استعادة الأموال المنهوبة والمهربة: دراسة حالة سوريا

استعادة الأموال المنهوبة والمهربة: دراسة حالة سوريا
المحامي فراس حاج يحيى ٫ باحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام
مقدمة
تمثل استعادة الأموال المنهوبة قضية محورية للعديد من الدول التي شهدت أنظمة حكم فاسدة أو نزاعات مسلحة أدت إلى تهريب أصولها المالية إلى الخارج. وفي هذا السياق، تسعى الحكومات والمنظمات الدولية إلى استرداد تلك الأموال لدعم إعادة الإعمار وتعزيز التنمية الاقتصادية. يهدف هذا المقال إلى استعراض الإطار القانوني الدولي لاسترداد الأموال المنهوبة، الإجراءات المتبعة، التحديات التي تواجه الدول ودراسة أولية لحالة سوريا.
أهمية استعادة الأموال المنهوبة
تعني استعادة الأموال المنهوبة استرداد الأصول المالية التي تم تهريبها إلى الخارج بطرق غير مشروعة، سواء عبر الفساد، التهرب الضريبي، أو غسل الأموال. تكمن أهمية هذه العملية في عدة جوانب رئيسية، من بينها:
- تحفيز الاقتصاد الوطني: تساهم الأموال المستردة في تقليل العجز المالي وتحفيز النمو الاقتصادي من خلال توظيفها في مشاريع تنموية.
- مكافحة الفساد: تشكل عملية استرداد الأموال المنهوبة رسالة واضحة للمفسدين بأنهم لن يتمكنوا من الإفلات بجرائمهم.
- تعزيز سيادة القانون: تسلط هذه العملية الضوء على قدرة الحكومات على محاسبة المسؤولين المتورطين واستعادة الحقوق.
- تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي: من خلال إعادة توظيف تلك الأموال في تحقيق التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
الإطار القانوني لاستعادة الأموال المنهوبة
هناك العديد من الاتفاقيات والآليات القانونية التي تتيح للدول ملاحقة الفاسدين واستعادة أموالها المهربة، ومن أبرزها:
- اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC): تُعد هذه الاتفاقية الأداة القانونية الرئيسية في هذا المجال، حيث تلزم الدول الأعضاء بتقديم التعاون القانوني المتبادل لاسترداد الأصول المهربة.
- اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (UNTOC): تسهم في تعزيز التعاون بين الدول لمكافحة الجرائم المالية واستعادة الأصول المسروقة.
- مبادرة استرداد الأصول المسروقة (StAR): وهي مبادرة مشتركة بين البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لدعم الدول في تتبع واستعادة الأصول المنهوبة.
- آلية المساعدة القانونية المتبادلة (MLA): تتيح هذه الآلية للدول تقديم طلبات رسمية للحصول على المساعدة في التحقيقات المالية وتجميد الأصول المشبوهة.
- اتفاقيات تسليم المجرمين: تتيح ملاحقة المسؤولين عن تهريب الأموال وإعادتهم إلى دولهم لمحاسبتهم قانونياً.
إجراءات استرداد الأموال المنهوبة
تمر عملية استرداد الأموال المنهوبة بعدة مراحل قانونية وإجرائية تشمل:
- تجميد الأصول: يُعد التجميد أول خطوة لمنع التصرف في الأموال المهربة، ويتم ذلك عبر أوامر قضائية بالتعاون مع الدول المستضيفة لهذه الأصول.
- الملاحقة الجنائية: تشمل رفع دعاوى قضائية ضد الأفراد أو المؤسسات المتورطة في تهريب الأموال.
- التفاوض والاتفاقيات الثنائية: تلجأ بعض الدول إلى التفاوض مع الدول المستضيفة لاسترداد الأموال دون اللجوء إلى إجراءات قضائية مطولة.
- المقاضاة المدنية: يتيح القانون لبعض الدول استعادة الأموال عبر دعاوى مدنية ضد الأفراد أو المؤسسات التي تحتفظ بالأصول.
- التعاون مع المؤسسات المالية: يتطلب ذلك فرض رقابة صارمة على التدفقات المالية لمنع استخدامها في أنشطة غير مشروعة.
دراسة حالة: استعادة الأموال المهربة من سوريا
تعد قضية استعادة الأموال المنهوبة من سوريا تحديًا معقدًا يتطلب تنسيقًا دوليًا وإجراءات قانونية دقيقة. فمنذ اندلاع النزاع السوري في عام 2011، تم تهريب مبالغ طائلة إلى الخارج بواسطة مسؤولين ورجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق.
التحديات في استعادة الأموال السورية:
تواجه الجهود المبذولة لاستعادة هذه الأموال عدة عراقيل، أبرزها:
- عدم التعاون الدولي: بعض الدول ترفض التعاون بسبب المصالح السياسية والاقتصادية.
- تعقيد الإجراءات القانونية: تتطلب العملية اتباع مسارات قانونية معقدة ومكلفة قد تستغرق سنوات طويلة.
- التحديات الدبلوماسية في الاعتراف بالجهة المطالبة بالأموال: حتى الآن لم يتم الاعتراف الكامل بشرعية الحكومة السورية الجديدة ولم ترفع العقوبات الدولية عن سوريا أو عن بعض القيادات السورية الجديدة، مما قد يعوق متابعة القضايا القانونية المتعلقة بهذا الشأن.
الخطوات المقترحة لاستعادة الأموال المنهوبة من سوريا
استرداد الأموال المنهوبة والمهربة من سوريا، خاصة تلك التي يُعتقد أن مسؤولين سابقين قاموا بتهريبها، يتطلب اتباع إجراءات قانونية داخلية دقيقة من قبل وزارة العدل ووزارة المالية
دور وزارة العدل:
- إنشاء وحدة قانونية مختصة ضمن وزارة العدل لمتابعة القضايا المتعلقة بالأموال المنهوبة والتنسيق مع المنظمات الدولية.
- إصدار أوامر تجميد الأصول المحلية والمشتبه بها بالتنسيق مع الهيئات القضائية.
- إحالة القضايا إلى القضاء الجنائي لملاحقة المتورطين بتهريب الأموال.
- استخدام الإنتربول لإصدار مذكرات توقيف دولية بحق المسؤولين المتورطين.
دور وزارة المالية:
- إنشاء آلية مراقبة مالية لرصد التحويلات المالية الكبيرة والمشبوهة.
- التعاون مع البنوك المحلية للكشف عن الحسابات المرتبطة بالأموال المهربة.
- إصدار تقارير مالية دورية لتقديم بيانات دقيقة حول حجم الأموال المنهوبة.
- استخدام تقنيات تتبع الأموال الرقمية لتحديد مسارات الأصول المهربة.
وبالاستفادة من التجربة النيجيرية في استرداد أموالها المنهوبة، يمكن للحكومة السورية اتباع الخطوات التالية:
- تشكيل هيئة وطنية لاسترداد الأموال المنهوبة:
- التكوين: تضم ممثلين من وزارة العدل، وزارة المالية، النيابة العامة، الأجهزة الأمنية، وخبراء في القانون الدولي والتمويل.
- المهام: جمع الأدلة، تتبع الأصول المهربة، والتنسيق مع الجهات الدولية المعنية.
إجراء تحقيقات داخلية شاملة:
- التحريات: فتح تحقيقات موسعة لتحديد الأموال المهربة، مساراتها، والأشخاص المتورطين.
- التوثيق: جمع وتوثيق الأدلة التي تثبت تورط المسؤولين في تهريب الأموال.
تفعيل القوانين الوطنية والدولية:
- القوانين المحلية: تطبيق القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد وغسل الأموال، وتحديثها إذا لزم الأمر لتتوافق مع المعايير الدولية.
- الاتفاقيات الدولية: الاستفادة من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) كإطار قانوني للتعاون الدولي في استرداد الأصول.
التعاون مع المنظمات الدولية:
- مبادرة استرداد الأصول المسروقة :(StAR) طلب الدعم الفني والقانوني من هذه المبادرة المشتركة بين البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.
- المنتدى العربي لاسترداد الأموال: المشاركة في هذا المنتدى الذي يهدف إلى دعم الدول العربية في جهودها لاسترداد الأموال المنهوبة.
التنسيق مع الدول المستقبلة للأموال:
- المساعدة القانونية المتبادلة: تقديم طلبات رسمية للدول التي يُعتقد وجود أصول مهربة فيها، للمساعدة في تجميد واسترداد هذه الأصول.
- الاتفاقيات الثنائية: إبرام اتفاقيات تعاون مع هذه الدول لتسهيل عملية الاسترداد.
رفع دعاوى قضائية:
- المحاكم المحلية: محاكمة المتورطين في تهريب الأموال وإصدار أحكام قضائية تدعم طلبات الاسترداد.
- المحاكم الدولية: عند الضرورة، اللجوء إلى المحاكم الدولية لملاحقة الأصول المهربة.
إعادة الأموال المستردة وتوظيفها:
- الشفافية: ضمان إدارة الأموال المستردة بشفافية، وتخصيصها لمشاريع إعادة الإعمار والتنمية.
- المراقبة: إنشاء آليات لمراقبة استخدام هذه الأموال لضمان عدم تعرضها للفساد مجددًا.
على سبيل المثال، إذا تم تحديد أن جزءًا من الأموال موجود في روسيا، يمكن للحكومة السورية تقديم طلب رسمي للسلطات الروسية لتجميد هذه الأصول والتحقيق في مصادرها. قد يتطلب ذلك تقديم أدلة موثوقة على أن هذه الأموال تم الحصول عليها بطرق غير مشروعة. في حال تعاون السلطات الروسية، يمكن التوصل إلى اتفاقية ثنائية لإعادة هذه الأموال أو جزء منها إلى الخزينة السورية٫ باتباع هذه الخطوات، يمكن للحكومة السورية تعزيز فرصها في استرداد الأموال المنهوبة والمساهمة في إعادة بناء الاقتصاد الوطني٫ كذلك لا بد من التفاوض مع بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة،، لتسهيل استرداد الأصول المجمدة.
تجدر الإشارة إلى أن نيجيريا استعادت حوالي 1.2 مليار دولار من الأصول المنهوبة التي اختلسها الجنرال ساني أباتشا خلال فترة حكمه (1993-1998)، وقد تمكنت الحكومة النيجيرية من تحقيق ذلك عبر سلسلة من الخطوات والإجراءات القانونية والدبلوماسية، بالتعاون مع دول ومنظمات دولية٫ عبر الخطوات التالية:
- التحقيقات الداخلية وجمع الأدلة:
- تشكيل لجان تحقيق: بادرت الحكومة النيجيرية بتشكيل لجان تحقيق متخصصة لجمع الأدلة المتعلقة بالأموال المختلسة وتحديد مسارات تهريبها.
- التعاون مع جهات دولية: استعانت نيجيريا بخبرات دولية لتتبع الأموال وتحديد أماكن وجودها في الخارج.
التعاون الدولي وتقديم طلبات المساعدة القانونية:
- التواصل مع الدول المعنية: قدمت نيجيريا طلبات رسمية للمساعدة القانونية المتبادلة إلى الدول التي يُعتقد أن الأموال المهربة موجودة فيها، مثل سويسرا والولايات المتحدة وجزر جيرسي.
- تفعيل الاتفاقيات الدولية: استندت نيجيريا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) كإطار قانوني للتعاون الدولي في استرداد الأصول.
تجميد الأصول والتحقيقات القضائية:
- إجراءات التجميد: بناءً على الأدلة المقدمة، قامت الدول المستقبلة للأموال بتجميد الأصول المشتبه بها لمنع التصرف فيها أثناء فترة التحقيق.
- الملاحقات القضائية: رفعت نيجيريا دعاوى قضائية في المحاكم الدولية والوطنية للدول المعنية للمطالبة بإعادة الأموال المختلسة.
إبرام اتفاقيات لإعادة الأصول:
- التفاوض الثنائي: دخلت نيجيريا في مفاوضات مباشرة مع الدول المعنية للتوصل إلى اتفاقيات تعيد بموجبها هذه الدول الأصول المهربة.
- شروط إعادة الأموال: في بعض الحالات، تضمنت الاتفاقيات شروطًا تتعلق بكيفية استخدام الأموال المستردة، مثل تخصيصها لمشاريع تنموية محددة.
إعادة الأموال وتوظيفها في التنمية:
- استلام الأصول: تمكنت نيجيريا من استعادة مبالغ مالية كبيرة على مراحل، بما في ذلك 311 مليون دولار من الولايات المتحدة وجزر جيرسي في عام 2020.
- استخدام الأموال: تعهدت الحكومة النيجيرية باستخدام الأموال المستردة في مشاريع تنموية وبنية تحتية لتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.
تشكل استعادة الأموال المنهوبة تحديًا قانونيًا وسياسيًا معقدًا، لكنه ضرورة لضمان تحقيق العدالة والتنمية المستدامة. وعلى الرغم من العقبات، فإن تجارب بعض الدول أثبتت أن التعاون الدولي، الإصلاحات القانونية، وتعزيز الشفافية المالية يمكن أن تؤدي إلى استعادة جزء كبير من الأموال المهربة. إن تطوير إطار قانوني فعال لهذه العملية سيسهم في تقليل الفساد وتمكين الدول من إعادة استثمار مواردها في إعادة الإعمار والتنمية.
مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة
-------------------------------------------------------------------------------------
الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2025