Syria Inside
سوريا بين الاستقرار الهش وأوهام التعافي: قراءة في رسائل صندوق النقد

سوريا بين الاستقرار الهش وأوهام التعافي: قراءة في رسائل صندوق النقد

سوريا بين الاستقرار الهش وأوهام التعافي: قراءة في رسائل صندوق النقد

مقال رأي – اقتصاد

 

ليس من المعتاد أن تحمل تصريحات صندوق النقد الدولي حول الاقتصاد السوري نبرة إيجابية، حتى وإن غُلفت بحذر شديد، لذا فإن حديث الصندوق عن "مؤشرات تعافٍ" يستحق التوقف عنده مطولاً، ليس بوصفه إعلاناً عن انفراجة كبرى، بل كإشارة تستوجب تشريح ما يجري فعلياً في عمق هذا الاقتصاد المنهك.

في القراءة الاقتصادية الرصينة، لا يمكن التعامل مع هذه الإشارات كحكم نهائي، بل هي توصيف لـ "لحظة انتقالية" بالغة الحساسية. فالتعافي بمفهوم المؤسسات الدولية غالباً ما يكون (( تعافياً إحصائياً ))؛ أي أن الاقتصاد قد وصل إلى "القاع" وبدأ بالاستقرار عنده بعد سنوات من الانهيار الحر الذي أفقد البلاد أكثر من 60% من ناتجها المحلي الإجمالي. وهنا تكمن الخديعة: فالثبات عند القاع قد يبدو في الرسوم البيانية "نمواً صفرياً" أو "تحسناً طفيفاً"، لكنه في الواقع المعيشي يعني استمرار العجز والفقر.

اللافت في التصريحات هو الإشادة بالسياسات المالية والنقدية "المتشددة". ومن منظور أكاديمي، يبدو هذا الخيار منطقياً لكبح تضخم جامح تجاوز مستويات قياسية، لكن التجربة تخبرنا أن هذا "الدواء المر" يأتي بكلفة اجتماعية باهظة، لإن سياسة تجفيف السيولة وضبط الإنفاق هي في الحقيقة عملية ((خنق للطلب الكلي))؛ فبينما تنجح هذه الأدوات في تهدئة الأسواق ظاهرياً أو تثبيت سعر الصرف مؤقتاً، فإنها تؤدي إلى شلل في الحركة التجارية وتضيق هوامش البقاء أمام القطاع الخاص والمواطن الذي بات يواجه (ركوداً تضخمياً) لا يرحم.

الأهم من ذلك، أن محاولة وضع "إطار مستقر للسياسة النقدية" هي خطوة تهدف للانتقال من سياسة "إطفاء الحرائق" وردود الفعل إلى بناء قواعد مؤسساتية، لكن -وهنا لبّ القضية- لا يمكن لأي سياسة نقدية مهما كانت بارعة أن تنجح في فراغ إنتاجي، فالاقتصاد السوري اليوم يعاني من (توازن عند مستوى منخفض)[1] حالة من الاستقرار المعتلّ خاصة عند عدم وجود إنتاج حقيقي، وطاقة تشغل المصانع، ولا حتى استثمارات أجنبية تكسر العزلة.

من هذا المنطلق، أجد أن ما نعيشه اليوم هو ((إدارة محسّنة للأزمة)) بامتياز، وليس بداية لنهضة اقتصادية.

لقد انتقل الاقتصاد من مرحلة "الانهيار السريع" إلى مرحلة "الاستنزاف المستقر"، إننا في سوريا أمام حالة من الاستقرار الهش، تتأثر بأي هزة سياسية أو إقليمية، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد على قنوات خلفية واقتصاد موازٍ يهرب من قيود السياسات الرسمية.

في النهاية، لا يمكن إنكار أهمية عودة التواصل مع المؤسسات الدولية، لكن الحذر من المبالغة في تفسير هذه الإشارات. التعافي الحقيقي لا يبدأ من تصريحات المسؤولون في صندوق النقد، بل يبدأ من عودة المداخن للعمل، ومن بيئة استثمارية تجذب رؤوس الأموال لا تنفرها، ومن حلول سياسية ترفع كاهل العقوبات والعزلة.

السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه: هل يملك هذا الاستقرار الهش مقومات التحول إلى مسار مستدام؟ المؤشرات الحالية تقول إننا ما زلنا في مرحلة "تثبيت المريض" في غرف الإنعاش، أما خروجه للمشي مجدداً، فلا يزال رهناً بمتغيرات كبرى تتجاوز مجرد ضبط سعر الصرف أو تقليص العجز.

 

محمد عمار خالد السعيد

باحث دكتوراه في الفكر الاقتصادي المقارن

 


[1] التوازن عند مستوى منخفض (Underemployment Equilibrium): حالة اقتصادية يستقر فيها النظام عند نقطة تتساوى فيها القوى الشرائية الضعيفة مع الإنتاج المحدود. ورغم توقف "الانهيار المتسارع" في هذا الوضع، إلا أنه استقرار زائف؛ إذ يعجز الاقتصاد عن توليد نمو حقيقي أو توفير فرص عمل، ويتحول إلى "فخ" من الركود المستمر حيث يتأقلم المجتمع مع مستويات معيشية متدنية جداً دون قدرة ذاتية على النهوض.

 

مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة

-------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2026

678.05 KB

Follow Us on Facebook

Newsletter


Follow Us on Twitter

2015 © Copyrights reserved for Syria Inside for studies and researches