Syria Inside
قبل بيروت... هل اكتمل بناء الدولة في دمشق؟

قبل بيروت... هل اكتمل بناء الدولة في دمشق؟

قبل بيروت... هل اكتمل بناء الدولة في دمشق؟

 

فراس حاج يحيى٫ باحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام

 

في السياسة، كثيراً ما تواجه الدول الخارجة من الأزمات إغراء استعادة أدوارها الإقليمية قبل استكمال إعادة بناء قوتها الداخلية٫ فمجرد عودتها إلى المشهد السياسي يفتح نقاشاً حول موقعها في التوازنات المحيطة، وحجم الدور الذي يمكن أن تضطلع به في إدارة أزمات الجوار أو المساهمة في إعادة تشكيل النظام الإقليمي.

 

واليوم تعيش سوريا اليوم لحظة مشابهة٫ فبعد سقوط نظام الأسد ودخول البلاد مرحلة سياسية جديدة، بدأت تستعيد تدريجياً موقعها في المعادلات الإقليمية والدولية، بالتزامن مع تحولات متسارعة يشهدها المشرق العربي بأكمله. فمن تداعيات الحرب في غزة، الى الحرب الإسرائيلية – الامريكية- الإيرانية وتداعياتها السياسية والاقتصادية وتصاعد الجدال حول مستقبل الأذرع الإيرانية في المنطقة ٫ تتزايد الضغوط وتتصاعد لإعادة صياغة الترتيبات الأمنية في لبنان، مروراً بإعادة رسم موازين القوى في سوريا والعراق، حيث تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة من إعادة التشكل السياسي والأمني.

 

في هذا السياق، يبرز سؤال استراتيجي يتجاوز حدود الساحة اللبنانية نفسها: هل أصبحت سوريا جاهزة للعودة إلى ممارسة أدوار إقليمية فاعلة، أم أن أولويتها ما تزال تتركز في استكمال بناء الدولة واستعادة تماسكها الداخلي؟

 

تزداد أهمية هذا السؤال مع تنامي النقاشات الدولية حول مستقبل الأمن الإقليمي وتعزيز دور الدول الوطنية في مواجهة الفاعلين المسلحين خارج المؤسسات الرسمية. كما تزداد أهميته في ظل الحديث المتكرر عن الحاجة إلى ترتيبات جديدة لضبط الاستقرار في لبنان، وهو ما يدفع بعض المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت سوريا قد تجد نفسها مجددًا أمام استحقاقات أو أدوار تتجاوز حدودها المباشرة.

 

لكن النقاش الحقيقي لا يتعلق بما إذا كان المجتمع الدولي قد يرغب في دور سوري أم لا، بل بما إذا كانت المصلحة الوطنية السورية تقتضي الانخراط في مثل هذه الأدوار في هذه المرحلة بالذات.

 

إغراء العودة إلى الإقليم

من الطبيعي أن تسعى الدول إلى استعادة نفوذها الإقليمي عندما تبدأ باستعادة عافيتها الداخلية. فالمكانة الخارجية ليست مجرد مسألة رمزية، بل ترتبط بالأمن والاقتصاد والقدرة على التأثير في البيئة المحيطة.

 

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الرغبة لدى بعض الأوساط السياسية في رؤية سوريا لاعباً فاعلاً  في إعادة ترتيب المشهد الإقليمي بعد سنوات من التراجع. كما يمكن فهم اهتمام بعض القوى الدولية والإقليمية بإشراك دمشق في ملفات تتصل باستقرار المشرق، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي وخبرتها التاريخية في التعامل مع ملفات معقدة تتجاوز حدودها الوطنية.

 

غير أن استعادة الدور ليست هدفاً بحد ذاته. فالقيمة الحقيقية لأي دور خارجي تقاس بمدى خدمته للمصلحة الوطنية، لا بحجمه أو اتساعه. والتجارب الدولية تظهر أن الدول التي تستعيد أدوارها الخارجية قبل استكمال عناصر قوتها الداخلية غالبًا ما تجد نفسها أمام أعباء تفوق المكاسب المتوقعة.

 

ما الذي يمكن أن تكسبه سوريا؟

رغم التحفظات المشروعة على أي انخراط إقليمي مبكر، فإن تجاهل المكاسب المحتملة سيكون قراءة غير مكتملة للمشهد.

فأي دور سوري مدروس في ترتيبات الاستقرار الإقليمي قد يساهم في تعزيز مكانة دمشق كشريك سياسي وأمني لا يمكن تجاوزه في قضايا المشرق. كما قد يمنحها هامشاً أوسع في حواراتها مع القوى الدولية والإقليمية، ويعزز فرص جذب الاستثمارات والدعم الاقتصادي اللازمين لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

كذلك قد يتيح لسوريا المشاركة في صياغة الترتيبات الأمنية والسياسية المحيطة بها بدل الاكتفاء بالتكيف معها بعد إقرارها من الآخرين. فالدول التي تغيب عن طاولات التفاوض تجد نفسها غالبًا مضطرة للتعامل مع نتائج لم تشارك في صنعها.

ومن منظور الأمن القومي، فإن استقرار لبنان يبقى مصلحة سورية مباشرة، بالنظر إلى التداخل الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي بين البلدين. ولذلك فإن أي مساهمة سورية في دعم الاستقرار اللبناني أو منع انهيار مؤسسات الدولة هناك قد تحقق مكاسب أمنية وسياسية حقيقية إذا جرى تصميمها ضمن إطار واضح ومتوازن.

غير أن هذه المكاسب المحتملة تبقى رهينة عامل أساسي: قدرة الدولة السورية على تحويل أي دور خارجي إلى مصدر قوة ونفوذ، لا إلى مصدر استنزاف وأعباء إضافية.

لبنان بوصفه اختباراً

يبقى لبنان الساحة الأكثر حساسية في أي نقاش يتعلق بالدور السوري الإقليمي٫ فالعلاقات بين البلدين تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة التقليدية، وتشمل تداخلات اجتماعية واقتصادية وأمنية تجعل استقرار أحدهما عاملاً مؤثراً في استقرار الآخر.

ومع ذلك، فإن هذه الخصوصية لا تعني بالضرورة أن أي دور سوري محتمل في لبنان سيكون مكسباً تلقائياً لسوريا.

فالتجربة التاريخية في هذا السياق تقدم دروساً تستحق التأمل٫ حين دخلت القوات السورية إلى لبنان عام 1976 ضمن إطار عربي، بدا التدخل آنذاك جزءًا من مقاربة إقليمية لإدارة أزمة لبنانية معقدة. وقد منح ذلك الدور دمشق نفوذاً سياسياً واسعاً لعقود لاحقة، لكنه حمّلها في الوقت نفسه أعباءً متزايدة وجعلها طرفاً مباشراً في توازنات داخلية شديدة التعقيد.

المقارنة بين الأمس واليوم ليست كاملة بالطبع، لكن الدرس الأهم يبقى قائماً: الانخراط في الساحات الهشة قد يمنح نفوذاً مؤقتاً، لكنه قد يتحول أيضاً إلى مصدر استنزاف طويل الأمد إذا لم يكن محكوماً بأهداف واضحة وقدرات كافية واستراتيجية خروج محددة.

أولوية الداخل السوري

إذا كانت السياسة الخارجية انعكاسًا لقوة الدولة، فإن السؤال الجوهري اليوم يتعلق بمدى اكتمال عناصر هذه القوة داخل سوريا نفسها.

فالدولة السورية ما تزال تواجه تحديات كبيرة تتعلق بإعادة بناء المؤسسات، وتعزيز التعافي الاقتصادي، واستكمال بسط سلطة الدولة على كامل الجغرافيا الوطنية، وترسيخ الاستقرار الاجتماعي والسياسي بعد سنوات طويلة من الصراع.

ومن الصعب تصور نجاح أي دور إقليمي واسع النطاق في ظل استمرار هذه التحديات. بل إن الانشغال بملفات خارجية معقدة قبل معالجة الأولويات الداخلية قد يؤدي إلى استنزاف الموارد السياسية والمؤسسية في مرحلة تحتاج فيها الدولة إلى تركيز جهودها على إعادة البناء.

ولهذا لا يبدو السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت سوريا قادرة على لعب دور في لبنان، بل ما إذا كانت المرحلة الحالية هي التوقيت المناسب لمثل هذا الدور.

فالنفوذ الخارجي المستدام لا يُبنى فوق هشاشة داخلية، بل يستند إلى دولة مستقرة ومؤسسات فعالة واقتصاد قادر على تحمل أعباء السياسة الإقليمية.

التداعيات الإقليمية المحتملة

أي انخراط سوري أوسع في الملفات الإقليمية لن يحدث في فراغ سياسي بل ربما يملأه مع مطالب انحسار النفوذ الايراني٫ فالمنطقة تشهد إعادة تشكيل مستمرة للتوازنات والتحالفات، كما تتقاطع فيها مصالح قوى دولية وإقليمية متعددة.

ومن الطبيعي أن يثير أي دور سوري جديد ردود فعل متفاوتة بين الأطراف المختلفة، سواء تلك التي قد ترى فيه عامل استقرار، أو تلك التي قد تعتبره مؤثراً في توازنات النفوذ القائمة.

كما أن أي دور يتصل بالملف اللبناني سيحمل تداعيات تتجاوز الساحة اللبنانية نفسها، نظراً لارتباط لبنان بشبكة واسعة من التنافسات الإقليمية والدولية٫ وهو ما يفرض على صانع القرار السوري النظر إلى أي خطوة محتملة من منظور الكلفة والعائد الاستراتيجي، لا من منظور الفرص الآنية فقط.

ولهذا فإن تقييم أي دور محتمل يجب أن ينطلق من حسابات الأمن القومي السوري ومصالح الدولة السورية طويلة الأمد، لا من اعتبارات ظرفية أو ضغوط خارجية أو وعود سياسية غير مضمونة.

بين الانكفاء والتورط

غالباً ما يُطرح النقاش بصيغة ثنائية: إما الانخراط الكامل أو الانكفاء الكامل٫ لكن التجارب الناجحة في إدارة السياسة الخارجية تشير إلى وجود مساحة أوسع بين هذين الخيارين.

فالدولة ليست مضطرة إلى رفض أي دور إقليمي بصورة مطلقة، كما أنها ليست مطالبة بقبول أي دور يُعرض عليها دون دراسة دقيقة للكلفة والعائد.

ومن هنا تبدو المقاربة الأكثر واقعية هي ما يمكن وصفه بسياسة "الانخراط المشروط"، أي الاستعداد للمساهمة في تعزيز الاستقرار الإقليمي عندما يخدم ذلك المصالح الوطنية السورية، مع التمسك بمجموعة من الشروط الواضحة المتعلقة بالأمن الوطني والاستقرار الداخلي والعائد السياسي والاقتصادي المتوقع.

هذه المقاربة تتيح لسوريا الحفاظ على موقعها كشريك محتمل في ترتيبات الاستقرار الإقليمي دون أن تتحول إلى طرف يتحمل أعباء تفوق قدراته أو أولوياته الحالية.

ختاماً إن التحدي الحقيقي الذي يواجه سوريا اليوم لا يتمثل في استعادة دورها الإقليمي بحد ذاته، بل في تحديد التوقيت المناسب والشروط المناسبة لهذه العودة.

فالدول لا تستعيد مكانتها الخارجية بمجرد الرغبة في ذلك، ولا عبر الانخراط المتسرع في أزمات الجوار، بل من خلال بناء عناصر القوة في الداخل أولًا. وكلما ازدادت قدرة الدولة على ترسيخ الاستقرار السياسي، وتعزيز مؤسساتها، وتحقيق التعافي الاقتصادي، ازدادت قدرتها على التأثير في محيطها من موقع الشريك القوي لا الطرف الباحث عن دور.

لذلك قد يكون السؤال الأهم بالنسبة لصانع القرار السوري اليوم ليس: كيف تعود سوريا إلى لبنان؟ بل: متى تصبح سوريا مستعدة للعودة إلى الإقليم من موقع القوة لا من موقع الحاجة؟

فالدول التي تنجح في بناء الداخل تملك دائماً فرصاً أفضل للتأثير في الخارج، أما الدول التي تستعجل أدوارها الإقليمية قبل اكتمال تعافيها فغالبًا ما تجد نفسها تدفع كلفة نفوذ لم يحن أوانه بعد.

 

مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة

-------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2026

 

631.74 KB

Follow Us on Facebook

Newsletter


Follow Us on Twitter

2015 © Copyrights reserved for Syria Inside for studies and researches