحياة السياسية والثقافية المعترف بها في المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان بدءا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص على المشاركة في الحكومة، والانتخابات الحرة، والمشاركة في الحياة الثقافية للمجتمع، والتجمع السلمي، وتكوين الجمعيات، وتعكس بذلك المشاركة كشرط أساسي للمواطنة الفعالة لجميع الناس في المجتمع. وبالتالي تؤدي المحاور الثلاثة – إن تمت ممارستها - إلى إصلاحات تراكمية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

خاتمة

يعد الوصول إلى المواطنة الصالحة هدفا تسعى لتحقيقه الدولة والمجتمع، وعدّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المثل الأعلى لجميع الدول لتقر بما جاء فيه فكرا ونهجا، وهنا لا بد من الإشارة إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي صدر خلالها، وما هدفت إليه السلطة التي أصدرته لتمكين الناس من ممارسة حقوقهم الطبيعية تفاديا للصراع الاجتماعي وإقرار للسلم الداخلي وحماية المجتمع من الانهيار، وفي المقابل فإن الدين الإسلامي بما احتواه من تمييز وخاصة بين الرجل والمرأة هو ليس تفضيلا مطلقا للرجل، وإنما هي مسؤولية يترتب عليها حقوق وواجبات على كل طرف بينها الدكتور محمد إسماعيل في كتابه "عودة الحجاب"  أعلن الإسلام موقفه الصريح من إنسانية المرأة وأهليتها وكرامتها، ونظر إلى طبيعتها وما تصلح له من أعمال الحياة، فأبعدها عن كل ما يناقض تلك الطبيعة، أو يحول دون أداء رسالتها كاملة في المجتمع، ولهذا خصها ببعض الأحكام عن الرجل زيادة أو نقصانا، وأسقط عنها ـ لذات الغرض ـ بعض الواجبات الدينية والاجتماعية.

 


المراجع:

[1] كتاب الإسلام وأصول الحكم؛ بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام – تأليف علي عبد الرزاق – مطبعة مصر

[2] الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية - المواطنة ( المفهوم، الأسس، الأهداف) الجزء الأول

[3] الصفحة الرسمية لراشد الغنوشي على موقع الفيسبوك – الإسلام والمواطنة محاضرة ألقاها في مؤتمر الوحدة الوطنية والعيش المشترك.

[4] مركز جيل البحث العلمي – د. بن عمروش فريدة، جامعة الجزائر - توظيف شبكات التواصل الاجتماعي”الفيسبوك” من قبل منظمات حقوق الإنسان لترقية المواطنة بالجزائر دراسة تحليلية

[5] مفهوم المواطنة في الفكر السياسي المعاصر – د. ناهد محمد زبون - دراسة في المفهوم والأبعاد

[6] الحرة - مارتن لوثر كينغ.. رجل ألهم أمة

[7] الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية  - المواطنة ( المفهوم، الأسس، الأهداف…) – الجزء الرابع

[8] مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية- المجلد 4 – العدد1 -  التطور التاريخي لمفهوم حقوق الإنسان في أوربا ص367 – د. حيد سعد الابراهيمي.

[9] الجزيرة مباشر – محمد خير موسى – كيف نجح النّظام في تمزيق النّسيج الاجتماعي في سوريا؟!

[10] موقع الحوار اليوم - مقال د. محمد عثمان الخشت: المجتمع المدني والتعددية والتسامح في سياق الحضارة الإسلامية

[11] ويكيبيديا الإخوان المسلمون – د. منير الغضبان - مبدأ (المواطنة) عند الدكتور مصطفى السباعي مؤسّس الإخوان المسلمين في سورية

[12] موقع حفريات – إسلام سعد - مفهوم المواطنة في دولة الإسلام السياسي

[13] الجزيرة نت – راشد الغنوشي – الإسلام والمواطنة

[14] الجزيرة نت – نزار الفراوي - التجربة النهضوية التركية

[15] المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية – المواطنة مفهومها؛ جذورها التاريخية وفلسفتها السياسية – شريف الدين بن دوبه https://www.iicss.iq/files/files/5b53a2f.pdf

 

[16] موقع معابر – محمد عيد دياب - حقوق الإنسان بين إعلان الأمم المتحدة والإسلام - الجزء الأول [1]

[17] صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" باسم العلامة الشيخ محمد الخضر الحسين قدمت عرضا موجزا عن الكتاب واسهامات الشيخ في هذا المجال. https://www.facebook.com/MohamedKhiderHussein/photos/a.375622912465768/375623102465749/?type=1&theater

 

(للاطلاع على الدراسة كملف pdf يُرجى تحميل الملف المُرفق أسفل الصفحة)

---------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2020

831.29 KB

Follow Us on Facebook

Newsletter


Follow Us on Twitter

2015 © Copyrights reserved for Syria Inside for studies and researches