Syria Inside
حين يتذكّر الغربُ فضيلةَ الحوار: «بادن 2026» ودرسُها المؤجَّل في سوريا

حين يتذكّر الغربُ فضيلةَ الحوار: «بادن 2026» ودرسُها المؤجَّل في سوريا

حين يتذكّر الغربُ فضيلةَ الحوار: «بادن 2026» ودرسُها المؤجَّل في سوريا

بقلم: أ. د. محمد خير الوزير

في مدينةٍ سويسريةٍ صغيرةٍ اسمها بادن، وعلى ضفاف نهرٍ هادئٍ لا يكاد يُسمع خريرُه، اجتمع الناسُ في أواخر شهر مايو الماضي ليحتفلوا بذكرى خصامٍ قديم. خمسةُ قرونٍ مضت على «مناظرة بادن» لعام 1526، حين تواجه الكاثوليكُ والإصلاحيون في جدالٍ دينيٍّ حادٍّ لم يُفضِ يومها إلى صلح أو حلول، بل مهّد لطريقٍ طويلةٍ من الحروب والانقسام قبل أن تستقرَّ سويسرا أخيرًا على عيشٍ مشترك. واللافتُ أنّ مَن ورِثوا ذلك الخصام لم يختاروا أن يدفنوه في صمت، بل أحيَوه عمدًا تحت عنوانٍ ذكيٍّ هو «Disput(N)ation»، ليقولوا للعالم إنّ الجدل، إذا أُحسن، لا يُفرِّق بل يَجمع، وإنّ الذاكرة حين تُستعاد بشجاعةٍ تتحوّل من جرحٍ إلى درس.

 

احتفالٌ بالاختلاف، لا بالانتصار

ما يستحقّ التأمّل في «حوار بادن 2026» ليس فخامةَ المناسبة ولا حضورَ رئيس الاتحاد السويسري ووزرائه السابقين وقادة الكنائس، بل فلسفتُها الكامنة. فالحدثُ لم يكن احتفالًا بانتصار طائفةٍ على أخرى، بل احتفالًا بالاختلاف ذاته بوصفه قَدَرًا إنسانيًا لا يُلغى، وإنّما يُدار. هذه هي العبارة التي تردّدت في أروقة الكنيسة الكاثوليكية ببادن على لسان المتحدثين: الاختلاف قوّةٌ لا تهديد، والحوار شجاعةٌ لا ضعف.

 

ولم يكن عبثًا أن تُستضاف في هذا المحفل أصواتٌ جاءت من خارج السياق الأوروبي؛ فقد تحدّثت الناشطة اليمنية الحائزة جائزة نوبل للسلام توكّل كرمان في أمسيةٍ خاصّةٍ وفي نقاشٍ جمع اثنتي عشرة شخصيةً حول سؤال السلام الدائم، وظهر الزعيم الروحي البوذي الدالاي لاما عبر فيلم، وشارك الممثل المكسيكي وسفير منظمة أوكسفام غايل غارسيا بيرنال. بهذا التنوّع أرادت بادن أن تقول إنّ سؤال السلام لم يَعُد محليًا، وإنّ الإنسانية حين تتحاور لا تعترف بالحدود.

 

جوهر الرسالة: لا سلام بلا عدالة

غير أنّ أعمق ما حملته بادن لم يكن في الاحتفاء بالحوار وحده، بل في تحريره من المعنى الرخو الذي كثيرًا ما يُلبَس له. فالسلام، كما قيل هناك، ليس مجرّد غياب الحرب أو صمت البنادق، بل حضور العدالة؛ والأملُ ليس هروبًا من الواقع، بل فعلُ مقاومةٍ في وجه الخوف والاستبداد. وهذه المعادلة — لا سلام بلا عدالة، ولا مصالحة على حساب الكرامة — هي بالضبط ما يجعل من حدثٍ سويسريٍّ احتفاليٍّ مرآةً صالحةً لتأمّل واقعنا، نحن الذين خرجنا لتوّنا من ليلٍ طويل.

 

ومن بادن إلى دمشق: الدرس المُؤجَّل

هنا تحديدًا ينعقد الإسقاط على الحالة السورية الراهنة. فبعد سقوط نظام الأسد في أواخر عام 2024، وجدت سوريا نفسها أمام استحقاقٍ لا يقلّ جسامةً عن استحقاق بادن قبل خمسة قرون: كيف يُدار اختلافٌ مذهبيٌّ وقوميٌّ وسياسيٌّ عميق دون أن ينزلق من جديدٍ إلى الاقتتال؟

 

لقد عقدت دمشق في فبراير 2025 «مؤتمر الحوار الوطني»، وأصدرت إعلانًا دستوريًا انتقاليًا، وأنشأت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وعيّنت برلمانًا انتقاليًا في خريف العام نفسه. وهذه خطواتٌ تستحقّ التقدير في مسارٍ شديد الوعورة. غير أنّ الصورة لم تكتمل بعد: فالدستور الدائم لم يُقَرّ، ومسار دمج «قوات سوريا الديمقراطية» في الجيش الوطني تعثّر أكثر من مرّة، والتوترات مع المكوّن الكردي في الشمال الشرقي ما تزال قائمةً رغم التفاهمات المتلاحقة، فيما يقبع الملفُّ الإنساني في عجزٍ مزمن، إذ لم يُموَّل نداء عام 2026 إلا بنحو خُمسه، واضطرّ برنامج الأغذية العالمي إلى خفض مساعداته إلى النصف.

 

ودرسُ بادن في هذا كلّه واضحٌ ومُرّ: إنّ مناظرة 1526 لم تُنتج صلحًا فوريًا، بل احتاجت الأمّةُ السويسرية إلى قرونٍ من المكابدة قبل أن تجني ثمار التعايش. والمصالحةُ التي تُبنى على طمس الحقّ أو القفز فوق العدالة ليست سلامًا، بل هدنةٌ مؤجَّلةٌ تنتظر شرارتها. إنّ ما تحتاجه سوريا اليوم ليس حوارًا شكليًا يلتقط الصور ويُغلق الملفات على عجل، بلحوارًا يضع العدالة الانتقالية في قلبه لا في هامشه، ويُنصِف الضحايا قبل أن يطمئن الجناة، ويتّسع لكلّ مكوّنات البلد من دون إقصاءٍ أو وصاية.

 

الحوار فعلُ مقاومة

ثمّة عبارةٌ قيلت في بادن تستحقّ أن تُعلَّق على جدران كلّ مَن يتصدّى للشأن السوري اليوم: في زمن الشعبوية والكراهية، يصبح الحوار فعلَ مقاومةٍ ضدّ الانقسام. فالأنظمة الاستبدادية، كما ذُكر هناك، تخشى الإنسان الحرّ أكثر مما تخشى السلاح؛ ونحن السوريين نعرف هذا أكثر من سوانا، إذ دفعنا ثمن هذه الحقيقة دمًا وتهجيرًا وسنواتِ سجن.

 

ولعلّ أصدق ما يُقال في ختام هذا التأمّل إنّ بادن لم تقدّم لنا وصفةً جاهزة، فالسياقات لا تُستنسخ، والتاريخ لا يُعيد نفسه حرفيًا. لكنّها قدّمت لنا مبدأً: أنّ الشعوب التي تجرؤ على مواجهة ماضيها بصدق، وتختار الجدل المنظَّم بدل الإنكار أو الانتقام، هي وحدها التي تستحقّ أن تُكتب لها حياةٌ ثانية. والحرية، كما خُتمت كلماتُ بادن، قد تتأخّر لكنّها لا تموت؛ والتاريخ لا يبقى للأقوى، بل لمن يواصلون النضال. وهذا، في تقديري، هو الدرس الذي ننتظر من سوريا أن تتعلّمه، قبل فوات الأوان.

 

المصادر والمراجع

  1. مذكرة داخلية: «حوار بادن 2026»، خلاصة توثيقية للمحتوى والإحاطة الداخلية، 13 يونيو 2026 (الوثيقة المرجعية لهذا المقال).
  2. الموقع الرسمي لمشروع «Disput(N)ation»، أهداف المبادرة وبرنامجها: disputnation.ch.
  3. الكنيسة الإصلاحية في بادن، البرنامج التفصيلي للفعاليات 2026: ref-baden.ch/disputnation-2026-in-baden.
  4. التلفزيون السويسري (SRF)، تغطية الذكرى الخمسمئوية لمناظرة بادن 1526: srf.ch.
  5. أخبار الفاتيكان (Vatican News)، تقرير اختتام فعاليات الذكرى بحضور الرئيس بارملان، يونيو 2026.
  6. شبكة بلقيس نيوز، نصّ كلمة توكّل كرمان في بادن (التغطية العربية للحدث).
  7. مجلس الأمن الدولي – تقرير الحالة الشهري بشأن سوريا، يونيو 2026 (العدالة الانتقالية، الإصلاح الأمني، تمويل النداء الإنساني).
  8. مفوضية حقوق الإنسان – لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، الدورة الحادية والستون لمجلس حقوق الإنسان، 2026.
  9. ويكيبيديا/مصادر موثّقة: «مؤتمر الحوار الوطني السوري» (فبراير 2025)، و«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» (تأسّست مايو 2025).
  10. مكتبة مجلس العموم البريطاني، إحاطة: سوريا بعد عامٍ من سقوط الأسد — الحكومة الانتقالية والدستور والتوترات مع «قسد»، 2026.

 

ملاحظة: جرت بعض فعاليات حوار بادن باللغة الألمانية، وقد يكون التوثيق العربي الكامل لبعضها محدودًا حتى تاريخه.

 

مقالات الرأي التي تنشرها المؤسسة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسة

-------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2026

489.62 KB

Follow Us on Facebook

Newsletter


Follow Us on Twitter

2015 © Copyrights reserved for Syria Inside for studies and researches